خبر : هنا يوجد المفاعل السوري / بقلم: رونين بيرغمان / يديعوت - 27/9/2009

الأحد 27 سبتمبر 2009 12:30 م / بتوقيت القدس +2GMT
هنا يوجد المفاعل السوري / بقلم: رونين بيرغمان / يديعوت - 27/9/2009



   في يوم الجمعة صباحا وفق لتوقيت نيويورك حيث بقي رئيس ايران احمدي نجاد حائرا من دون كلمات بعد ان علم بأن المفاعل النووي الذي شيدته دولته وأخفته حتى الان هو سر مكشوف، استطاعت عدة أجهزة استخبارية فرك يديها بمتعة. كشف النقاب عن المفاعل النووي الذي أقيم بجانب مدينة قم في ايران في يوم الجمعة الاخير كان ذروة قضية معقدة بدى وكأنها أخذت من خيرة حكايات التجسس الكلاسيكية. التقارير الاستخبارية وآلاعيب الدبلوماسية والتضليل والتغطية – كلها لعبت دورا في هذه الحكاية.             ايران ظهرت في اخر الاسبوع ويدها مدسوسة عميقا في صحن الكعك. المنشأة النووية التي حاولت اخفاءها عن العالم سدى وخصوصا عن الاستخبارات الاسرائيلية اقيمت في السنوات الاخيرة بجانب مدينة قم المدينة الثانية من حيث الاهمية في ايران والمعقل المركزي للاسلام الشيعي الراديكالي. في قم يتواجد المعلم الخاص والمؤيد المركزي لرئيس احمدي نجاد اية الله محمد تقي مصباح اليازدي. هذا احد رجال الدين الاكثر تطرفا في ايران واحد الموقعين على الفتوى الصادرة في شهر شباك 2006 والقائلة انه لا يوجد مانع شرعي لاستخدام السلاح النووي             اكتشاف مدو             بداية القضية كانت في 2003، حيث علمت مجموعة من المعارضة الايرانية بوجود منشأة لتخصيب اليورانيوم في نتناز. المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة المعارضة تلك اثار صدى دوليا هائلا وتسبب باحراج كبير للايرانيين الذين ضبطوا وهم متلبسين بالكذب الوقح.             في تلك النقطة قرر الايرانيون تغيير اتجاههم. ان كانوا حتى ذلك الحين قد كشفوا منشأة نووية واحدة ليس بامكانها ايضا ان تنتج السلاح النووية – مفاعل بوشهر – وحاولوا اخفاء كل ما تبقى، فمنذ المؤتمر الصحفي والرقابة القوية التي وضعت على نتناز بعد ذلك فورا ادرك الايرانيون انه ليس بمقدورهم اخفاء كل شيء. هم قاموا بعملية فصل سرية لمسارين وفقا للصيغة التالية وفي محور ذلك محاولة الاظهار بأنهم تحت الرقابة الدولية، ولكنهم في نفس الوقت يتقدمون قدر المستطاع نحو الهدف: بناء السلاح النووي.             مسار واحد مكشوف بقي تحت رقابة المنظمة العالمية للطاقة النووية بادارة غولان – رازي اغا زادة. في اطار ذلك تتواجد كل المنشآت المعروفة لوكالة الطاقة النووية وهي منشآت يمكن تفسير وجودها بالرغبة المعلنة ببناء قدرات نووية لانتاج الكهرباء كما تدعي ايران.             المسار الثاني هو الاكثر اثارة للقلق بالنسبة للغرب وهو خاضع مباشرة لوزارة الدفاع ولحرس الثورة وبه عدد من المنشآت.             في اطار المسار الثاني قرر الايرانيون اقامة منشأة سرية جديدة حاولوا من خلالها اخفاء عملية تخصيب اليورانيوم. المنشأة الجديدة المشيدة بدأت منذ عام 2005 بجانب قم وترتكز على نموذج باكستاني وكان من المفترض ان تحتوي 3000 جهاز طرد مركزي (8000 في نتناز). المنشأة اعتبرت اصغر من ان تستخدم للاهداف المدنية ولكنها كافية لانتاج الوقود النووي المطلوب لانتاج القنبلة. الايرانيون تحركوا من خلال الافتراض بأنهم يقومون بذلك بسرية تامة.             ما لم يعرفه الايرانيون             الا ان المشروع السري الذي شيده الايرانيون كان في الواقع سرا مكشوفا لعدة دول غربية. وفقا لصحيفة "التايمز" البريطانية اضيف للاذرع الاستخبارية الامريكية ايضا اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية والفرنسية والبريطانية التي كانت مشاركة في كشف امر المنشأة السرية. ما لم يعرفه الايرانيون هو ان اعين اجهزة الاستخبارات في هذه الدول الاربع كانت يقظة جدا طوال عملية بناء المفاعل السري في قم.             المنشأة بنيت في منطقة جبلية، ووفقا للتقارير دفنت في باطن الارض بصورة تصعب مهاجمتها وكشف امرها. المنشأة محروسة جيدا من خلال جدران ووسائل حراسة مختلفة.وفقا لتقارير وكالات الاستخبارات كان من المفترض ان تدخل هذه المنشأة في نشاطها الكامل بعد اشهر قلائل.             ولكن رغم كل محاولات ايران للحفاظ على السرية، قامت الصحيفة الايطالية "كوريرا ديلا سيرا"  بالامس بنشر ما يلي: "من المحتمل ان تكون اجهزة الاستخبارات قد كشفت المنشأة بفضل العملية الحاذقة التي شارك فيها في السنوات الاخيرة عملاء من المانيا وامريكا واسرائيل. من اجل الحصول على عدد كاف من اجهزة الطرد المركزية المطلوبة لتخصيب اليورانيوم كان على الايرانيين شراء العتاد من الخارج فسقطوا في الفخ. عملاء سريون لعبوا دور وكلاء المبيعات التكنولوجية المتطورة من خلال شركات وهمية. هم وضعوا ادوات تجسس صغيرة وفيروسات في الاجهزة وفي البرامج المحوسبة".             