على عكاز الألم من غزة لمصر.. رحلة غازي شاهين بين الحرب والعلاج

الإثنين 09 فبراير 2026 01:04 ص / بتوقيت القدس +2GMT
على عكاز الألم من غزة لمصر.. رحلة غازي شاهين بين الحرب والعلاج



القاهرة/الدستور/

لم يكن غازي شاهين، الشاب القادم من شمال قطاع غزة ضمن الدفعة الثانية من الجرحى والمصابين في الثالث من فبراير الجاري، يتخيل أن إصابة قديمة في ساقه ستتحول إلى معاناة مركبة، تمتد من غرف العمليات المتواضعة في غزة، إلى طرق النزوح تحت القصف، وصولًا إلى معبر رفح الذي لم يعد بوابة سفر بل ممر خوف ورعب. 

قصة شاهين تختصر وجع آلاف الجرحى الذين علّقت الحرب علاجهم، ودفعتهم إلى مواجهة الألم والجوع والنزوح، قبل أن تفتح لهم نافذة أمل خارج القطاع.


يقول شاهين في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، إن إصابته تعود إلى ما قبل الحرب، حين تعرض لكسر في ساقه استدعى تدخلًا جراحيًا جرى خلاله تثبيت شريحة بلاتين، لكن العملية، التي أُجريت في ظروف طبية صعبة داخل غزة، خلفت مضاعفات خطيرة، أبرزها التهابات في منطقة الحوض واختلال في طول الساقين، حيث أصبحت إحدى رجليه أطول من الأخرى بنحو خمسة إلى ستة سنتيمترات، وفق ما أظهرته الفحوصات الطبية لاحقًا.

ومع اندلاع الحرب، توقفت كل فرص العلاج، لم يعد المستشفى مكانًا آمنًا، ولا الدواء متوفرًا، ولا الغذاء كافيًا. 

كما روى شاهين كيف عاش عامين من النزوح المتكرر، متنقلًا بين الخيام والشوارع، هربًا من القصف، بينما يزداد ألمه يومًا بعد يوم، ضعف جسده بسبب الجوع، وتراجعت مناعته، وأصبح المشي مهمة شاقة، في وقت كان مضطرًا فيه لمساعدة أسرته في تأمين المياه وأبسط مقومات الحياة.

تفاصيل خروج الشاب غازي شاهين من قطاع غزة

وسط هذا الواقع القاسي، قدّم شاهين طلب تحويلة طبية عبر وزارة الصحة الفلسطينية، التي بدورها نسّقت مع منظمة الصحة العالمية، ليُتخذ القرار بعلاجه خارج غزة، وتحديدًا في مصر، غير أن الرحلة التي كان ينتظرها كطوق نجاة، بدأت بمشهد صادم على معبر رفح.

ووصف شاهين معبر رفح بأنه لم يعد بوابة سفر كما كان قبل الحرب، بل تحول إلى منطقة عسكرية مخيفة. من خان يونس التي لم يبقَ فيها بيت قائم، إلى رفح التي بدت خالية من الحياة، كانت الدبابات تحيط بالمكان، والجنود يصوّبون أسلحتهم نحو الحافلات. 

وكان الصليب الأحمر يطلب من المرضى عدم النظر من النوافذ خوفًا من أي طارئ، فيما خضع الجميع لتفتيش دقيق شمل حتى مصادرة زجاجات المياه والطعام البسيط الذي حملوه معهم.

وأشار شاهين إلى أن التفتيش كان دقيقًا ومهينًا، صودرت خلاله حتى زجاجات المياه وبعض الطعام البسيط الذي حمله المرضى في رحلتهم الطويلة.

وأكد شاهين أن أصوات القصف لم تفارقه حتى وهو في الجانب المصري، حيث كان يسمع دوي الغارات الإسرائيلية من بعيد، ويرى الطائرات الحربية تحلق فوق المعبر، في مشهد اختلط فيه الأمان النسبي بالخوف المتجدد.

