عن رجل البدايات المستحيلة..كمال عبد الكريم

الخميس 16 أبريل 2020 01:07 م / بتوقيت القدس +2GMT



لا يكفي اعتماد زاوية واحدة لمراجعة تجربة «أبو جهاد»، وبالكاد تتمكن روايات متعددة من الإحاطة بسيرة ثرية بالتفاصيل وغنية بالمفاجآت كسيرة خليل الوزير، فقط رؤى متنوعة وشهادات شهود عيان مرتبطة عضوياً بقراءة عميقة لمراحل تاريخ النضال الفلسطيني، يمكنها أن تحيلنا إلى قراءة منصفة تومئ إلى نقاط مفصلية وتشير إلى مواعيد حاسمة، وتبرز لنا دلالات لها مغزاها في حياة زاخرة بالأحداث لمن استحق لقب أمير الشهداء بجدارة.
في تلك الليلة الحزينة قبل 32 عاماً، كان خليل الوزير يكتب رسالة جديدة إلى شعب الإنتفاضة قبل أن يستل مسدسه ويشهره في وجوه القتلة. في تلك اللحظات التي شهدت رحيله كان خليل الوزير يمارس ما اعتاد عليه طوال سنوات عمره: الشجاعة، والمواجهة، وصنع البدايات واقتراح الوسائل ورسم خارطة الطريق نحو البلاد.
فـ»أبو جهاد» الذي كان حريصاً على الابتعاد عن بؤرة الضوء الإعلامي كان دائم الانشغال بالتفاصيل الدقيقة التي تشكل تضاريس رؤى ومشاريع وخطط كانت تختمر في عقله، فهو وفق شهادات من عملوا عن قرب معه كان قادراً على إدهاش الجميع بمعرفته الموسوعية بالتفاصيل الدقيقة للمواضيع التي يناقشها، وقادراً على جعل الجميع من كوادر الثورة على أهبة الاستعداد الدائم بمتابعته المتواصلة لكل تكليف يصدره لتنفيذ عملية فدائية أو لبناء إطار تنظيمي أو لتواصل لا ينقطع مع الأسرى ورعاية أسر الشهداء والأسرى أو لإغاثة متضررين من حروب الاحتلال وقمعه أو للبدء في مشاريع تخدم قطاعات اجتماعية واسعة في أرض الوطن أو لمتابعة التنسيق مع قوى ثورية في مختلف أرجاء العالم، كما كان قادراً في خضم شبكة معقدة من الخلايا والأفراد والمهمات على أن يرتفع ببصره ويتحرر بوعيه من أسر اللحظة وانشغالاتها لكي يقرأ الصورة الأوسع والأشمل في مدياتها الزمنية المختلفة، كان يمتلك، وهو المسكون طوال عمره والمنشغل على مدار الساعة بالقضية المقدسة، وعياً متقدماً وخبرة متراكمة وبصيرة متقدة، ما وفر له أن يقرأ اتجاهات الرياح ومسار الأمور في وقت مبكر ومناسب ضمن فهم واقعي يبتعد عن النصوص النظرية الجامدة ويتبنى الواقع المعاش بكل تعقيداته. فلم يكن النضال الجماهيري، والانتفاضة ذروة تجليه، بالنسبه له أمراً وتعليمات وقراراً، بل كان يعني عملية معقدة طويلة تبني وعلى مهل متطلبات النهوض الجماهيري من بنية تحتية بشبكات وخلايا للعمل في مختلف القطاعات بما يشمل الطلبة والشباب والمرأة والمهنيين والمزارعين والعمال في المدن والقرى والمخيمات، وهو ما أطلق مرحلة عمل جديدة في مسيرة الثورة الفلسطينية، وعملية تستخدم أدوات قياس دقيقة للقدرات والاستعدادات والإمكانيات ولردود العدو المحتملة وللحالة النفسية للجماهير في كل مرحلة. 
وفي حين كانت الثورة تفقد قاعدتها الرئيسية في لبنان بعد الحرب الإسرائيلية في العام 1982، كانت البذور التي زرعها أبو جهاد في الأرض المحتلة قد بدأت بالنمو والتفتح والتمدد لتشكل مفاصل حالة جعلت الأرض المحتلة بجماهيرها القاعدة الرئيسية للثورة والمتبنية لقرارات القيادة وسياساتها والمدافع الشرس عن الحلم الفلسطيني، ولتجعل تفجر الانتفاضة الأولى أمراً ممكناً وبصورة حفرت بصماتها في وعي البشرية وذاكرة التاريخ، مرسية سابقة بخصائص فريدة ونموذجاً إستثنائياً ملهماً قابلاً للتحقق بتوفر متطلباته المتعددة.
من الرصاصة الأولى إلى الحجر الأول، ومن خلايا وقواعد الفدائيين إلى الأطر الجماهيرية، ومن تكييف الشعار والهدف ضمن الرؤية الشاملة إلى اقتراح وسائل وأساليب نضالية تتناسب وسمات كل مرحلة، ومن الاهتمام الصادق والعملي بكل تجمع فلسطيني إلى إدراك وتعزيز الرابطة العضوية مع حركات التحرر، كان خليل الوزير محترف صنع البدايات المستحيلة يراهن على عنصريْن أساسييْن: جسارة الحلم المستند لوعي يتراكم ويتجدد، وثقة راسخة بقدرات شعب عنيد.
وفي لحظات استشهاده، وهو يكتب الرسالة الأخيرة للانتفاضة، وهو يشهر مسدسه ويطلق رصاصه نحو القتلة، كان خليل الوزير يكتب وصيته الأخيرة لشعبه، وفي لحظة النهاية المفجعة والبطولية كان رجل البدايات المستحيلة يكتب جدول أعمال النضال الوطني الفلسطيني، مشدداً على منطلقاته وأسسه، وكانت دماؤه التي سالت في تلك الليلة الحزينة قبل 32 عاماً على أرض تونس ترسم خارطة الطريق الطويل والأكيد إلى فلسطين.