وإلى اللحد سننتقِل.. والموت حقٌ.. عربًا وفلسطينيين...زهير أندراوس

الجمعة 01 مايو 2020 06:38 م / بتوقيت القدس +2GMT
وإلى اللحد سننتقِل.. والموت حقٌ.. عربًا وفلسطينيين...زهير أندراوس



إلى وزير داخليّة الكيان تحيّة عربيّة فلسطينيّة وبعد، قرأت بشغفٍ كبيرٍ الخبر الذي تناولته وسائل الإعلام العبريّة، حول نيتّك إعادة إدراج القوميّة في البطاقات الزرقاء، الهويّة الإسرائيليّة، التي نحملها نحن أيضًا، وعندما نقول نحن، نقصد أصحاب الأرض الأصلانيين، الذين يعيشون في وطنهم، وليس في دولتهم، وعليه، نرى من المناسب أنْ نشّد على أياديك، ونُشجعك على المضي قُدمًا في إخراج هذه الخطوة إلى حيّز التنفيذ، وذلك من باب أنّ من نسي أصله فلا أصل له، راجين ألّا تنسى، أنتَ سعادتك، من أين تمّ استجلابك إلى فلسطين من قبل الحركة الصهيونيّة وصنيعتها الدولة العبريّة، فأنتَ، يا سيادة الوزير، كما تقول دولتك، لاجئ من المغرب، ويحق لك الحصول على تعويضاتٍ من الدولة التي تزعمون أنّها طردتكم، وهذا الزعم يدخل في إطار الأكاذيب التي نسجها خيالكم الكولونياليّ والاستعماريّ، منذ إقامة دولتكم على أنقاض شعبي العربيّ الفلسطينيّ، الذي شُرد، بلطفكم منقطع النظير، إلى خارج فلسطين.

