جنينُ الجرحُ المفتوحُ.. بيتُ النارِ الفلسطينيِّ.. طائرُ الفينيقُ الذي يعودُ من تحتِ الرمادِ من جديدٍ..
لقدْ كانت معركةُ جنين الأولى التي قادها محمودٌ طوالبةَ إرهاصًا لما يحدثُ الآن، فالفلسطينيونَ يراكمونَ مخزونَ الغضبِ بطبيعتهم، وفي الوقتِ الذي يتعاملُ الاحتلالُ جراحيًّا، ويمضي شاعرًا بالانتصارِ، يبدأُ زرعُ الشهداءِ في عمقِ الأرضِ بالتمدُّدِ، بوتيرةٍ وجودةٍ وخبرةٍ أعلى، تمهيدًا لانتفاضةٍ جديدةٍ بسقفٍ أعلى تعيي الاحتلالَ، وتزيدُ تكلفةَ المواجهةِ معها. والمقاومةُ تحاولُ دفقَ دماءَ الثورةِ بنصاعتِها من جديدٍ؛ فتكونَ الصاعقَ الذي يشعلُ فلسطينَ، كلَّ فلسطينَ. قامت جنينُ خلالَ تلكَ المعركةِ وانتصرت بشموخِها، نعم، لقد ارتقى العديدُ من شهداءِ المقاومةِ، ولكن الاحتلالَ لم يكن ذاهبًا إلى نزهةٍ، بل خسرَ العديدَ من ضباطِهِ وجنودِهِ.
الآنَ وقد استوى زرعُ طوالبةَ على سوقِهِ عادت جنينُ الملحمةُ للواجهةِ؛ لكي تثبتَ أنَّ رحمَها لا ينضبً، وأنَّها قادرةٌ على إنتاجِ الفدائيينَ باستمرارٍ. وعمليَّةُ رعدٍ الخازنِ الأخيرةِ والتي نفذها في عمقِ الاحتلالِ، وبطريقةٍ أوقفت كيانَهُ على رجلٍ واحدةٍ، وعبثَ أيَّما عبثٍ في منظومتِهِ الأمنيةِ، ولساعاتٍ طويلةٍ حوَّلَ عاصمةَ كيانِهِ وبقرتِهِ المقدَّسةِ إلى مسرحِ فزعٍ لنْ تزولَ آثارُهْ وتداعياتُهُ سريعًا. كانَت خطواتُ رعدٍ وحركاتُهُ تعكسُ إدراكَهُ لدلالاتِ ومقاصدِ ما يقومُ بهِ على مستوى القيادةِ الصهيونيَّةِ، والجمهورِ الصهيوني، وانعكاسِهِ عل شعورهِم بجدوى البقاءِ، وتأثيرهِ على حركةِ الهجرةِ باتجاهِ فلسطينِ، وعلى جودةِ أداءِ المقاومينَ القادمِ، إذن هو أيقونةٌ للفعلِ المقاومِ، الهادئِ والواثقِ بالنفسِ والمنتبهِ جيِّدًا. وهو إشارةُ النارِ التي أيقظت جميعَ الخلايا في وجدانِ الشعبِ الفلسطينيِّ؛ لكي تعودَ للاستنفارِ ودخولِ الصراعِ من أوسعِ أبوابِهِ.
ربِّما تكونُ هذه المواجهةُ التي استمرَّت عشرَ ساعاتٍ أنجحَ وأعمقَ أثرًا من مجملِ أداءِ مقاومةٍ كلاسيكيَّةٍ دامت لعقودٍ منذُ قيامِ هذهِ الدولةِ اللقيطةِ. كلُّ هذهِ المعاني القويةِ تكرَّست في شخصِ رعدٍ ومن قبلِهِ ضياء، وسائر الأبطالِ التي هي منتجٌ لتطوُّرِ كتيبةِ جنين، ووجودِ حاضنةٍ أسريَّةٍ صلبةٍ شرسةٍ ترى في الشهادةِ شرفًا، دونهُ كلُّ شرفٍ. بالإضافةِ إلى الذاكرةِ الجمعيَّةِ التي تختزنُ بطولاتِ الجولاتِ التي خاضتها جنينُ سابقًا. إنَّ هذهِ الصفعةَ المؤلمةَ على وجهِ الاحتلالِ والتي خلعتْ شعرَ الوجهِ من قوَّتها تتطلَّبُ ردَّةَ فعلٍ صهيونيَّةٍ؛ لمحوِ آثارِها منها الدخولُ في معركةٍ مفتوحةٍ؛ لإسقاطِ جنين؛ وذلكَ لعدةِ أسبابٍ:-
أوِّلًا، لكي يقومَ بترميمِ الشخصيَّةِ الجمعيَّةِ التي تعرَّضت للاهتزازِ بل للتشظي، وإعادةِ ثقةِ الجمهورِ بالمنظومةِ الأمنيةِ والعسكريَّةِ التي نالها الدمارُ الشاملُ وظهرت للعيانِ من خلالِ التصرُّفِ الفوضويِّ والعشوائيِّ، والتعاملِ بدونِ مسؤوليَّةٍ أثناءَ التعاطي مع مراحلِ العمليَّةِ.
