الأخبار حول صفقة نتنياهو القضائية، التي بموجبها سيعترف نتنياهو ببعض التهم وينسحب من الحياة السياسية، لا زالت تكتسب زخمًا وتهيمن على وسائل الإعلام، التي تجتهد لاستكشاف حقيقة الصفقة، أوجه الاختلاف وأوجه الاتفاق بين نتنياهو وبين المستشار القضائي، ومدى احتمالية توقيع الصفقة قبل نهاية ولاية المستشار القضائي مندلبليت نهاية الشهر الجاري، ومدى قدرة القائم بأعماله لاحقًا على استكمال إجراءات الصفقة في حال أن مندلبليت لم يوقعها.
أسئلة كثيرة وعلامات استفهام كبيرة حول احتمالية التوصل للصفقة، فهناك من يشكك وهناك من يؤكد إمكانية إتمام الصفقة، أهم ما يعيق الأمر حتى الآن ما يعرف بـ "التجريم"، وهو جزء من قرار المحكمةبالتجريم مع العقوبة أو عدم التجريم مع العقوبة،التجريم يعني منع المجرَّم (بفتح الراء) من المشاركة في الحياة السياسية لمدة سبع سنوات، نتنياهو يرفض التجريم ومندلبليت يعتبره شرطًا أساسيًا، محامونتنياهو يقترحون ترك الأمر للمحكمة، فضلًا على الخلاف حول طبيعة التهم التي سيعترف بها نتنياهو (التضليل والخداع وخيانة الثقة ) بدون إدراج تهمة الرشوة، وكذلك صياغة لائحة اتهام جديدة تجعل المحكمة تقبل العقوبة المتفق عليها.
بغض النظر عن احتمالات حسم الصفقة، فإن خبر الصفقة كان بمثابة قنبلة سياسية كبيرة زلزلت كل الأحزاب السياسية، لأن الحديث يدور هنا عن غياب أهم شخصية زعامية مؤثرة في إسرائيل على مدار أكثر من عقديْن، شخصية تركت بصماتها في كافة مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية، حيث أعاد بناء "الليكود" واليمين من جديد ومنحهم احتكارًا للحكم، والأهم أنه قضى على أفكار وثقافة وسياسات ما يعرف باليسار، وحوّل كلمة يساري إلى شتيمة يسارع الجميع للتبرؤ منها،كما حوّل اليمين الصهيوني الديني إلى تيار مركزي،وحول العنصرية والتحريض وبث الكراهية إلى خبز يومي للحكومة والسياسيين والإعلاميين ومراكز الأبحاث، وخلّد ميراثه السياسي ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وضد محور المقاومة، بقوانين وقرارات وصياغات سياسية وخطوط حمر.
ستغدو إسرائيل بدون نتنياهو كقطيع من اليمين تتناهشه الصراعات والانقسامات بدون زعيم موحد لليمين، فحكومة بينت - لبيد وميرتس والإسلامية قامت برعاية نتنياهو، فكان تهديد عودة أو إقصائه هو علة وجودها، الآن وفي ظل الحديث عن احتمالية انسحابهمن الحياة السياسية ستفقد مبرر وجودها، وستبدأالضغوط عليها من الداخل (شاكيد والكين) ومن الخارج للتفكير بحلها وإعادة تشكيل ائتلاف جديد برئاسة زعيم "الليكود" الجديد. نظريًا هذا محتمل الحدوث، ولكن عمليًا لا زال الائتلاف - رغم انتباهه للآثار الزلزالية لغياب نتنياهو المحتمل - يعتقد بأن الكنيست الحالية لن تشكّل ائتلافًا جديدًا، وبأن الهزة الأولى الرئيسية ستحدث داخل "الليكود" وستستغرق وقتًا طويلًا، يحتمل أن يُسفر في نهايته عن صراعات قوية داخل "الليكود" تؤدي لأن يتغير وجه "الليكود"الذي نعرفه بفعل انشقاقات على خلفية الصراع الداخلي.
كل الأحزاب من المحتمل أن تستفيد من غياب نتنياهو،لأن "الليكود" سيخسر من مقاعده؛ وهذا ما تؤكده استطلاعات الرأي، إلا حزب القائمة العربية الإسلاميةبرئاسة منصور عباس هو وحده الحزب الذي سيدفع الثمن، لأنه بغياب نتنياهو سيفقد الحزب ميزة بيضة القبان في الانتخابات أو تشكيل الائتلاف المقبل،وستكون رهاناته باءت بالخيبة والفشل (فلا صيف صيفت ولا عرضها نابها).
التأثير الرئيسي والأولي والمباشر سيكون داخل "الليكود"، فغياب نتنياهو يعني فتح الباب على مصراعيه للتنافس؛ بل وللصراع الشرس على زعامة الحزب، كثيرون هم مَن يتطلعون لخلافة نتنياهو من داخل "الليكود" ومن خارجه، وبعضهم ربما سينافس في البداية ليعقد صفقة مع صاحب الفرصة الأكبر.أهم المتنافسين حتى الآن هم: نير بركات، رئيس بلدية القدس المحتلة سابقًا، وهو الأكثر شعبية بين أوساط مصوتي اليمين، وقد منحت استطلاعات الرأي "الليكود" برئاسته 29 مقعدًا، لكن هذا لا يعني أنه صاحب الاحتمال الأكبر داخل "الليكود"، لا سيما وأن "الليكود" بعد نتنياهو سيكون أرضًا خصبة للمحاور والتكتلات أو ما يُعرف بالمعسكرات. المرشحان الآخران هما يولي ادلشتاين، رئيس الكنيست السابقة، وكان يحرز أعلى الأصوات في الانتخابات التمهيدية لحزب "الليكود" لعضوية الكنيست،ويسرائيل كاتس، وزير سابق وشخصية مركزية فيالحزب، وهو رئيس مركز "الليكود"، وهذا يعني أنه يمتلك مفاتيح تنظيمية مؤسسية قوية.
من المُتوقع في حال انسحب نتنياهو من الحياة السياسية، أن يعقد مركز "الليكود" اجتماعًا لانتخاب زعيم مؤقت للحزب، لمدة ستة أشهر حتى يتمكن رئيس الحزب من الدعوة لانتخابات عامة داخل "الليكود"لانتخاب رئيس الحزب ومرشحه للانتخابات العامة وتشكيل الحكومة. يسرائيل كاتس هو صاحب المعسكر الأقوى داخل مركز "الليكود"، وإذا ما سمح له بترشيح نفسه (لأنه قد يتم الاتفاق على أن من يرشح نفسهللرئاسة المؤقتة لا يُسمح له بترشيح نفسه في الانتخابات العامة لرئاسة الحزب، تحسبًا من أن مَنيرأس الحزب مؤقتًا سيعزز فرصه لاحقًا)، فاحتمالاته كثيرة بالفوز، ولتعزيز فرصه قد يحاول تفكيك الائتلاف الحالي وتشكيل حكومة برئاسته، وهو أمرٌ مُمكن نظريًا.
أما على مستوى الحكومة، فإن غياب نتنياهو سيُحرر الحكومة من تهديد شبح نتنياهو الذي كان يطاردها، لكنه لن يحررها من انقساماتها وتجاذباتها،والمُرشح استمرارها في ذات السياسات مع تطلع كل حزب من أحزابها إلى التبعات السياسية والحسابات الانتخابية لكل خطوه وقرار.


