بينما يعيش العالم اليوم إحدى أخطر وأشد أزماته، وهو ما يتطلب التعاون والتنسيق بين جميع الدول للخروج من الأزمة والانتصار على انتشار فيروس "كورونا"، نرى صراعاً محموما بين الولايات المتحدة والصين عن المتسبب في ظهور الفيروس وانتشاره.
اتهامات الولايات المتحدة للصين بأنها أخفت لبعض الوقت المعلومات عن العالم بشأن ظهور الفيروس وانتشاره ومخاطره، قابلها رد مسؤول صيني بأن المسؤول عن ظهور الفيروس هو الولايات المتحدة نفسها، وأنه أُحضِر لمقاطعة ووهان من قبل جنود أميركيين كانوا في زيارة رسمية لها في شهر كانون الأول العام ٢٠١٩، اتهام ردت عليه أميركا بتسمية فيروس "كورونا" بالفيروس الصيني أحيانا وأحياناً أخرى بفيروس ووهان.
مجلس الأمن القومي الأميركي كتب مذكرة للسياسيين الأميركيين طالبهم فيها باستخدام تعبير فيروس ووهان للتأكيد على أن مصدر الفيروس هو الصين، وطالبهم ايضاً بالتركيز على أن الصين أخفت المعلومات عن العالم بشأن هذا المرض ما تسبب في انتشاره.
في اجتماع وزراء خارجية الدول الصناعية السبع (الولايات المتحدة، كندا، ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا واليابان) بشأن الفيروس عبر الفيديو كونفرنس الأربعاء الماضي، أصر وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الذي ترأس الاجتماع على إصدار البيان المشترك مستخدما مصطلح فيروس ووهان، وهو ما رفضه بقية الوزراء ودفعهم لإصدار بياناتهم الخاصة بدولهم بحسب الـ "سي ان ان".
قبل الذهاب لتقرير منظمة الصحة العالمية لبيان الحقيقة بشأن من يكذب في موضوع أصل الفيروس وإذا ما كانت الصين قد أخفت المعلومات عن العالم أم لا، هنالك بعض الملاحظات التي يجب الانتباه لها:
أولاً، منذ اللحظة الأولى التي عرف فيها العالم بشأن الفيروس، كانت نظرية المؤامرة حاضرة. شاهدت ذلك على عدة قنوات فضائية تم فيها اتهام الولايات المتحدة بأنها من قام بجلب الفيروس للصين للقضاء على اقتصادها وتدمير إيران، حيث إن الفيروس انتشر بسرعة أكبر في هاتين الدولتين أولاً قبل انتشاره في العالم أجمع. مقالات عديدة ايضاً نشرت تدعي مسؤولية أميركا عن الفيروس لنفس الأسباب. وأنا شخصياً سألني العديد من الأصدقاء إن كانت لدي مثل هذه القناعة.
ولأن الناس بطبيعتها تبحث عن إجابات سهلة لمشاكل وأحداث معقدة، فإن انتشار نظرية المؤامرة سهل جداً. لكن الحقيقة أنه لا يوجد أي معطيات تؤكد هذا الاتهام، بل إنها على العكس تنفيها. اليوم كما نلاحظ أصبحت الولايات المتحدة من أكثر الدول وربما أكثر من الصين خلال عدة أيام تضرراً من انتشار هذا الوباء.
ثانيا، علينا أن نلاحظ أن جميع الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة لم تُعِر بالاً للوباء لأنه ضرب في البداية خصومها السياسيين (الصين وإيران) ولم تشعر لذلك بأن عليها مسؤولية أخلاقية لمساعدة هذه الدول للتغلب على الفيروس وتركت البلدين ليصارعا الفيروس وحدهما.
وفي الحالة الإيرانية، تمت زيادة العقوبات الاقتصادية خلال انتشار الفيروس. هذا يعني أنه تم استغلال ظرف استثنائي خارج عن إرادة البلدين لإضعافهما بدلاً من تقديم يد المساعدة لهما لتغليب فكرة التضامن الأممي عندما يكون مصدر الخطر، على الأقل، مهدداً للبشرية جميعها.
