هل يتوقف التصعيد؟.. رد واحتفاء إيراني وتهوين أميركي وتهديد اسرائيلي وقلق دولي

الأربعاء 08 يناير 2020 06:12 م / بتوقيت القدس +2GMT
هل يتوقف التصعيد؟.. رد واحتفاء إيراني وتهوين أميركي وتهديد اسرائيلي وقلق دولي



القدس المحتلة / سما /

بدو الضربات الصاروخية الإيرانية ضد قواعد أميركية في العراق، ردًا مدروسًا على اغتيال الجنرال قاسم سليماني، قد لا يدفع واشنطن إلى تصعيد إضافي وفق ما يرى خبراء، فيما يحذرون في الوقت نفسه من أن طهران قد تواصل عملياتها الانتقامية بوسائل غير مباشرة.

ونفذت إيران تعهدها بالانتقام لاغتيال سليماني، مهندس إستراتيجية الجمهورية الإسلامية في الشرق الأوسط، بإطلاق 22 صاروخًا على قاعدتين عسكريتين للتحالف الدولي في العراق تأويان عسكريين أميركيين.

وغداة جنازة الجنرال الإيراني التي طالبت خلالها الحشود الهائلة المشاركة بالانتقام، جاء الرد الإيراني محملًا بالرموز، حيث شنّت الضربات في التوقيت نفسه الذي قتلت فيه طائرة مسيرة أميركية قاسم سليماني في بغداد قبل خمسة أيام.

لكن لا يبدو أن الضربات الإيرانية قد أسفرت عن قتلى في أوساط العسكريين الأميركيين أو حلفائهم الأجانب. وكتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تغريدة "تقييم الأضرار والضحايا جارٍ. حتى الآن، يبدو كل شيء على ما يرام".

من جهته، شدد وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، على أن إيران "لا تبحث عن التصعيد أو الحرب"، مشيرًا إلى أن الرد "المتناسب" الذي قامت به إيران ليلًا قد "انتهى".

أما المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، فقد اعتبر أن تلك "الصفعة" بوجه الولايات المتحدة "لا تكفي وحدها".

وقصفت طهران قوات أمريكية في العراق، فجر الأربعاء، وسط احتفاء إيراني لافت وتهوين أميركي، بالتزامن مع قلق دولي دفع إلى توقف رحلات الطيران إلى العاصمة بغداد، والمطالبة بضبط النفس.

وفي وقت سابق الأربعاء، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف قاعدتين أميركيتين بالعراق، بعشرات الصواريخ الباليستية، ردًا على قائد فيلق "القدس"، اغتيال سليماني، بغارة أميركية في بغداد، الجمعة الماضي.

كما تحدثت وكالة "فارس" شبه الرسمية، عن وقوع 80 قتيلا على الأقل، في الهجوم الذي قالت إنه أوقع أضرارا كبيرة في قاعدة "عين الأسد"، وهو ما نفاه مسؤول أميركي في تصريح لقناة "سي إن إن".

ولاحقًا أعلن متحدث الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، أن بلاده لا تملك إحصائيات حول عدد القتلى والأضرار جراء الهجوم، وإنها "لا تؤيد أي إحصائية".

وعقب الهجوم الإيراني على القاعدتين، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترامب أحيط علمًا بالهجوم، وأنه يتابع تطورات الأوضاع عن كثب. 

احتفاء وتهديد إيراني

المرشد الأعلى الإيراني، خامنئي، قال الأربعاء، إنّ بلاده "وجهت صفعة على وجه الولايات المتحدة"، مؤكدا أنّ العمل العسكري ضد واشنطن "ليس كافيا"؛ وعلق الرئيس الإيراني، حسن روحاني، على القصف الصاروخي قائلا: "لقد قطعوا يد سليماني، وانتقام ذلك سيكون عبر قطعنا لأقدامهم عن المنطقة".

وأعلن وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، انتهاء رد طهران على اغتيال سليماني، مشيرا أنّ بلاده هاجمت القاعدة الأميركية التي استغلتها واشنطن لشن هجوم استهدف سليماني الأسبوع الماضي.

تهوين أميركي

أما من الجانب الأميركي، فأعلن البيت الأبيض أن ترامب أحيط علمًا بالهجوم، وأنه يتابع تطورات الأوضاع عن كثب.

