المشكلة فيما نفعل وليس فيما نريد..محمد ياغي

الجمعة 10 ديسمبر 2021 01:44 م / بتوقيت القدس +2GMT



بطبيعتها كدولة قائمة على الاحلال الاستيطاني والفصل العنصري (الابارتهايد)، فإن إسرائيل ترفض حل الدولتين الذي تتمسك به السلطة الفلسطينية و"حماس" – الأخيرة تعتبره قاسما لمشروع سياسي مشترك في إطار منظمة التحرير.
والحركة الصهيونية ترفض أيضا حل الدولة الواحدة والدولة ثنائية القومية، لأنها تعتبر نفسها دولة لجميع يهود العالم ولا مكان في هذه الدولة لوجود شعب آخر.
المشروع الصهيوني الذي قامت عليه إسرائيل والذي يكمن في الاستيلاء على أراضي الشعب الفلسطيني وطردهم منها بإحلال اليهود مكانهم لم يتغير، وهذا واضح بطبيعة الحال في أن من تبقى من الفلسطينيين في أراضي العام 1948 لم يحصلوا إلى يومنا هذا على حقوقهم كمواطنين عرب على قدم المساواة بغيرهم من المواطنين اليهود (منعهم من البناء على أراضيهم ومصادرتها، قانون يهودية الدولة، واستخدام القوة القاتلة في التعامل معهم عندما يكون هنالك أي حراك مطلبي من جانبهم).
وهو أكثر وضوحا في الضفة الغربية حيث تجري يوميا مصادرة أراضي الفلسطينيين وطردهم منها وإحلال المستوطنين اليهود مكانهم. اليوم لم تعد الضفة بما فيها القدس ومعهما غزة مكانا يمكن إقامة دولة فلسطينية عليهما لأنها تحولتا إلى معازل تفصلها المستوطنات الإسرائيلية عن بعضها البعض.
هدف المشروع الصهيوني فيما يتعلق بفلسطين هو الضغط على الفلسطينيين بكل الوسائل للتخلص منهم وإن لم يحصل هذا طواعية (الهجرة الطوعية بحثا عن مكان يؤمن لهم ولأبنائهم مكانا يحفظ لهم كرامتهم وحقهم في الحياة والتقدم فيها) وإما قسراً عندما تتهيأ الظروف كما حصل في الأعوام 1948 و1967.
لا يوجد مشروع آخر لدى إسرائيل غير مشروع الترحيل. أميركا وأوروبا والعرب أيضا يدركون ذلك، لكن جميعهم يريد شراء الوقت بالحديث عن حل الدولتين ليس أملا في تنفيذه ولكن لعدم رغبتهم في مواجهة إسرائيل. خلال انتظارهم تفرض إسرائيل واقعا جديدا على الأرض يرفضونه لفظا ويتعاملون معه واقعا (لاحظ مثلا أن أميركا - بايدن لم تعد إلى يومنا هذا افتتاح قنصليتها في القدس العربية ولاحظ أيضا تقدم التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل على حساب القضية الفلسطينية).
المشكلة إذا ليست إن كان علينا أن نتبنى مشروع الدولة الواحدة أو الدولة ثنائية القومية أو حل الدولتين – لا خيار من هذه تقبله الحركة الصهيونية لأن هدفها هو التخلص من الشعب الفلسطيني وطرده من أرضه وإحلال اليهود مكانهم.
هذا الفهم تترتب عليه نتائج على صعيد كيفية مواجهة هذا المشروع الصهيوني ومنعه من تحقيق أهدافه.
الخبر الجيد هنا هو أن الحركة الصهيونية لم تتمكن من تحويل الشعب الفلسطيني إلى أقلية هامشية تطالب بحقوق ثقافية وتعويضات كما هو حال السكان الأصليين في الأميركتين. الشعب الفلسطيني على أرضه وفي الشتات يصل إلى 14 مليون شخص وهو قريب حتى من عدد اليهود في العالم كله. وعلى أرض فلسطين التاريخية لا يزال عدد الفلسطينيين يماثل إن لم يكن أكثر من عدد اليهود.
والخبر الجيد أيضا أن هنالك حركة وطنية وإسلامية فلسطينية تجذرت بين شعبها وهي تطالب وستبقى تطالب بحقوقها الوطنية السياسية على أرض فلسطين.
يضاف لذلك بالطبع إن الشعب الفلسطيني هو جزء من الشعوب العربية التي لم تتخل عنه إلى اليوم هذا رغم كل محاولات التطبيع التي يقوم بها البعض مع الاحتلال.
لكن الخبر السيئ هو أن منظمة التحرير الفلسطينية قد أصبحت عاجزة على مواجهة المشروع الصهيوني.
وبخلاف مطالبة "المجتمع الدولي" بأن يقوم بما عليه من التزامات لإنهاء الاحتلال فإنها لا تفعل شيئا من أجل إنهائه فعلا، وهي بسلوكها العام لا تساعد على إنهائه لأنها تجعله عديم الكلفة على الاحتلال إن لم يكن حتى مربحا له من خلال التنسيق الأمني واليد العاملة في إسرائيل والسوق المفتوحة لمنتجاته.
إذا أردنا إفشال المشروع الصهيوني لا بديل من "إحياء" منظمة التحرير على قاعدة برنامج مقاوم للاحتلال. ليس من الضروري أن تكون هذه المقاومة مسلحة، فشكل النضال تقرره ظروف كل ساحة فلسطينية، لكن من الضروري أن يكون هدف هذا البرنامج رفع كلفة الاحتلال.
من هذا المكان دعوت أكثر من مره لتحويل السلطة الفلسطينية إلى سلطة لإدارة الخدمات المدنية للشعب الفلسطيني وإلى تحويل وظيفتها السياسية لمنظمة التحرير بعد إعادة تشكيلها بشكل ديمقراطي أو بالتوافق لتضم جميع فصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني.
وهو ما يعني إنهاء المؤسسات الأمنية الفلسطينية والإبقاء على الشرطة الفلسطينية فقط لمكافحة الجريمة داخل المجتمع الفلسطيني.
هذا وحده كفيل برفع كلفة الاحتلال إلى مستويات تقلق إسرائيل لأن هذا يعني أن عليها نشر عشرات الآلاف من جنودها في الضفة الغربية للحفاظ على أمنها، وهو ما يستهلك من إمكانياتها وقدراتها التي ترغب بتوجيهها إلى قطاع غزة وجنوب لبنان وصولا إلى إيران.
تحويل العمل السياسي لمنظمة التحرير يعني العودة لأشكال النضال التي سبقت اتفاق أوسلو وهو أيضا يرفع من كلفة الاحتلال كثيرا.
بالطبع لا يمكن إعادة التاريخ إلى ما قبل اتفاق أوسلو، لكن تحويل وظيفة السلطة من سياسية ومدنية وأمنية إلى وظيفة مدنية فقط تقوم بالأعمال البلدية لا أكثر ومعها شرطة تدعمها سيغير الواقع الفلسطيني وسيفتح آفاقا جديدة لكسر المشروع الصهيوني وهزيمته، وهو ما سيترتب عليه في النهاية طبيعة الحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.