ثانيا، لعزلِ جنين عن الضفَّةِ الفلسطينيَّةِ وسدِّ الثغراتِ وتصفيرِ القدرةِ على تسلُّلِ الفدائيينَ لمدنِ الداخلِ المحتلِّ.
ثالثًا، تفكيكِ الحاضنةِ الأيديولوجيةِ والاجتماعيَّةِ التي تنجبُ الفدائيينَ، وتلقينِها درسًا وجعلِها عبرةٍ للكلِّ الفلسطينيِّ، الذي تسعى سلطةُ أوسلو لإخضاعِهِ وتبليعِهِ الهزيمةِ الممنهجةِ منذُ “أوسلو” إلى اليومِ، وأفسدها هؤلاءِ الأبطالُ، ورأينا كيفَ أجبرت أمريكا الرئيسَ محمود عباس على نبذِ، وإدانةِ هذه العمليةِ، بل وحرمانِ الأسرةِ من تقاعدِ والدِهِم، الذي أبدى صمودًا وتحدِّيًا منقطعَ النظيرِ في خطابِهِ عندما تلقَّى نبأَ استشهادِ رعدٍ، فبدلَ أنْ يكونَ مجروحًا مكسورًا ألقى خطابًا تحريضيَّا قويًّا أجَّجَ عنفوانَ المجاهدينَ والمقاتلينَ. هذا الخطابُ تحديدًا اعتبرَهُ الاحتلالُ سببًا كافيًا؛ لإسقاطهِ أسيرًا أو شهيدًا كرمزٍ لشموخِ جنين، وهذا الهدفُ سيصرُّ الاحتلالُ على تحقيقِهِ بأي ثمنٍ لدلالتِهِ القويَّةِ.
إذن جنينُ الفأسُ المغروسةُ في ظهرهِ هي الهدفُ الآنَ، ولابدَّ من ضربِها ضربةً موجعةً وإغلاقِ الفاتورةِ؛ لإسكاتِ الشارعِ الصهيونيِّ الذي يريدُ انتقامًا سريعًا مرضيًا.
فالمحاولاتُ التي استمرَّت خلالَ الأيامِ الماضيةِ والمستمرَّةِ، والتي ارتقى فيها جندٌ قادةٌ من كتيبةِ جنين التابعةِ لسرايا القدسِ، هي بمثابةِ دراسةٍ إمكانيةِ اجتياحِ المخيَّمِ عن بكرةِ أبيهِ، لنقاطِ القوَّةِ، ونقاطِ الضعفِ عن كثبٍ، حشدِ الامكاناتِ وتوفيرِ الاحتمالاتِ، ولدراسةِ المعطياتِ التي تُنجحُ الحملةَ العسكريَّةَ الكبيرةَ _ لاقدَّرَ اللهُ_ ولكنَّ الإسرائيليونَ لم يضعوا في الحسبانِ أنَّ اقتحامَ جنين مرتبطٌ بالمواجهةِ الكبرى في القريبِ العاجلِ إذ أصبحت أكثرَ احتمالًا، وبالتالي تجري المواجهةُ المفتوحةُ التي يتحدَّثُ عنها الفلسطينيونَ، والتي ستكونُ حاسمةً بالنسبةِ إليهم، بعدما تيقنوا أنَّ عمرَ الاحتلالِ الذي بلغ 74 سنةً هي مدَّةٌ كبيرةٌ جدًّا. وأنَّ الاحتلال ببنيتِهِ الأمنيَّةِ وجبهتِهِ الداخليَّةِ المتهتَّكةِ، وقدراتِهِ العسكريَّةِ التي فقدتْ كثيرًا من تفوُّقها، مقابلَ نمو القدراتِ الخارقةِ للتوازنِ، فاعتمادُ العدوِّ على الطيرانِ سيتمُّ إسقاطُهُ مع أوَّلِ صاروخٍ يدمِّرُ مدرَّجاتِ المطاراتِ الحربيَّةِ. فإسرائيلُ حسبَ المعطياتِ كلُّها قدْ حانَ وقتُها؛ لأنَّها آيلةٌ للسقوطِ، والعملياتُ فضحت هشاشتَها. فحكومةُ “بينت” تعاطت مع الموقفِ بذهولٍ، ممَّا استدعى ردَّاتِ فعلٍ عشوائيَّةٍ، وكثيرًا من الثغراتِ ظهرت في البنيةِ الأمنيَّةِ والعسكريَّةِ والمعلوماتيَّةِ، في مقابلِ الهمَّةِ العاليةِ والبنيةِ النفسيَّةِ المتماسكةِ التي أبداها المقاتلونَ في الجولاتِ الأخيرةِ داخلَ المدنِ المحتلَّةِ، والتي لن يكونَ آخرُها رعدَ الخازمِ.