وفي أول تغريدة عقب الهجوم الإيراني، قال ترامب عبر "تويتر"، إن بلاده تجري تقييمًا للخسائر والأضرار التي نجمت عن القصف الصاروخي الإيراني لقاعدة "عين الأسد" بمحافظة الأنبار غربي العراق، ولقاعدة أخرى بأربيل (شمال).

وبعد القصف، كتب ترامب: "كل شيء على ما يرام! صواريخ أطلقت من إيران على قاعدتين عسكريتين في العراق. تقييم الخسائر والأضرار التي تحدث حتى الآن جيدة جدا!"، وتابع: "لدينا أقوى جيش ومجهز تجهيزا جيدا في أي مكان بالعالم، إلى حد بعيد! سأدلي ببيان صباح الغد (الأربعاء بالتوقيت الأميركي)".

فيما نقلت فضائية "سي إن إن" عن مسؤول أميركي (لم يفصح عن اسمه) نفي وقوع قتلى بصفوف جنود بلاده جراء الهجوم، بحسب معلومات أولية، قائلا: "لم يقتل أي أميركي جراء الهجمات الصاروخية، والتحقيقات متواصلة بهذا الخصوص".

وأكد مسؤول أميركي آخر، للفضائية الأميركية ذاتها، أن القوات الأميركية تلقت تحذيرًا قبل الهجمات، وأن الجنود دخلوا إلى الملاجئ قبل وقوعها.

العراق: أبلغنا بالضربة

وفي العراق، أعلن رئيس حكومة تصريف الأعمال، عادل عبد المهدي، الأربعاء، أن إيران أبلغت بلاده بالضربة الصاروخية ضد القاعد الأميركية قبل تنفيذها بقليل، دون ذكر مواقع محددة.

وقال بيان صادر عن مكتبه، إنه "بعد منتصف الليل بقليل من يوم الأربعاء، تلقينا رسالة شفوية رسمية من قبل الجمهورية الإسلامية في إيران، بأن ردها على اغتيال الشهيد قاسم سليماني قد بدأ أو سيبدأ بعد قليل".

وأضاف أن الرسالة تضمنت أن "الضربة ستقتصر على أماكن تواجد الجيش الأميركي في العراق دون أن تحدد مواقعها". وأوضح البيان: "وفي نفس الوقت بالضبط، اتصل بنا الجانب الأميركي، وكانت الصواريخ تتساقط على الجناح الخاص بقواتها في قاعدتي عين الأسد في الأنبار (غرب) وحرير في أربيل (شمال) وفي مواقع أخرى (دون تحديد)".

وتابع: "بالطبع كنا قد أنذرنا، فور تلقينا خبر الهجوم، القيادات العسكرية العراقية لاتخاذ الاحتياطات اللازمة، ولم تردنا لحد اللحظة أية خسائر بشرية لدى الجانب العراقي، ولم تردنا رسميا الخسائر في جانب قوات التحالف (الدولي)".

ودعا عبد المهدي الجميع إلى "ضبط النفس وتغليب لغة العقل والتقيد بالمواثيق الدولية واحترام الدولة العراقية وقرارات حكومتها، ومساعدتها على احتواء وتجاوز هذه الأزمة الخطيرة التي تهددها والمنطقة والعالم بحرب مدمرة شاملة".

هل يتوقف التصعيد بعد الرد الإيراني المدروس؟

ويرى العديد من المحللين أن إيران ردت سريعًا لإرضاء الرأي العام في البلاد، مع اختيارها في الوقت نفسه أن يكون ردها تدريجيًا لتفادي مواجهة واسعة النطاق مع الولايات المتحدة، عدوتها التاريخية.

وتعتبر المتخصصة بالشأن الإيراني في معهد التحليل الجيوسياسي الإيطالي (إيبسي)، المحللة أناليزا بيرتيغيلا، أن "بهذه الهجمات، أظهرت إيران قدرتها وعزمها على الرد على الهجمات الأميركية، محافظةً بذلك على ماء وجهها، لكنها اختارت في الوقت نفسه أهدافها بعناية لتفادي إيقاع ضحايا وبالتالي التسبب بردة فعل من ترامب".

