ولإنجاح هذه الإستراتيجية كان يحتاج شارون إلى إحداث تغييرات في مسارات مهمة وحيوية ليكون التغيير قابلا لتمرير هذه الإستراتيجية، مستعينا بذلك بأمريكا بوش الإبن وفي ثلاث مستويات:
الأول : المجتمع الإسرائيلي الداخلي وبنية أحزابه السياسية وإتجاهاته المتعلقة بالحل مع الفلسطينيين، وقد نجح بجعل اليسار والوسط تابعا لليمين في توزيع الأحزاب السياسية في الكنيست، وبالنتائج لا يوجد في هذه الأحزاب من يرى أن الحل يمكن ان يكون على أساس الدولتين.
ثانيا: التغيير في البنية السياسية والإجتماعية الفلسطينية : وقد نجح في الإنسحاب من قطاع غزة، وإن الإنقسام المستمر على الساحة السياية الفلسطينية والإنقلاب في قطاع غزة يمثل عامل مهم في تمرير جزء مهم من هذه الإستراتيجية و الكثير من توابعها والحد في بعض التفاصيل من مواجهتها على الأقل فيما يحدث داخليا(فلسطينيا)،وما بعد الإنقلاب لم تكن حركة فتح وحدها من تورطت في سلطة شكلت لتقوم على إنجازها مرحليا في وضع نهائي دولة تحقق للفلسطينين حلمهم بالدولة، لم تقم الدولة ولا يوجد في دولة الإحتلال من يرى بذلك فرصة للحل أو طريقة لأي شكل من الحل، وبعد سنوات من هذا الإنقلاب قدمت حماس عبر رئيس مكتبها السياسي السابق وثيقة سياسية جاءت تنادي بحل الدولتين متضمنة صراحة الأعتراف بحدود العام 1967 فاصلة ما بين دولتين، وبذلك اعتراف ضمني بما أعترفت به منظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت اتفاق أوسلو، وبالتالي لم يبقى هناك من تباين فلسطيني فيما يتعلق بالبرنامج السياسي، غير ان هذه الوثيقة جاءت سلب وبنتائج فلسطينية داخلية في مواجهة استراتيجية شارون بطريقة عكسية إذا كان المقصود منها توحيد البرنامج النضالي الوطني الفلسطيني، غير أنها جاءت ما بعد الإنقلاب وفصل الضفة عن قطاع غزة، وما بعد تلقي حماس لدعم سياسي إقليمي ( قطر وتركيا )، وهذه الدول التي قدمت الدعم السياسي والمادي لحماس تقيم علاقات متعددة ومتنوعة مع دولة الإحتلال، ويحدد لها الدور في المنطقة الأمريكي، وبذلك أصبح الكل الفلسطيني يمارس عليه الضغوطات لتقديم التنازل لجعل دولة الإحتلال تغير من مواقفها فيما يتعلق بإمكانية تنفيذ ما يسمى بالحل على أساس الدولتين، بعدما أصبح الإجماع في دولة الإحتلال أن هذا الحل لم يعد مقبولا، وهو تحقيقا لهدف جوهري في استراتيجية شارون بوش.
ثالثا: تغيير وجه المنطقة لجعل دولة الإحتلال من حيث الوجود والدور والنفوذ أمر طبيعي وربط بعض دول المنطقة بمصالح معها، وجعل التطبيع مطلب وحاجة وتبرير ذلك بإيجاد مصالح ضيقة تعلو وتسمو على مصالح الأمة وتساعد هذه المصالح بتفتيت مصالح امن هذه الأمة القومي، مما يساعد ذلك على منع بروز قوة عربية إقليمية تعبر عن هذا الأمن ومتطلباته وسياساته.
