في تعليقها لراديو ال بي بي سي؛ امس، على أحداث روسيا واكرانيا قالت مارجريت ماكميلان، بروفيسورة التاريخ في جامعة اوكسفورد: هذه الحرب فظيعة وصادمة لأنها الحرب الأولى التي نشهدها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، هكذا بكل بساطة وحتى لا أجلدها،ربما عن غير قصد، اعتبرت ماكميلان كل الحروب الفظيعة التي شهدها العالم من الكوريتين مرورا بفيتنام وفلسطين، أفغانستان، العراق، راوندا، سوريا واليمن، لاتُعَد حروبا لأن العرق الأوروبي الأبيض لم يعاني نتيجة لهذه الحروب. مصيبة بمعنى الكلمة إن كانت بروفيسورة مشهورة معترف بها عبر العالم تفكر بهذه الطريقة التي لا يمكن وصفها إلا بالعنصرية.
ثم كيف بإمكاننا تفسير المناشدات اليومية هنا في بريطانيا لمساعدة أوكرانيا في مختلف قنوات التلفزة والإذاعة بغير العنصرية والكيل بمكيالين ، بينما لازلنا نذكر كيف رفضت ال بي بي سي إذاعة مناشدة لجمع تبرعات لضحايا العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014.
وكما ذكرنا سلبيات المؤسسات الحاكمة نذكر بحب واعتزاز كيف فاجأ القائد اليساري الأشهر في بريطانيا الراحل “طوني بن” قناة راديو ال بي بي سي الرابعة بإذاعة المناشدة وعنوان ورقم حساب البنك على الهواء ، في خطوة كانت إهانة لهذه المحطة الواضح انحيازها لإسرائيل رغم إدعائها الحياد.
المؤلم أيضا أن الكثير من المراسلين الغربيين غطوا أحداث روسيا وأوكرانيا مفرقين بطريقة عنصرية بين لاجئي أوكرانيا المتحضرة وما يسمى بدول العالم الثالث.
ونشهد النفاق واضحا في تشجيع لاعبي كرة القدم في الدوريات الاوروبية المختلفة على التضامن علنا مع أوكرانيا بينما عوقب مسعود أوزيل لتضامنه مع مسلمي الروهينجا المُضْطَهَدين في ماينمار وبعده لاعب آرسنال المصري محمد النني لتضامنه مع فلسطين ضد العدوان الصهيوني على قطاع غزة في مايو 2021 مثال أكثر وضوحا للكيل بمكيالين هو وصف مراسلة ال “سي ان ان” للسيدات الأوكرانيات اللواتي يحضرن قنابل المولوتوف، بالمقاتلات من أجل الحرية بينما تصف نفس القناة ومعظم القنوات الغربية النساء الفلسطينيات اللواتي يشاركن في مقاومة الجرائم الإسرائيلية بالعنيفات وأحيانا الإرهابيات.
هذا الإعلام المدفوع بسياسات حكومية لا إنسانية تُسَعِر حياة الإنسان أو صلاحيته لهذه الحياة بحسب لونه أوعرقه أو دينه، يساهم بقوة في خلق الصراعات عبر العالم.
لا زلت أذكر كارتونا رائعا نشرته صحيفة الأوبزيرفر الليبرالية البريطانية بعد الهجوم على مسرح “باتاكلان” في باريس منذ أعوام وتزاحم رؤساء العالم للمشاركة في المسيرة المنددة بالقتل: الكارتون لطفلة أوغندية في السماء قُتِلت مع العشرات في هجوم إرهابي في أوغندا قبلها بيومين تقول لأمها: ألم نُقتَل نحن أيضا يا أمي؟، بالطبع لم يهتم رؤساء العالم للمذبحة الاوغندية ولم تعني خسارة الأرواح الأوغندية الفقيرة أي شئ للإعلام الغربي وللأسف العربي أيضا.
هذا النفاق والكيل بمكيالين أصبح السمة التي تُعٌرِف السياسة الغربية الرسمية عبر التاريخ، خاصة السبع عقود الماضية من الإحتلال والقهر الصهيوني والهجوم على العراق وتدميره بحجة كذبة إمتلاكه لأسلحة الدمار الشامل وأخيرا مأساة اليمن التي دمرها ولايزال آل سعود وآل نهيان وقتلوا عشرات الآلاف وتسببوا بمجاعة حقيقية لاكثر من 20مليون يمني بمشاركة بريطانية وأمريكية واضحة.
هؤلاء الساسة ليسوا سذج، بل يعرفون جيدا أن سياساتهم العنصرية التي تكيل بمكيالين هذه تشجع على خلق الكره ومعه التطرف ضد كل ماهو غربي ونشوء منظمات عنيفة متطرفة، ربما هم أيضا يساهمون في انشائها، يستخدمونها كفزاعة أمام شعوبهم لتمرير ميزانيات التسليح السنوية الهائلة ” أمريكا وحدها 850مليار سنويا”، وضمان استمرار مصانع التسليح التي تمتلكها الشركات العملاقة المقربة من دوائر الحكم في الإنتاج، هذه الميزانيات يستفيد منها قلة قليلة من رجال الأعمال والسياسيين في هذه للبلدان ولذر الرماد في العيون يتحججون بأن هذه المصانع تشغل عشرات الآلاف من العمال وتدعم الإقتصاد المحلي لدولهم. كذبة كبيرة يدحضها باستمرار خبراء اقتصاديين غربيين بالأرقام مؤكدين أنه بالإمكان تحويل هذه الصناعات لحقول أخرى تستوعب نفس العدد من العمال إن لم يكن أكثر.
سيستمر العالم في الصراع نتيجة طمع رأس المال وحاجته المستمرة لصراعات تخدم مصالح قلة قليلة على حساب الغالبية العظمى التي يحاربها رأس المال هذا ويلقي لها الفتات لتبقى في دائرة شقاء صراع البقاء ونسبة كبيرة منها لا تجد قوت يومها.
يبقى سؤال مهم: هل هذه العنصرية الواضحة هي لسان العقل الباطن الأوروبي والغربي أم أنها زلات لسان؟
الإجابة في رأيي المتواضع هو الخيار الأول ما لم يثبت العكس.
كاتب وناشط من فلسطين