ويشير الخبير في مؤسسة البحوث الإستراتيجية الفرنسية، فرنسوا هيسبورغ، "حاول الإيرانيون إيجاد مخرج لأزمة مستعصية، فردهم متناسب وليس ذا طبيعة قد تثير الرد الذي توعد به ترامب".

يضيف الخبير أنه "من الجانب الإيراني، يبدو هذا مؤشرا واضحًا على وقف عملية التصعيد. والسؤال الحقيقي الآن معرفة ما الذي سيقوم به ترامب".

ويرى العديد من الخبراء أنه يجب رغم كل شيء توقع أن تواصل طهران أنشطتها بزعزعة الاستقرار في المنطقة عبر وكلائها.

ويعتبر الباحث المشارك في جامعة أوكسفورد وأستاذ الجيوسياسية في مدرسة رين للأعمال، توماس فليشي دو لا نيفوي، أن "الرد الإيراني أشبه بالألعاب النارية، هو وهم بالرد لأن ليس لدى (الإيرانيين) رغبة بالتصعيد. ما يجب انتظاره الآن، هي الطعنة التي ستأتي لاحقًا خلف الستارة".

من جهته، يقول الدبلوماسي الفرنسي السابق والخبير في مركز جنيف للسياسات الأمنية، مارك فينو، إن "لا أحد يريد مواجهة على نطاق واسع، لا ترامب يريدها لأسباب انتخابية، ولا الإيرانيون، لأن طهران لا تملك الوسائل الاقتصادية والعسكرية" لمواجهة مماثلة.

وبهذه الضربات "يحفظ الإيرانيون شرفهم، وهو عامل شديد الأهمية نظرًا لقيمة سليماني. ويبقى معرفة ما إذا كان ذلك كافيًا"، وفق ما يرى الخبير الجيوسياسي في المعهد البريطاني للدراسات الإستراتيجية، جون راين.

ويعرب راين عن خشيته من أن إيران تدرس تنفيذ "هجمات ضد المصالح الأميركية في أماكن أخرى في المنطقة، خصوصًا في الدول التي تحظى فيها إيران بالأفضلية من الناحية العملية".

تهديد إسرائيلي

من جانبه، هدد رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأن بلاه ستوجه "ضربة ساحقة"، في حال أقدمت إيران على ضرب أهداف إسرائيلية، ردا على مقتل سليماني.

وأضاف نتنياهو بمؤتمر صحافي في القدس برفقة السفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، أن "كل من يحاول مهاجمتنا، سيعاني أكثر من ضربة ساحقة (..) نحن نقف بحزم أمام الباحثين عن أرواحنا".

وتابع: "سليماني كان مسؤولا عن قتل أبرياء، لقد مس استقرار العديد من الدول، ونشر الخوف والمعاناة في المنطقة وخطط لأمور أسوأ بكثير".

وجدد نتنياهو تهنئته للرئيس الأميركي دونالد ترامب، على قرار قتل سليماني، معتبرا أنه "ليس لواشنطن صديق أفضل من إسرائيل، وليس لإسرائيل صديق أفضل من واشنطن".

فيما أكد فريدمان، أن التقييمات الأولية للهجوم الصاروخي الإيراني في العراق "إيجابية"، وتابع: "جيشنا هو الأقوى في العالم وقضيتنا عادلة، ندعو الله أن نسود بشكل ساحق".

مطالب بضبط النفس

فيما دعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فان دير لين، إلى وقف فوري للتصعيد المسلح بالشرق الأوسط، والعمل على حل المشاكل العالقة عن طريق الحوار، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك عقدته لين مع الممثل الأعلى للشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، عقب اجتماع للمفوضية بالعاصمة البلجيكية بروكسل.

وقالت لين إن "تأثير التوتر الحاصل بالشرق الأوسط لا ينعكس على المنطقة فحسب، بل على العالم بأسره"، وأشارت إلى أن التوتر الحاصل بالشرق الأوسط يؤثر سلبا على العديد من المجالات، لافتة إلى أن الاتحاد سيساهم بتخفيض التوتر بالمنطقة.