ثالثا، انتقال مركز الفيروس من الصين إلى أوروبا والولايات المتحدة، أصبح يشكل رعباً للأخيرة.
الصين تمكنت بإجراءاتها الصارمة ولكونها أيضا دولة غير ديمقراطية قادرة على تحريك مصادرها دون أي عقبات مؤسساتية من السيطرة إلى حد ما على انتشار الفيروس، وهي الآن بصدد إعادة البلاد لطاقتها في الإنتاج والعمل ما قبل ظهور وانتشار الفيروس.
خلال ذلك تبدو الصين كما لو أنها تأخذ الدور الذي كان على الولايات المتحدة والغرب الاضطلاع به: الصين هي من تُحرِك اليوم مصادرها لمساعدة العديد من دول العالم التي تغرق في المرض ليس فقط بخبراتها الطبية ولكن بأجهزة الفحص والتنفس والكمامات وهذا بالطبع سيكون له مردود كبير على الصين بعد انحسار الفيروس، حيث سيوطد العديد من الدول علاقاته التجارية والسياسية بها رداً للجميل.
هذا يتم في الوقت الذي تصارع فيه الولايات المتحدة والغرب عموما انتشار الفيروس، وهي وبسبب تأخرها في مكافحة الفيروس وبسبب عدم وجود التجهيزات الكافية لحربها معه، فإنها عاجزة عن وقف انتشاره وعن تصدر القيادة عالميا لمحاربته بتقديم المساعدات للدول التي تحتاج للمساعدة.
بالنتيجة الولايات المتحدة تحديداً تخشى على موقعها القيادي العالمي في هذه الظروف لأنها تدرك أنها قد تخرج ضعيفة اقتصاديا وسياسيا من هذه الأزمة بينما ستخرج الصين أقوى.
لهذه الأسباب بالطبع، المعركة بشأن المتسبب في انتشار الفيروس هي معركة سياسية أولا وأخيراً. بتحميل الصين المسؤولية، الولايات المتحدة ترغب بمنع الصين من الاستفادة من الفرصة التي توفرت لها لتوطيد علاقاتها مع دول لم تكن متاحة لها مسبقا للقيام بذلك، فيما بالطبع تحمل الصين الولايات المتحدة المسؤولية دفاعا عن نفسها وعن الفرص الجديدة لزيادة تجارتها وتوطيد مكانتها السياسية العالمية.
لكن هل حقا تأخرت الصين عن تنبيه العالم بشأن الفيروس ومخاطره كما تدعي أميركا؟
يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر في ٢٠ شباط من هذا العام أن الصين أبلغت المنظمة الدولية بالمعلومات المتوفرة لديها عن الفيروس بتاريخ ٣ كانون الثاني، وأنها قدمت للمنظمة الدولية الخارطة الجينية للفيروس بتاريخ ١٠ كانون الثاني مع خطتها الكاملة للتعامل مع انتشار الوباء ومنعه من الانتقال خارج حدود مقاطعة ووهان (صفحة ١٤ من التقرير).
الولايات المتحدة عضو مهم في منظمة الصحة العالمية إن لم تكن العضو الأهم فيها وهي بالتالي تلقت كامل المعلومات المتوفرة للصين عن الفيروس وعن طبيعته ومخاطره. لذلك لا يبدو لي من هذا التقرير الدولي أن الصين لم تخف المعلومات عن العالم أو عن الولايات المتحدة تحديداً.
الحقيقة أن الولايات المتحدة والدول الغربية جميعها كانت تعلم، لكن قياداتها لم تتخذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب، والآن بعد انتشار الوباء في هذه الدول فإنها لا تريد أن تتحمل مسؤولية أخطائها أمام شعوبها وتريد أن تقدمها لهم على أنها من أخطاء الصين.