من المهم الاستدلال على البراهين التي تشير الى جهود الجهات الاستخبارية الغربية ومساعيها في النفاذ للمشروع النووي الايراني من خلال اعدام تاجر للادوات المحكمة في ايران واسمه علي اشتري قبل نصف عام بعد اتهامه بتنفذ المهمات التالية من اجل الموساد: الحصول على عتاد "معالج" وبيعه للجيش الايراني من اجل المشروع النووي.             وهكذا خلال عدة سنوات تقوم ايران ببناء مفاعل نووي سري ويتابعها الغرب من دون ان يكشف القضية. "من المهم جدا في مثل هذه الظروف الحساسة ان نكون واثقين من ان المعلومات الاستخبارية صحيحة" فسر الرئيس اوباما في يوم الجمعة تأخير نشر التقارير.             عدة سنوات من المتابعة السرية تحولت في هذا الاسبوع الى قنبلة اعلامية. منذ يوم الاثنين مساء ارسلت ايران رسالة عاجلة لوكالة الطاقة النووية تعلمها فيها عن وجود المنشأة. لماذا؟ لانها علمت بان الدول الغربية تعرف بأمرها. وكيف علمت؟ هذه المسألة ما زالت قيد الفحص. على اية حال ايران ادركت ان المعلومات الاكثر حساسية التي حاولت اخفاءها قد تسربت للخارج فاستبقت المسألة بخطوة وقائية حتى تحول دون المصيبة التي ستندلع بعد قليل. في رسالة ارسلتها لوكالة الطاقة النووية الدولية صرحت ايران بأمر وجود المنشأة بقم والتي تستخدم لتصيب اليورانيوم واعتبرتها منشأة تجريبية لانتاج الكهرباء. ايران ادعت ان هذه منشأة قد اقيمت لاهداف مدنية يمكن للدولة استخدامها في حالة حدوث انقطاع كبير للكهرباء.             مستشارو الرئيس اوباما الكبار اعلموه بأمر الرسالة الايرانية لوكالة الطاقة ونصحوه بكشف وجود المنشأة السرية للعالم. قالوا له ان هذا هو الوقت الملائم ولم يكن لدى الامريكيين اية نية للسماح للايرانيين بالظهور وكأنهم يصرحون بأمر وجود منشأة شرعية صغيرة ورفع العتب عنهم. وهكذا سارع الرئيس اوباما لعقد مؤتمر صحفي في يوم الجمعة، شارك فيه القادة الكبار الثلاثة اوباما وغوردون براون ونيكولا ساركوزي ووقفوا جنبا الى جنب ليكشفوا امام العالم امر المفاعل النووي الايراني السري. الرئيس اوباما قال بأن على ايران ان تعرف انها عندما تأتي للتباحث معنا ستكون ملزمة بأن تكون صادقة وأن تحسم أمرها. العالم موحد اليوم اكثر من اي وقت مضى في مطالبه من ايران. الرئيس ساركوزي ايضا ورئيس الحكومة براون شجبا وجود المنشأة. الرئيس ساركوزي حذر من ان ايران ستكون عرضة لجولة جديدة من العقوبات المشددة والحادة اما رئيس وزراء بريطانيا براون فقد اجمل قائلا: "حجم المنشأة لا يتساوق مع الادعاء بأنها ستستخدم للاغراض المدنية. ايران تتجاوز القواعد".             كشف الغش             الاكتشاف الذي يتحدث عنه الغرب والذي يناقض كون مفاعل قم منشأة للاغراض العسكرية قوبل بالذهول في ايران. رئيس ايران تلقى الخبر ابان اجراء مقابلة مع الصحافة الامريكية فغابت من لسانه الكلمات. بعد ساعات قلائل من ذلك قرر الغاء مؤتمره الصحفي الكبير الذي خطط لعقده في الامم المتحدة وعقد بدلا منه مؤتمرا صحفيا مقلصا وصغيرا. احمدي نجاد اصر على المنشأة التي اخفتها ايران عن العالم كانت قانونية حتى وان اختارت عدم كشف امرها لوكالة الطاقة الدولية. "نحن لسنا خائفين. الوكالة ستأتي وتضطلع على المنشأة وتسجل تقريرها الذي لن يتضمن اي شيء جديد. ليس من شأنكم ان تقولوا لنا ما الذي نفعله وما الذي لا نفعله". قال نجاد عندما سئل عن التقارير الواردة في الصحافة. "الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا سيأسفون لانهم سارعوا للخروج في تصريحات ضد ايران".             وختاما تبرهن عن ان اسرائيل كانت محقة في ادعاءات في ان ايران تقوم بخداع الاسرة الدولية بصورة فظة. هذه الادعاءات حصلت على الخاتم الرسمي من خلال خطاب الزعماء الثلاثة غير المسبوق (بمشاركة المستشارة الالمانية ميركل من خلال مكالمة مؤتمر). يد اسرائيل هي العليا الان في الخلاف الحاد الذي كان لها مع الاستخبارات الامريكية اثر نشر التقييم القومي والاستخباري هناك في تشرين الثاني 2007 والذي قال بأن ايران قد توقفت عن بناء الجزء العسكري من المشروع النووي.             هذا الاكتشاف يضي زاوية معتمة غير معروفة في المشاريع الايرانية ويحدد هدفا مركزيا للهجوم ان تسنى ذلك، وبالاساس – يغير جدول الاعمال العالمي. والان سنرى هذا الغرب ان لم يرد على ذلك.