نعتقدُ بأنَّ (إسرائيلَ) مضطرَّةٌ لترميمِ أسطورةِ الجيشِ الذي لا يقهرُ، وبالذاتِ أمامَ جمهورِها المذعورِ والمنزعجِ فقد أصبحَ يتشكَّكُ في بقاءِ مستقبلٍ لدولةِ الكيانِ اللقيطةِ كواحةِ استقرارٍ وأمنٍ وازدهارٍ تجذبُ اليهودَ من كلِّ مكانٍ من العالمِ. إنَّ إصرارَ قواتِ الاحتلالِ على أنْ يسلمَ والدُ الشهيدِ رعد نفسَهُ للاحتلال يعتبرُ رمزيَّةً بأنَّهُ انتصرَ على جنين، وهو أضعفُ مطلبٍ بالنسبةِ إليهم، والسيناريو الذي ينوي أنْ يتمِّمَ فيه هذا الأمرُ يعدُّ انكسارًا لإرادةِ المقاومةِ في جنين، وهذا ما دفعَ كتيبةَ جنين إلى التمسُّكِ أكثرَ بخيارِها وهو منعُ حدوثِ ذلكَ بأيِّ ثمنٍ كانَ، ولو تهدَّمت جنينُ على رؤوسِ مقاتليها. ستظلُّ جنينُ حالةً استثنائيَّةً بها تنهضُ بقيَّةُ المدنِ الفلسطينيَّةِ التي ستكبِّدُ العدوَّ الكثيرَ، وبالذاتِ إذا دخلت غزَّةُ على الخطِّ. يبدو أنَّ هناكَ قرارًا غزَّاويًّا متكاملًا بأنَّ جهنَّمٌ ستُصبُّ على الصهاينةِ، إذا ما تكرَّرت المحاولاتُ الصهيونيَّةُ، وأبدت إصرارًا على تنفيذِ خطَّتها، وتصاعدِ وتيرةِ المحاولاتِ.
وترى غزَّةُ وفقَ المعادلةِ التي كرَّستها في سيفِ القدسِ أنَّها مضطرَّةٌ ومرغمةٌ على الدخولِ إلى جبهةِ المواجهةِ باعتبارِها مخزونِ النارِ الفلسطينيَّةِ، وعصاها الغليظةِ الذي بها تعدِّلُ الحساباتِ وتنصرُ أهلَنا في الضفَّةِ وتدعمُهم وتعاضِدُهم، وتحفظُ مخيماتِهم وقراهم ومدنهم.
يقينًا نحنُ على أبوابِ مواجهةٍ وشيكةٍ، لا يعلمُ مداها إلَّا اللهُ، حيثُ ستكونُ الفترةُ المتبقِّيةُ من شهرِ رمضانَ ساحةَ حربٍ مفتوحةٍ من غزَّةَ والضفَّةِ معًا، وقد تتهاوى حواجزُ أخرى، وقد تتدخَّلُ جهاتٌ أخرى، وربَّما تُفتحُ جبهاتٌ أخرى، وعندها نكونُ نتحدَّثُ عن حربِ التحريرِ الحقيقيَّةِ، بعدَ أن انحسرَ حلمُ (إسرائيلَ) الكبرى، وانكفأَ استخدامَ القوَّةِ إلى الداخلِ.