لكن مع عبوره الكامل إلى الأراضي المصرية، شعر للمرة الأولى منذ سنوات بأنه نجا من الموت.

وتابع بالقول: "حسّيت إني انولدت من جديد"، فبعد أكثر من عشرين مرة نزوح، ومواجهات متكررة مع خطر القصف، وجد نفسه أخيرًا في مكان تتوفر فيه الكهرباء والمياه والطعام والعلاج.

وصل شاهين إلى المستشفى الميداني الإماراتي العائم في العريش، حيث خضع لسلسلة من الفحوصات والتحاليل والأشعة التي أكدت حجم الضرر في ساقه والحوض. 

وأشاد بالرعاية الطبية التي تلقاها من طواقم إماراتية ومصرية وإندونيسية، واصفًا المعاملة بأنها إنسانية إلى حد يشعره، على حد تعبيره، وكأنه في "الجنة" مقارنة بما عاشه في غزة.

غير أن فرحة العلاج لم تكتمل والمعاناة لا تقف عند حدود إصابته وحده، فوالدته تعيش بدورها وجعًا مضاعفًا في غزة. 

وأوضح أن والدته كانت تعاني قبل الحرب من كيس دهني في الظهر، وسافرت إلى مصر حيث أزيل جراحيًا، لكن الأطباء أكدوا لاحقًا عودته مجددًا، إضافة إلى وجوده قرب النخاع الشوكي، وبعد عودتها إلى غزة، بدأت الآلام تتفاقم، تمتد من الظهر إلى الكتف والرقبة، حتى أصبحت غير قادرة على المشي إلا بمساعدة عكازات حصلت عليها من المستشفى.

وأشار شاهين إلى أن العكازات في غزة نادرة وباهظة الثمن، وغالبًا ما تُسحب من المرضى فور سفرهم لإعطائها لمرضى آخرين، في صورة تعكس حجم النقص الحاد في المستلزمات الطبية داخل القطاع المحاصر.

والدته اليوم، تعاني من آلام شديدة، وتنتظر تحويلة طبية للعلاج خارج غزة، لكن من دون أي رد حتى الآن، ويعترف غازي بحزن عميق لأنه تركها وحدها مع شقيقيه الصغيرين، بعدما كان هو السند الأساسي لها، يتولى جلب المياه والقيام بأعمال المنزل رغم إصابته.

وفيما يتلقى علاجه في العريش، طرح غازي على الأطباء فكرة تحويله إلى مستشفى في القاهرة لإجراء العملية هناك، ليكون قريبًا من والده المقيم في منطقة الشيخ زايد. والده، المخرج فريد شاهين أحد كوادر تلفزيون فلسطين، لم يلتقِ به غازي منذ أكثر من ثلاث سنوات بسبب إغلاق المعابر. 

وقد رحّبت الطواقم الطبية بالفكرة وبدأت الإجراءات اللازمة، إلا أن العملية ما تزال بانتظار ما يُعرف بـ”موافقة الأزمات”، وهي خطوة إدارية قد تستغرق أيامًا أو أسابيع.

وأضاف غازي شاهين أن الأطباء يطمئنونه يوميًا بأن التحويل إلى القاهرة سيتم قريبًا، مؤكدين اهتمامهم الكامل بحالته الصحية، سواء أُجريت العملية في العريش أو في أحد مستشفيات العاصمة المصرية.

قصة غازي شاهين، بما تحمله من وجع الجسد وقلق الروح، تمثل صورة مصغرة لمعاناة جرحى غزة الذين علقوا بين الحرب والعلاج، وبين الفقد والأمل، رحلة بدأت بكسر في ساق، وتفاقمت تحت القصف والجوع والنزوح، وانتهت مؤقتًا في حضن الرعاية الطبية خارج القطاع، لكنها ما تزال مفتوحة على قلق الأم المريضة، وانتظار الجراحة المصيرية، وحلم بسيط بحياة آمنة بلا ألم ولا حصار