في نظرة اولى يصعب ان نجد قاسما مشتركا بين قرار الرئيس اوباما على تجميد القرار الذي اتخذه سلفه في البيت الابيض اقامة نظام دفاعي في مواجهة الصواريخ على ارض بولندا وتشيكيا وبين مطمحه الى اقامة القمة الثلاثية وفي اساسها استعداد اسرائيلي لتجميد مؤقت للبناء في المستوطنات وان يكن ذلك على نحو غير شامل. لكن برغم فروق السياق، في الساحة وفي مبلغ الاهمية للمصالح الجوهرية الامريكية، يوجد جسر يصل بينها. يقوم الجسر على حقيقة انهما تبذلان تعبيرا صافيا طاهرا عن نمط تفكير اوباما في الساحة الدولية. يمكن بالحذر المطلوب أن نقدر ان توجه الرئيس الرابع والاربعين الى القضيتين يكشف عن عنقود كامل من تشويهات التصور المشتقة من تفاؤل زائد وايمان ساذج، بانه يمكن هندسة المحيط السياسي والاستراتيجي المعقد وتسييره في مسار يلائم المصالح والاهداف الامريكية. في سياق تجميد نظم الدفاع تم التعبير عن هذه السذاجة بتوقع ان يفضي اجراء من طرف واحد الى رد مشابه من قبل موسكو وان تحرك بذلك مسيرة بناء ثقة وتعاون يثمران ثمرة في هيئة تجنيد روسيا نفسها في جهد ردع ايران. لكن تاريخ العلاقات بين واشنطن وموسكو في عصر الحرب الباردة وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى مليئ بالقضايا التي تشهد بان التنازلات الامريكية من طرف واحد لم تحظَ برد مناسب من قبل الكرملين بل العكس. وسواء اكان الحديث عن ستالين او خروتشوف او بريجنيف او بوتين. ان كل تفضل او خطوة يبني الثقة من قبل الولايات المتحدة، لم يقم على مبدأ التبادل رأته موسكو علامة ضعف واسهم في تشدد مواقفها. وهكذا برغم مرور ما يقرب من 65 سنة منذ عقد مؤتمر يالطا الذي تميز بجملة من التنازلات الامريكية من طرف واحد من قبل الرئيس روزفيلت، نشهد الان الصورة الجديدة لتلك النغم نفسها. وذلك عندما استقر رأي اوباما فجأة على التخلي من اداة تأثير كان يملكها وان يستبدل بها استراتيجية بديل مستقبل ممكن، لكنه ليس موثوقا به البتة. بدل المثابرة على موقفها القائل ان كل تنازل امريكي سيكون جزءا من صفقة عامة شاملة يطلب في اطارها الى موسكو ان تسهم بنصيبها (وقبل كل شيء تأييد العقوبات لطهران)، سارع اوباما الى منح مدفديف انشودة عيد الميلاد قبل الوقت، وكدفعة مبكرة عن اجراء روسي يشك في ان يحصل. * * * وفيما يتصل بقمة الشرق الاوسط، وبغير ما صلة بنتائجها، يعبر بمجرد اقامتها عن خطوط اساسية من سلوك اوباما مستمدة من الاسلوب الامريكي في السياسة الخارجية. يؤمن اوباما مثل كثيرين من اسلافه في البيت الابيض بقوة لقاءات القمة والتعارف المباشر بين القادة لاحداث الود الذي يمنح مسيرة سياسية كثيرة التقلب زخما. بنفس مقدار اقتناع الرئيس روزفيلت بان الصلة الشخصية بين الزعماء يمكن ان تستعمل اداة ضغط لتسوية النزاعات الدولية او التخفيف منها على الاقل، يرى اوباما دبلوماسية مؤتمرات القمة سبيلا مرادا ممكنا لتقديم حلول لمشكلات معقدة. امله كثير التفاؤل. ان التفكير في أن الود الذي سينشأ فجأة بين نتنياهو وابي مازن سيهيىء القاعدة لتجديد المفاوضة مشتق من ميل جذري لكنه تبسيطي لرؤساء امريكيين غير قليل الى البحث عن اختصارات طرق على هيئة مؤتمرات قمة وذلك قبل أن يتم الوفاء بالشروط الاساسية لنجاح المسيرة. يمكن الان فقط أن نؤمل ان تمكن الشهور القريبة براك اوباما من التنبه من أوهامه بغير أن يضر التعلم اضرارا بالغا بمكانة القوة العظمى الامريكية وجلالتها والاهداف التي تريد تقديمها في الشرق الاوسط وفي مراكز ازمات وتوتر اخرى في العالم.