من جانبه، قال الممثل الأعلى للشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، إن "التصعيد بالشرق الأوسط لن يعود بالنفع لأي جهة"، وأعرب بوريل عن بالغ قلقه من التوتر الحاصل، مشيرا إلى أن وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي سيعقدون اجتماعا طارئا الجمعة المقبلة، لبحث المستجدات.

بدورها، دعت الصين واشنطن وطهران لمواصلة ضبط النفس، محذرة من أن سوء الأوضاع بالشرق الأوسط لا يخدم مصلحة أحد، وقالت على لسان المتحدث باسم خارجيتها، كنغ شوانغ، إنها تؤكد منذ البداية على ضرورة حل الأطراف للخلافات القائمة بينها عبر الحوار والاحترام المتبادل والمباحثات.

وأشار شوانغ إلى متابعة الصين التطورات الأخيرة عن كثب، داعيا الأطراف إلى التواصل الوثيق، وبذل الجهود لخفض التوتر.

إدانات وقلق دولي

وأدانت الخارجية البريطانية الهجوم الصاروخي الإيراني، وأعربت عن قلقها حيال سقوط عدد من المصابين في الهجوم (دون تحديد)، وأعربت في بيان صدر عن وزير الخارجية دومينيك راب، عن قلقها حيال التقارير التي تشير بوقوع مصابين جراء الهجوم، إضافة إلى استخدام الصواريخ الباليستية".

وفي السياق، حث الوزير البريطاني، طهران، على عدم تكرار مثل هذه الهجمات، واصفا إياها بالـ"خطيرة والمتهورة"، وأكد على ضرورة الدفع تجاه عدم التصعيد.

ولم يتأخر الرد الألماني كذلك في إدانة الهجوم الإيراني، حيث قالت وزيرة الدفاع الألمانية، أنيغريت كرامب كارينباور، في تصريحات إعلامية، إن بلادها تدين بشدة الهجمات الإيرانية، مؤكدة ضرورة القيام بكل ما من شأنه تهدئة الوضع. 

وشددت على "وجوب السعي من أجل وقف اتساع هذه الدوامة"، لافتة إلى أن الحكومة الألمانية ستستغل في سبيل ذلك جميع قنوات الاتصال المتاحة لها، وأكدت كارينباور عدم تعرض أي من الجنود الألمان لأي أذى نتيجة الهجوم.

فيما قرر رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، إلغاء زيارة إلى السعودية والإمارات وسلطنة عمان، التي كانت مقررة بدءا من السبت، لمحاولة بذل جهود بشأن استقرار المنطقة، "مع تصاعد التوترات".

ودعت الحكومة الفلبينية رعاياها في العراق إلى مغادرته، بسبب تصاعد المخاطر الأمنية. وأعلنت الخارجية الفلبينية، في بيان، رفع التحذير لأعلى مستوى بشأن العراق، وقالت إنه "يجب على المواطنين الفلبينيين مغادرة العراق بسبب المخاطر الأمنية المتصاعدة". كما أعلنت الوزارة أن الحكومة أرسلت سفينة إلى الشرق الأوسط لإخراج مواطنيها من المنطقة.

إجراءات احترازية

من جهتها، أعلنت شركات طيران تجارية ومدنية، تغيير مسار رحلاتها عبر الشرق الأوسط لـ"تجنب أي خطر محتمل"، على خلفية تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران.

وقالت شركة الطيران الأسترالية والخطوط الجوية الماليزية والسنغافورية والفرنسية والألمانية، إضافة إلى إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية، إن "طائراتها ستتجنب المجالين الجويين الإيراني والعراقي"، حسبما نشرت وكالة "أسوشييتد برس".

يشار إلى أن هذه القيود تعد احترازية لمنع الخلط بين الطائرات المدنية وتلك التي تشارك في نزاع مسلح، حسب المصدر نفسه.

ونصحت المديرية العامة للطيران المدني الهندي، شركات النقل الهندية بتجنب المجال الجوي الإيراني والعراقي والخليجي.

في السياق ذاته، تبحث شركتان على الأقل من الخطوط الجوية الكازاخستانية (إير أستانا وSCAT) في إعادة توجيه أو إلغاء رحلاتهما فوق إيران بعد تحطم طائرة أوكرانية أودت بحياة 176 شخصًا.