العمل في زمن كورونا ..د. عبدالله السعافين

السبت 28 مارس 2020 06:39 م / بتوقيت القدس +2GMT
العمل في زمن كورونا ..د. عبدالله السعافين



"هذا التقرير تم إعداده في ثلاث ولايات مختلفة، حيث كانت المذيعة في نيويورك والمنتج في واشنطن والمونتير في كاليفورنيا". كان هذا ما أخبرني به صحفي يعمل في مؤسسة إعلامية مرموقة عن تقرير ديجيتال يحتوي على صوت وصورة وإنفوغرافيك وموسيقى، معد للبث عبر مواقع التواصل ويصلح للبث التلفزيوني أيضاً. اللافت في الأمر أن الصحفيين الثلاثة يعملون من بيوتهم منذ تفشي فيروس كورونا. تكررت أمامنا ونحن نجلس في بيوتنا عملاً بنظام الحجر الصحي أو التباعد الاجتماعي على شاشات التلفزيون صور المعلقين والمحللين وحتى المراسلين الذين يظهرون على الشاشات وهم يعملون في بيوتهم وبين أطفالهم وأفراد عائلاتهم. الجدير بالملاحظة أن هذا الإنتاج الإعلامي لم يفقد أياً من قيمته الفنية أو المعلوماتية نتيجة عدم العمل من المكاتب المركزية المعتادة، كما أن العمل من المنزل يوفر على الموظف ساعتين في المعدل من السفر اليومي، ويقلص تكلفة النفقات الجارية للمكتب من كهرباء وصيانة وأجرة مكان، ويقلل من خطر التلوث والعدوى وانتقال الفيروسات في حال إصابة أحد العاملين أو مرضه، الأمر الذي يدعو للتساؤل: أليس من الأفضل الاستغناء عن المكاتب المركزية بالعمل من المنزل ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً؟ 

لقد أثبتت تجربة العمل من المنزل -وهي بالمناسبة تجربة تطبقها كثير من الشركات بشكل جزئي في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية-أنه يمكن توفير النفقات الجارية وبالتالي استخدامها في زيادة رواتب العاملين أو صرف مكافآت دورية لهم بدل استنزافهم بالسفر اليومي من بيوتهم إلى أماكن عملهم وبالعكس، فضلاً عن توفير نفقات كثيرة تذهب بلا طائل نتيجة شراء أو استئجار مكاتب تتسع للعاملين والإداريين في كل شركة من الشركات أو مؤسسة أو إدارة سواء كانت عامة أو خاصة.

في القطاع الحكومي أو العام ستجد المؤسسات صعوبة في بلدان العالم الثالث في تطبيق نظام العمل من المنزل، لأن بيروقراطية الدولة تقتضي أن يتواجد الموظف في مكتبه ساعات محددة بغض النظر عن كمية العمل التي ينجزها. دول أخرى ستجد صعوبة في تطبيق هذا النظام حتى لو اقتنعت بجدواه وذلك لأسباب فنية تتعلق بضعف خدمة الإنترنت وربما الكهرباء والهواتف الأمر الذي يصعب من مهمة التواصل مع فريق العمل في أي مؤسسة أو دائرة. 

هناك أيضاً عقبات نفسية ثقافية تعترض تطبيق نظام العمل من المنزل في بلدان الشرق الأوسط تحديداً. فأرباب العمل في هذه البلدان وخاصة التي تتركز فيها العمالة الوافدة لا يتخيلون أو يستوعبون أن يدفعوا لموظف راتبه إلا إذا كان جالساً على مكتب أمام أعينهم، أو أثبت نظام المسجل الإلكتروني أنه فتح باب المكتب ببطاقته الإلكترونية في ساعة محددة كل صباح. 

ورغم أن تجربة العمل من المنزل على نطاق واسع في القطاعين العام والخاص مازالت تجربة لم تنضج وينتظرها الكثير من العقبات، إلا أنها ستكون في اعتقادي الدرس الأهم الذي ستتعلمه البشرية من تجربة تفشي فيروس كورونا وما صاحبها من نزوع لدى أرباب العمل إلى حث موظفيهم على البقاء في بيوتهم دون الاضطرار إلى تعطيل عمل الشركات أو حتى تقليصه.