توقفنا، قبل أسبوع، عند لبنى ونورا في البار. ولنلاحظ في معرض تحليل الخطاب أن في المسكوت عنه في «خطاب» بن درور، الإسرائيلي من أصل يمني، عن زيارته لدبي ولقائه بالإماراتيين، ما يُحرّض على استدعاء صورة «المتوحش النبيل» في آداب الكولونيالية، ويعيد التذكير بمركزية النظرة الأولى في لقاء البيض بالسكّان الأصليين، وما يشوبها من سوء فهم وتوتر.
والمفارقة، هنا، وفيها الكثير من عناصر الكوميديا السوداء، أن بن يميني، هو وأجداده، وأجداد أجداده، كانوا دائماً في عداد السكّان الأصليين بقدر ما يتعلّق الأمر بتجربة اللقاء مع الرجل الأبيض، بما في ذلك الاشكناز البيض، وأن العنصرية، حتى عند أشخاص يتحلون بنزعة إنسانوية لا مراء فيها، لم تغب عن العلاقة مع «غير البيض» في زمن الإمبراطورية، وميراثها الأيديولوجي.
وقد كان هذا في الذهن عندما تكلمنا عن استدراج البعض من يهود اليمن إلى فلسطين، على يد يفنئيلي، وكيف أن أحد مؤسسي الجناح العمّالي، والقيادي الصهيوني الكبير، بيرل كاتسنلسون، فكّر في تشغيلهم في الحقول لأنهم يشبهون العرب، وفي تشغيل نسائهم خادمات في بيوت الاشكناز.
مع العلم أن كاتسنلسون هذا يعتبر من أكثر آباء الدولة الإسرائيلية إنسانوية وميلاّ إلى التسامح. ولا نعرف، طبعاً، إذا ما كان الأخ بن درور قد قرأ كتاب أنيتا شابيرا المعنون «بيرل»، الذي أشادت فيه بمناقب المذكور وإنسانيته مقارنة ببن غوريون. وفي إسرائيل مؤسسة باسم كاتسنلسون لتعميم التسامح ومكافحة العنصرية.
على أي حال، القصد مما ذكرنا القول إن وضع الأخ اليمني بن درور قناع «الرجل الأبيض» على وجهه في زيارته لدبي يثير مشاعر متضاربة لا تشكو، بقدر ما أرى، ندرة السخرية.
وقد فعل هذا بلعبة الترفّع والممانعة. سبق وتكلمنا عن النظرة الأولى، في البار، وما وسمها من توتر وسوء فهم، أذابته لبنى، التي مدّت يدها للمصافحة (في مخالفة لقواعد السلوك العام في زمن كورونا، رغم أنها تضع الماسك، في النص، أما في الصورة فهي تجلس قريبة منه على أريكة واحدة بلا ماسك).
ورغم اليد الممدودة، وإنكليزية الإماراتية المُتعلّمِة، إلا أن الأمر احتاج بضع دقائق قبل ذوبان الجليد، تماماً، من جانبه كما يقول.
وحتى عندما رفع على «الفيسبوك» صورته مع اثنين من الإماراتيين يرتديان دشداشات بيضا، ألح عليه الإسرائيليون بالسؤال: كيف تجرّأت وعانقتهم (يبدو أنه وضع ذراعه على كتف أحدهم، وربما الاثنين إذا كان واقفاً في الوسط) فقال إنه لم يفعل، ولم يبادر، بل هم أصروا على ذلك من أجل الصورة.
وبما أنه «دوغري»، ولا «يؤمن» بالصور النمطية فقد سأل عن سبب ارتداء البرقع والنقاب، فقيل له إنها التقاليد، ولا علاقة للأمر بالدين، وفي مناسبة ثانية سأل مضيفيه لماذا يرتدون الدشداشة فقيل له إنهم فعلوا ذلك تعبيراً عن احترام الضيوف.
ولنلاحظ، هنا، أن المُضيفين والضيوف يتبادلون الكذب بروح رياضية عالية. فالسؤال عن أزياء النساء وافتعال الدهشة، والكلام عن ذوبان الجليد (بعد دقائق) جزء من لعبّة التقمّص وراء قناع الرجل الأبيض، كما أن ارتداء الدشداشة احتراماً للضيوف كذب بواح (كما تقول العرب في معاجم اللغة)، فالدشداشة من علامات التراتبية الاجتماعية، وهي الزي الوطني، الذي لا يحق استخدامه لغير السكّان الأصليين (يعني 12 بالمائة من سكّان الإمارات)، بمعنى أنها من علامات الانتماء إلى الفئة الممتازة من السكّان، وبالنسبة لأزياء النساء فلا أحد يعرف الحد الفاصل بين «التقاليد» و»الدين» في مجتمعات الخليج، وفي مجتمعات تخلجنت بعد الطفرة النفطية.
ولا يحق لأحد التظاهر بالدهشة لأن الكذب المُتبادل بين الضيوف الإسرائيليين والمضيفين الإماراتيين يتجلى كتعبير عن أريحية وروح رياضية عالية، طالما أنه يحقق إشباعاً هوياتياً، ويضمد جراحاً نرجسية للطرفين (سنأتي على ذكرها لاحقاً).
ويلاحظ بن درور، بعد تذكير القرّاء، أنه سافر إلى بلدان كثيرة، والتقى طلاباً وأكاديميين (يصر على حكاية الطلاّب والأكاديميين) أنه شعر في دبي بقدر غير مسبوق من التعاطف.
ففي كل جامعات (كمان مرّة، جامعات) أميركا وأوروبا، تقريباً، وجد أشخاصاً ينتقدون إسرائيل، بل وبعض العداء للسامية، أحياناً، أما في الإمارات فالأمر مختلف تماماً، فهنا «لا يخوض الناس في أمور سياسية بلا فائدة»، بل يفكّرون في المضي قدماً، والمشاريع المشتركة (برافو).
وعلاوة عليه فهم معجبون بإسرائيل. هناك بنت إماراتية تقول لبن درور، ومن معه، إن الإسرائيليين لا يجيدون الدعاية لبلادهم، فإسرائيل في الواقع أفضل من صورتها في الإعلام. وهذه البنت تعلّمت العبرية، أيضاً، وتخطط للعمل في فرع لجمعية «جنود الاحتياط في الخدمة» في دبي، كما أن صاحب العقار الذي سيكون مقراً للجمعية في دبي قدّمه لهم بسعر رمزي.
ولا شك بأن لبن درور أسبابه الشخصية، أيضاً، للإحساس بتعاطف غير مسبوق، فبعد سهرة في بيت «أكاديمي» امتدت حتى منتصف الليل تلقى الإسرائيليون في دبي اتصالاً هاتفياً من إماراتي صاحب مليارات قال لهم احضروا في الحال، وفي بيته الذي يشبه القلعة، أجلسهم على أريكة (تعبق برائحة دخان الأراجيل).
من المُستبعد أن يتلقى بن درور، ومن معه، اتصالاً من ملياردير في إسرائيل نفسها، أو في أوروبا وأميركا، دعوة إلى البيت، في الليل أو النهار.
وكما يقول الفلسطينيون بقدر قليل من التحريف «على بال مين هذا الراقص في العتمة». فقط، في دبي يمكن للراقص في العتمة أن يخطر على بال أحد. فاصل ونواصل.