وفي إطار بلورة هذ العمل واقعا يفرز نتائج واقعية، وعمليا كان الدخول الفعلي للعمل الأمني الإسرائيلي العربي المشترك في مساعي تغيير شكل المنطقة، والذي تم في تفجيرات ثورات خطفت وسلبت وأججت لتحقيق مصالح مختلفة عن مصالح شعوب تلك الدول التي اندلعت فيها بعد التخلص من نظام البعث في العراق وإعدام الرئيس العراقي صدام حسين أمام مرأى كل هذه الأمة، وإغتيال الرمز الفلسطيني ياسر عرفات وهو محاصر من قبل دبابات جيش حرب الإحتلال على الشعب الفلسطيني، وقد رعت بعض دول المنطقة بالوكالة تشجيع وتمويل هذه الثورات لأجندة لم تكن تخدم في مستوياتها العليا سوى الدور المستقبلي لدولة الإحتلال، وحصرت هذه الثورات في بلدان معينة (مصر وليبيا وسوريا) لما لكل من هذه الدول من ثقل وبعد سياسي وجيوسياسي في المنطقة، ولتبرير الإستعانة بالإستعمار كوسيلة للتخلص من الظلم، وفي ذلك خسف وهتك للهرم القيمي المتعلق بالحرية ومحاربة الظلم، فأي مسعى للتخلص من الإستبداد بالإستعانة ببديل عنه أشد ظلما وإستبدادا(الإستعمار) بالناتو وآليات حربه وعسكره ومؤسسات دوله الأمنية.
وقد شاركت دولة الإحتلال عبر منظومة إقليمية أمنية مع دول عربية برعاية امريكية وغربية توجيه وإمداد الجماعات التدميرية والظلامية ( الممولة خليجيا) في قتل أبناء هذه الأمة وتدمير دولهم في اكثر من ساحة وكان اكثرها وضوحا وانفضاحا في سوريا بكل ما حدث من تشكيل لغرف عمليات امنية ودولة الإحتلال طرفا بها، وبكل ما حدث من تقديم المأوى لجرحى جبهة النصرة وغيرها من هذه التنظيمات عبر الحدود مع سوريا، إضافة لذلك بعض توقيتات القصف من دولة الإحتلال للأراضي السورية وهو المشاركة الفعلية والعملية في هذه الحرب التي تشن على دولة عربية بأيدي هذه التنظيمات وبتمويل عربي وإسناد اسرائيلي.
وإن فاتورة هذا التخريب والتدمير والقتل لإبناء هذه الأمة جاء بتمويل خليجي وتوجيه اسرائيلي امريكي، كان مقدمة للتغيير المطلوب بالمنطقة تمريرا لأفق إستراتيجية شارون بتحويل القضية الفلسطينية من قضية إحتلال تسندها امتها العربية إلى قضية جزيئات أمنية ومعيشية، تنسلخ عنها أنظمة الحكم العربية عبر القفز عن حقوق الشعب الفلسطيني والهرولة للتطبيع والإستعانة بالإحتلال الإسرائيلي والإستعمار الأمريكي الحديث للنجاة بانظمة هشة قامت على أسس تفتيت هذه الأمة والعبث في مقدراتها وامنها وتطلعاتها.
ولعل الخليج العربي (بعض الأنظمة) قد سقطت في استراتيجية شارون كما أرادها، وساهمت مع دولة الإحتلال في بناء مستوى للمناداة بمحاربة الإرهاب لإستقرار المنطقة كبديل عن الأساس الذي كان عليه إجماعا دوليا ينادي بحل القضية الفلسطينية كمدخل لإستقرار المنطقة، وفي هذا مصلحة لدولة الإحتلال لتحول القضية الفلسطينة من قضية إحتلال إلى قضية جزيئات امنية ومعيشية وفق هذه الإستراتيجية.
ومن أخطر ما تصبو إليه هذه الإستراتيجية هو التعامل مع أي قوة عربية صاعدة وقادرة لأن تشكل عقبة امامها، لم تبقى بآسيا بل امتدت بعد ضمان الخليج وانهاء العراق إلى شمال إفريقيا بما تمثله من مصالح استراتيجية وعميقة لدولة الإحتلال في إفريقيا.
يتبع


