جولة التصعيد التي انتهت ليلة أمس، أكدت ما سبق أن أكدته زيارة رئيس "الموساد" برفقة قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال إلى دولة قطر، لحث قطر على تقديم التسهيلات المالية وتجديد المنحة القطرية، من أنّ دولة الاحتلال برئاسة نتنياهو اختارت خيار تأجيل الحرب على القطاع ودرئها قدر الإمكان، نظرًا لأن الحرب على القطاع - التي لن تكون نزهة - ليست في صالح نتنياهو ولا في صالح دولة الاحتلال، طالما أن ليس ثمة أهداف أو خطط سياسية يرمون إلى تنفيذها عبر الحرب. وقد اختار نتنياهو منذ سنوات خيار استقطاع أكبر وقت مُمكن من الهدوء مقابل أقل ثمن مُمكن من التسهيلات، من خلال تدوير الرفع الجزئي للحصار؛ فقطر تدفع المال، ومصر تفتح المعبر جزئيًا وتقدّم بعض التسهيلات، وإسرائيل تزيد مساحة الصيد وتزيد عدد تصاريح التجار؛ كل ذلك في إطار مسيرة تفاهمات تبيع لمن يريد أن يشتري الكثير من الأوهام.
مسيرة تفاهمات هدفها الهدوء أولًا، وكسب الوقت والمناورة ثانيًا، والتهرب من استحقاقات رفع الحصار ثالثًا، وهي مسيرة تشبه مسيرة التسوية التي استمرت ثلاثة عقود. وفي كلا المسيرتيْن، نجحت إسرائيل بكسب الوقت والتهرب من الاستحقاقات.
أحد أهم أسباب الاستمرار بالتمسك بالمسيرة، سواء أكانت للتسوية أو للتفاهمات، هو ربما الشعور لدى أولي الأمر بأنها الخيار الوحيد المُتاح، المُمكن وغير المُكلف، وذلك بسبب الانقسام وعقلية الإقصاء والتفرد.
إسرائيل - التي نجحت بتحويل مفاوضات التسوية إلى غطاء للتوسع وفرض الأمر الواقع وتعميق الانقسام الفلسطيني، وصولًا إلى صفقة القرن التي شرعنت الاحتلال وتنكرت للشرعيات الدولية - تدير تجاه القطاع مسيرة عنوانها رفع الحصار، لكنها لا تقصد ولا تنوي أن تصل لذلك الهدف، فشاهدناها تتهرب من المضي قدمًا في التفاهمات في أكثر من محطة، وفي أكثر من مرة سمعنا وقرأنا شروطهم التعجيزية (إعادة الأسرى ونزع السلاح وضمانات ...الخ).
صورة الوضع الحالي مريحة تمامًا لنتنياهو، فهو أمام قاعدته الانتخابية ينجح بثمن محدود في "لجم الوحش" وسيستمر في لجمه إلى أن تتغير الظروف وتحين الفرصة. وبمعيار النتيجة، ففي ظل الكثير من جولات التصعيد، دخل نتنياهو أكثر من دورة انتخابية وحقق ما كان يحققه دائمًا، والجديد في الدورات الانتخابية الأخيرة هو أن ليبرمان انقلب على نتنياهو ولم يعد يمنحه أصوات حزبه.
صحيح أن حضور القطاع كحدث أمني كبير أو صغير يحرج نتنياهو، ويظهر عجز إسرائيل، لا سيما في ظل استثماره سياسيًا من قِبل المعارضة والإعلام المناوئ لنتنياهو؛ لكن هذا الحرج يتلاشى عندما لا تقدّم المعارضة خططًا بديلة، وعندما يؤكد الجميع ألا حل لمشكلة القطاع في ظل السياسة الإسرائيلية القهرية التي تطالب بالهدوء مع استمرار الحصار، والتي تطالب حركة حماس بفرض السيطرة دون أن تمنحها شيئًا، ودون أن تفي بالتزامات التهدئة.
وبرغم جولة التصعيد الأخيرة، إلا أن نتنياهو استمر في المحافظة على زخم التقدم في استطلاعات الرأي، فقد نشرت نتائج استطلاع جرى بالأمس أن نتنياهو يتجاوز حزب "أزرق أبيض" بمقعديْن، أي ان التصعيد يحرج نتنياهو ولكنه لا يؤثر جديًا على قاعدته الانتخابية، فقاعدته أشبه بالقبيلة التي تسمى قبيلة "الليكود"، والذين يصفون أنفسهم بأن "الليكود" يجري في عروقهم وشرايينهم، ومعظم الذين يسكنون المدن القريبة من القطاع هم من هؤلاء.
وبتقديرنا، فإن قيام الاحتلال بقصف هدف للجهاد في سوريا كان الغرض منه استعراض عضلات انتخابية لتعويض بعض مظاهر العجز في القطاع، ونقدر بأنهم كذبوا بقصد عندما ادعوا بأن الهدف اغتيال قيادي كبير، بقصد إرضاء جمهورهم.
قطاع غزة سيظل معضلة كبيرة على طاولة الحكومات الإسرائيلية، بغض النظر عمّن يرأسها، وذلك بما يملكه القطاع من قدرة عسكرية. وفي ظل استمرار سيطرة حركة حماس واستمرار الانقسام، فلن يمنحوا حماس إنجازات كبيرة، وسيختارون دومًا احتواء التصعيد وتأجيل الحرب طالما أمكنهم ذلك.