***
لا أعرف، ولا أريد أنْ أعلم، متى تمّ استقدامك إلى بلاد “اللبن والحليب والعسل”، كما جاء في كتابكم المقدّس، ولكن أجد من المناسب أنْ ألفت انتباهك، وانتباه من لف لفك، بأنّ مَنْ تُطلقون عليه لقب مؤسس الدولة العبريّة، دافيد بن غوريون، رفض حمل الهويّة الزرقاء، لأنّها تشمل اللغة العربيّة، أليس من العيب، يا سعادة الوزير، أنْ تُزعج بن غوريون في قبره؟ ألا تعتقد أنّ ذلك يقض مضاجعه؟ أمْ أنّ هذه الخطوة، جاءت في ما جاءت، لكي تنتقم حضرتك، الذي يزعم أنّه يُمثل اليهود الشرقيين، من الشاعِر بدون شعور، “الوطنيّ الإسرائيليّ”، بحسب مفاهيم النخبة الأشكنازيّة، حاييم نحمان بياليك، الذي قال إنّه يكره اليهود من أصلٍ شرقيٍّ، مثلك يا سيادة الوزير، لأنّهم يشبهون العرب، وإذا ذكرنا الشاعر بياليك، نجزم أننّا كنّا على خطأ عندما طالبنا وزارة معارفك بألّا تُلزِمنا بدراسة الأشعار العبريّة، ذلك أننّا دراستنا لهذه المادّة أكّدت لنا منذ غابر الأزمان، صِدْق وصواب ودقّة قرار الأمم المتحدّة، الذي ساوى بين الصهيونيّة والعنصريّة.
 ***
 سيّدي الوزير، بعد قراءة الخبر الذي افتتحت فيه هذه الرسالة، أخرجت هويتي الزرقاء، التي لا أراها إلا لمامًا، واطلعت على التفاصيل: الهويّة، يا للمفارقة، تمّ إصدارها في الثاني من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1998، وهي الذكرى السنويّة لوعد بلفور المشؤوم، ويا للهول، فقد كُتب فيها: القوميّة: عربيّ، وهذا ربّما يُعفيني من عناء السفر إلى فرع الداخليّة، القريب من مكان سكني لاستصدار بطاقةٍ جديدةٍ، ولكن، بما أننّا نتحدث عن التعديلات التي أنتَ بصددها، أطالِبكَ، ومن حقّي المطالبة أحيانًا، بأنْ تُصدر أوامرك لموظفي وزارتك بإضافة كلمة فلسطينيّ بجانب العربيّ، وهذا مطلب شرعيّ في دولة لا تعترف بمواطنتي وتقتنص من حقوقي الفرديّة والجماعيّة، وتمارِس ضدّي، كجزءٍ لا يتجزأ من الأمّة العربيّة والشعب الفلسطينيّ، شتى صنوف التمييز العنصريّ، وتنظر إليّ كقنبلة موقوتة، كما قال النصّاب من بلفور، بنيامين نتنياهو.
***
مضافًا إلى ذلك، لا غضاضة بتذكيرك بأنّه على الرغم من مرور 72 عامًا على إقامة إسرائيل، لم تتمكّنوا من تحقيق حلم بن غوريونكـ(م) بصهر أمّة إسرائيليّة، فما زلتم حتى اليوم تختلفون حول تعريف مَنْ هو اليهوديّ، وما زلتم، أنتم الذين استُقدِمتم من الشرق، تعيشون حالة مستعصيّة على كبار الأخصائيين في علم النفس، حالة الشعور بالنقص، دون أوْ مع القيمة المضافة، مقابِل اليهود من أصلٍ غربيٍّ، وعليه كيف تسمحون لأنفسكم إبراز تعريف يهوديّ في بطاقة الهويّة؟ أليس هذا الإشكال إشكالاً؟ لا، نُقّر ونعترف، لا حقّ لنا بالتدّخل في أموركم، على الرغم من أنّكم عيّنتم أنفسكم أوصياءً علينا بغير وجه حق، وبتم تطالبوننا بالاعتراف بأنّ إسرائيل هي دولة الشعب اليهوديّ، وهذا المطلب ليس شرعيًا وليس مقبولاً علينا، لأنّه يتنافى مع أبسط قواعد التاريخ غير المزوّر وغير المزيّف.
***
سيّدي الوزير، لا أعرفك شخصيًا، ولا أريد أنْ أتعرّف على حضرتك، وأنا على يقينٍ بأنّ هذا الشعور متبادل، مع ذلك، ليس من الخطأ أنْ نُنوِّه في هذه العجالة، إلى أنّ موشيه ديان، قال إنّ مَنْ يُريد البحث عن العدل فلنْ يجِد إسرائيل، ومنْ يريد البحث عن إسرائيل فلنْ يعثر على العدل، ولكنْ قبل هذا وذاك، نلفت عنايتك، إلى أنّكم فرضتكم علينا الحكم العسكريّ منذ النكبة في العام 1948، وحتى عامٍ قبل النكسة، عام 1966، وجاء القرار بإلغاء الحكم العسكريّ، الذي رافقني في طفولتي، بعد أنْ هددت الأمم المتحدّة دولتكم، ومع أنّكم دولة مارقة بامتيازٍ ومعربدة بتفوّقٍ، تقول أدبياتكم الصهيونيّة، إنّ بن غوريون رفض الانصياع لهذا التهديد، ولو بقي رئيسًا للوزراء لظلّ الحكم العسكريّ، ولكن الرياح جرت آنذاك بعكس ما أراد “الختيار”، كما تُسمونه، فتمّ تعيين ليفي إشكول، الذي اتخذ قرار إلغاء الحكم العسكريّ، كما نرى أنّه من الأهميّة بمكان، أنْ نُوسع آفاقك، ونُبلغك أننّا حصلنا على الهوية الزرقاء وجواز السفر الإسرائيليّ على مضض، وجاء هذا القرار بعد أنْ كان الآباء والأجداد، يحملون البطاقات الحمراء، حصلنا عليها لنبقى في وطننا فلسطين، وليس في دولتنا إسرائيل.
***
وبالمناسبة: ألا يُذّكرك الأحمر بالأصفر، يا سعادة الوزير؟ وكي لا ننحرِف عن مسارنا، لم يقم أحد باستشارتنا فيما إذا أردنا الهويّة أمْ لا، كما أننّا كنّا وما زلنا، وبطبيعة الحال، سنبقى على استعداد للتضحيّة من أجل البقاء في وطننا، لأنّه لا وطن لنا سواه، وللتاريخ نُسجِّل هنا: قراركم بمنح العرب الهويات والجوازات لم يكن نابعًا من كرم أخلاقكم وإيمانكم بالمساواة غير الموجودة، بل كان نتاج الضغط الذي مارسه المجتمع الدوليّ عليكم، الأمر الذي دفع أوّل رئيس لدولتكم العبريّة لإطلاق مقولته الشهيرة بأنّ العالم سيُحاسِب إسرائيل وفقًا لتعاملها مع الأقليّات، على حد تعبيره.
***
وبما أنّ خطوتكم تنطبِق على الأسرى في السجون، كما تنسحب علينا، نحن الذي حوّلتم مدننا وقرانا إلى سجونٍ كبيرةٍ، نقترح عليك، يا سيّد يشاي، أنْ تعمل على تصنيف الأسرى أيضًا، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، السجناء الذين ارتكبوا المخالفات الجنائيّة، يختلِفون عن الأسرى السياسيين، وبما أنّ حزبكم، شاس، كان وما زال السبّاق في عدد الوزراء وأعضاء الكنيست، الذين تمّ إرسالهم إلى السجون بعد إدانتهم في المحاكم بالسرقة والنصب والاحتيال، وما إلى ذلك من مخالفات يشملها كتاب قوانينكم، فما رأيك في أنْ يُضاف إلى الهويّة مثلاً أنّ آرييه (الأسد) درعي، هو سجين سابق، مجرد اقتراحات، يا سعادة الوزير.
***
وختامًا، أقول لسيادتك بكل صدقٍ وأمانةٍ، بصراحةٍ وشفافيّةٍ: أكتبوا ما أردتم في الهويّة، سجِّلوا ما طاب ويطيب لكم، طبِّعوا مع الدول الخليجيّة والأخرى، هذا لن يُجديكم نفعًا، لأننّا من رحم الأمّة العربيّة انطلقنا، وإلى اللحد سننتقِل، والموت حقٌ، عربًا وفلسطينيين.
كاتبٌ عربيٌّ من فلسطين