في الوقت الذي يجمع فيه المراقبون السياسيون والخبراء في الشأن الاسرائيلية على أن بنيامين نتنياهو لن يجرؤ، على القيام بأي عمل عسكري، في هذه الايام، ضد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة المحاصر حتى لاهداف تكتيكية، لأدراكه بأن اي عمل من هذا النوع سيستدرج رد صاروخي حتمي من غزة ومواجهة قد تستمر لعدة ايام على الاقل مما سيدخل ملايين الاسرائيليين الى الملاجئ، وما ادراك ما الملاجئ، في زمن الكورونا التي تعني انتقال سريع للوباء وموت.
ولذلك فأن نتنياهو هذا المنتشي باحتفاظه بمنصب رئيس الوزراء بعد ان طوع غانتس وشظى بدهاء حزبه ازرق ابيض الى احزاب لم يذهب الى اختفائه بهذا الانجاز الى غزة بل ذهب ليل البارحة، الى حمص حيث اعطى الاوامر لطيرانه الحربي بقصف مواقع عسكرية تابعة الجيش السوري وحلفائه، من فوق عاصمة عربية هي بيروت، فلماذا فعل ذلك من دون ان يطرف له جفن؟
غني عن القول بأن هذه الضربة لم تكن لتحصل لو ان نتنياهو لم يكن وبنسبة 100%، متأكدا، اي ألى حد اليقين، بان الجيش السوري وحلفاؤه في محور المقاومة لن يردوا على هذه الغارة كما لم يردوا على مئات الغارات الاسرائيلية التي استهدفت سوريا منذ اندلاع الحرب فيها وعليها عام 2011، الا في استثناء واحد.
فلماذا هذا الخوف من غزة؟ ولماذا هذه الجرأة وهذا التمادي في التعامل مع سوريا؟ رغم ان الجيش العربي السوري وحلفاؤه يمتلكون قوة نارية وصاروخية اكبر بكثير مما تمتلكه مقاومة غزة ويستطيعون بلحظة واحدة ان يدخلوا كل الاسرائيليين، وليس جزءا منهم، الى الملاجئ؟!
بكلمات اكثر وضوحا، فاذا كان نتنياهو مردوع من قبل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ويخشى منها، كما هو مردوع من قبل حزب الله اللبناني في لبنان فلماذا هو غير مردوع من قبل سوريا ومن قبل محور المقاومة في سوريا؟ وما هي الاسباب الحقيقية التي تمنع سوريا من الرد لردع اسرائيل في سوريا، اسوة بغزة؟
سنحاول الاجابة على هذا السؤال ولكن قبل ذلك لا بد من الاشارة الى أن عدم رد الدولة السورية على الاعتداءات الجوية الاسرائيلية في السنوات الآولى من الحرب على الاعتداءات الاسرائيلية كان امرا منطقيا ومبررا حيث ان ردا من هذا النوع والمجموعات التكفيرية المسلحة تسيطر على بعض احياء دمشق وعلى الغوطتين الشرقية والغربية ومتواجدة في الضواحي والمحافظات القريبة منها والمحاذية لها كان سيؤدي حتما الى اندلاع مواجهة مع عدوين في ان واحد وبالتالي الى سقوط العاصمة دمشق وربما الى انهيار الدولة السورية وسيطرة التكفيريين من عملاء امريكا واسرائيل والسعودية عليها.
ولكن بعد سلسلة الانتصارات الاستراتيجية التي حققها الجيش العربي السوري وحلفاؤه على العصابات التكفيرية المسلحة على امتداد الجغرافيا السورية في الجنوب والوسط والشمال ووصوله الى مشارف ادلب المدينة بعد تحريره لاجزاء واسعة من المحافظة لم يعد عدم الرد على الاعتداءات الاسرائيلية مستوعبا من قبل الكثير من اصدقاء واحباء سوريا وبحاجة الى اجابة مقنعة.
فقراءة معطيات الوضع الاستراتيجي في المنطقة تشير الى ان اسرائيل لن تذهب الى حرب حتى لو تعرضت لقصف موضعي من سوريا لأن ميزان القوى العسكري بين محور المقاومة واسرائيل لم يعد يسمح للاخيرة بتحقيق الانتصار في اي حرب مقبلة وذلك بسبب امتلاك المحور لترسانة صاروخية مدمرة من ضمنها صواريخ دقيقة جدا وعدم وجود عمق استراتيجي لدولة الاحتلال وتراجع الحافزية النفسية لدى الجيش الاسرائيلي للحرب.
من هذا المنطلق فإن تحليل اسباب عدم الرد السوري على الاعتداءات الجوية الاسرائيلية لا سيما بعد حصول الجيش العربي السوري على منظومة صواريخ اس-300 المضادة للطائرات بالرغبة بتفادي الانجرار الى حرب كبرى يحدد زمانها ومكانها العدو لم يعد مقنعا ايضا لأن تجربة غزة في التعامل مع اسرائيل اكدت انه يمكن ردعها من دون الذهاب الى حرب كبيرة واسعة النطاق.
وعليه فان التفسير الوحيد لامتناع سوريا عن الرد على الاعتداءات الاسرائيلية واخرها اعتداء حمص بالامس هو الموقف الروسي التي لا ترغب لأسباب نجهلها بعدم ردع اسرائيل في سوريا وجعلها مكسر عصى لنتنياهو لغاية في نفس بوتين؟
مع ذلك فأن الشيء المؤكد ان القيادة السورية الحكيمة صابرة على اذى نتنياهو لانها تعرف بان الغارات الجوية التي يشنها على سوريا هي غارات سياسية ولن لم تؤدي الى احداث تغييرات استراتيجية، كما يقول مراقبون سياسيون في دمشق، ولكنها لن تسكت اذا تجاوز نطاقها الخطوط الحمر حتى لو اغضب ذلك بوتين.
فسوريا خاضت حربا من اقسى واصعب الحروب في تاريخ البشرية وقدمت كل تلك التضحيات الجسيمة دفاعا عن سيادتها وقرارها المستقل ولن ترضى بمصادرته من قبل احد حتى من قبل من مد لها يد العون والمساعدة مثل بوتين.
ويبقى المطلوب من بوتين ان يدرك بانه لا يمكن التوفيق بين النقائض الى الابد، اي ارضاء نتنياهو كطريق للوصول الى قلب ترامب ومغازلة مجموعات الضغط الصهيونية في بلاده لكسبها الى جانبه وفي نفس الوقت ارضاء سوريا وحلفائها.
فحمل بطيختين بيد واحدة مستحيل.
كاتب فلسطيني