ما زال الجدال قائماً حول الشعوذة وحول حقيقة السحر مثلاً، وإن كان السحر قد ذُكر في الكتب السماوية، فهناك من يراه واقعاً في الحياة اليوم ويؤثر فيها، وهناك من يرى أنه وسيلة تكسُّب لمدعي العلاج الروحاني كما يطلقون على أنفسهم، والنتيجة أنك لا تعرف الحقيقة أو أن البعض لا يعرفها، والسبب أن الإنسان هو أكبر عاشق للمجهول والغموض، ويعزو كل شيء لأمور وأحداث خارقة للطبيعة.
قبل سنوات بعيدة جداً تخيل أحدُهم أن حركة طواحين الغلال تحت تأثير الرياح ما هي إلا قوى شريرة، وهناك من قام بمحاربتها بالسيوف، وقد استغرق الأمر زمناً حتى ظهرت القوانين والتفسيرات العلمية لها ولغيرها من الظواهر، وكان من الممكن أن يبقى الأمر خارقاً للطبيعة ومثيراً للخوف ما لم يتحرك العلم ويقول كلمته، وفي موقف صغير مررت به كان من الممكن ان أكون ضحية المرض النفسي أو أُصبح زبونة دائمة عند الدجالين والمشعوذين، لولا أنني دودة كتب صغيرة كما يقولون، ولأنني أقرأ في كل المجالات، فقد استطعت إنقاذ نفسي بنفسي وبسرعة ودون معاناة.
فقد مررت بفترة أُصبت فيها بفقر دم شديد، وبدأت أثناء محاولاتي النوم او في اليقظة أرى هلاوس بصرية أمامي، وبعضها كان مضحكاً، وحين كنت أصفه للمحيطين بي بدؤوا يشككون بقواي العقلية، وهناك مَن نصحني بزيارة شيخ مبروك ذائع الصيت، لأن ما أمر به لا يُعقل ان ينبئ عن خير، فهناك من أراد بي شراً أو أعد لي سحراً مشروباً أو مُلقى في غيابة جُب مثلاً، وهكذا توقفت عن إخبار من حولي عن تلك الهلاوس المضحكة مثل رؤيتي لقدمي بطة عملاقة تتجول حول سريري قبل أن اغرق في النوم.
ظل الأمر محيراً لعدة أيام حتى قرأت ان من أحد أعراض فقر الدم عند الإنسان إصابته بهلاوس سمعية وبصرية، وكنت وقتها أعاني من فقر دم كما أسلفت، وكان الوقت هو موسم البلح وانتشار الرطب في بلدنا، فبدأت بالتهام كميات كبيرة من البلح والرطب الأسمر المحبب إلى قلبي، واعتبرته وجبتي الأساسية حتى بدأت الحمرة تعود إلى وجهي واختفت ضربات قلبي المتسارعة ولهاثي السريع لأقل مجهود، وكذلك والأهم ان الهلاوس التي كنت أتخيلها قد اختفت تماماً.
هناك الكثير من الأمراض النفسية والعصبية التي يكون سببها نقص أحد العناصر أو المعادن في الجسم والتي لا ينتبه لها الأطباء، كما أن هناك حالات عقم وتأخر الإنجاب، وكذلك الإجهاض مجهول السبب والذي تعزوه النساء للشياطين والقرينة والقرين والأخت التي تعيش تحت الأرض، ويكون السبب بسيطاً وهو نقص احد المعادن او الفيتامينات في الجسم.
ولذلك وللأسف بكثرة ما تُصاب به الناس هذه الأيام من امراض نفسية وعصبية ويلجؤون للمشعوذين والسحرة والدجالين والنصابين، فغالباً ما يكون السبب عضوياً، والسبب ان معظم النساء وخصوصاً في الطبقة الفقيرة لا يحصلن على التغذية الجيدة، خاصة مع تكرار الحمل وتعرض اكثرهن لاكتئاب ما بعد الولادة، لأنهن لا يحصلن على رعاية مناسبة، ويعزين ما يُصبن به لعين الحاسد ولسحر الجارة والقريبة التي تكره لها الخير وترى أن إنجابها لكومة من الذكور فوزاً وتفوقاً عليها، ولذلك فهي تزور مشعوذة شمطاء وتدس لها بعض المال لتعطيها قنينة بسائل عجيب عليها ان تدسه لها في شراب او ترشه أمام عتبة البيت المتهالكة.
لا يعني الأمر أن هناك تشكيكاً في وجود السحر، وكذلك الحسد المذكور في القرآن الكريم وفي قصصه، ولكن المفروض علينا ألا نجعل ذلك هو أول أسباب ما نمر به من المشاكل، ونفتح أبواب حياتنا لمتصيّدي الفرص الذين ينهبون أموالنا القليلة ويستخفون بعقولنا.
في هذه الأيام راج فعل المشعوذين والدجالين، فهناك فتيات لا يحصلن على تغذية صحية سليمة بسبب حرصهن على رشاقتهن، والنتيجة أنهن يعانين من تقلصات عصبية ونوبات تشبه ما يمر به من يتخبطه الشيطان من المس، ولو أجريت بعض الفحوص لهؤلاء الصبايا لتبين لأهلن وذويهن صدق ما ذكرت، ولما كُن هؤلاء ضحايا للضرب والتعذيب والحرق وربما دفعن حياتهن ثمناً للنصب والشعوذة، وقد سمعنا الكثير من القصص حول هذه الطريقة في العلاج لإخراج شياطين الجن من جسم الإنسان، والأجدر أن يعالَج الجسم ويتم تأمين احتياجاته المتوازنة أولاً وقبل أي خطوة يكون ثمنها غالياً.


