من كل حملات الجيش الاسرائيلي وحروبه لماذا بالذات "رصاص مصبوب" جلبت على اسرائيل هذا القدر الكبير من المشاكل في الساحة الدولية؟ لهذا السؤال الاليم عدة أجوبة. جوابان منها يتعلقان بنقاط حساسة جدا في الحاضر الاسرائيلي. ويوجد لهما مكان في الحوار العام. المدى، يعتقد نتنياهو. لو أن الحملة انتهت بعد ايام قليلة ولم تمتد على مدى 22 يوما، لما كانت أثارت مثل هذه الموجة من الكراهية. وكلما استمرت الحملة هكذا يغسل دماغ الناس الذين شاهدوها من على شاشات التلفزيون. خطوة عسكرية اسرائيلية يجب أن تكون قصيرة. والا سندفع عليها أثمانا باهظة. مخاوف باراك واشكنازي، كما يعتقد بعض الوزراء في حكومة اولمرت. وحسب روايتهم، فان مدى الحملة لم يغير شيئا لان الاسناد الذي اعطاه الرئيس بوش سمح بمواصلة القتال اكثر فأكثر. جذر الشر بروايتهم هو وضع عدد القتلى في الجيش الاسرائيلي فوق كل اعتبار آخر. عندما يكون صفر اصابات لقواتنا هو الهدف الاسمى، يتأخر قدر الامكان الشروع في الحملة وندخل الشتاء، نقصف غزة من الجو بدلا من ادخال القوات البرية اليها، نطلق كميات مبالغ فيها من النار امام كل خطر، ومن اللحظة التي تبدأ فيها الحملة نستدعي بكل أنواع الطرق الملتوية الطلب لوقف النار. الحقيقة هي أنه لم يكن في غزة قتال حقيقي. يشهد على ذلك الفارق في عدد الاصابات: عشرة جنود فقد الجيش الاسرائيلي، أربعة منهم بنار قواتنا. اما للفلسطينيين فكان بين 1.100 و 1.400 قتيل، القسم الاكبر منهم مدنيون غير مسلحين. وما اعتبره الرأي العام في اسرائيل انتصارا، الرأي العام في البلدان الاخرى اعتبرته اعتداءا من جيش حديث، محمي جيدا، على سكان عديمي الحيلة. يخيل لي أن الدرس الذي استخلصه نتنياهو يعقد عقلا: اطالة الخطوات العسكرية تنطوي على ثمن باهظ. وحتى لو لم يكن الضغط ممارسا في اثناء الخطوة، فانه يمارس بعدها. ولكن يعقد عقلا ايضا ادعاء اولمرت. شيء ما تشوش في السنوات الاخيرة في سلم القيم هنا: أمان الجنود أصبح أهم من أمان المواطنين الذين يفترض بهم أن يحموه. ما بدأ ببراءة معينة في حملة "اربع امهات"، أصبح روح القائد، الاحساس الذي يرافق الضباط الذين ينطلقون الى الميدان. حروب اسرائيل تقاس بذات المسطرة التي تقاس فيها حوادث الطرق: ليست الانجازات هي المقررة، ليست النتائج بل الاحصاءات – عدد القتلى في صفوف قواتنا. اسرائيل علقت غير مرة في الماضي في فترة من التنديد في الساحة الدولية. في كل مرة خرجنا من هذا بسلام، بفضل الفيتو الامريكي وبفضل حقيقة أن ليس كل العالم ضدنا. الورطة هذه المرة أصعب قليلا، ولا سيما بسبب التأثير الهائل لوسائل الاعلام الجديدة – قنوات التلفزيون العربية ومواقع الانترنت – على الرأي العام، وبسبب الحضور المكثف لمنظمات حقوق الانسان وقدرتها على تحريك سياسات قضائية، حملات مقاطعة، قرارات من الحكومات في الغرب. يكاد لا يكون هناك شك بانه لو كانت هناك الان مسيرة سياسية، لكان الضغط أخف. ولكن من السذاجة الاعتقاد بان المسيرة السياسية كانت ستمنع الضغط. الفلسطينيون لن يتنازلوا عن ادانة اسرائيل في الساحة الدولية: هذا سلاحهم الاكثر نجاعة.