حماقة نتنياهو القادمة ..عبد الباري عطوان

الإثنين 25 نوفمبر 2019 11:29 ص / بتوقيت القدس +2GMT
حماقة نتنياهو القادمة ..عبد الباري عطوان



من يُتابِع الصّحافة العبريّة عن كثبٍ هذه الأيّام، والتّحليلات الأمنيّة التي يَكتُبها جِنرالات سابقون، حول التطوّرات السياسيّة والعسكريّة الأخيرة في مِنطقة الشرق الأوسط يتوقّف عند مُلاحظتين أساسيتين:

الأولى: أنّ بنيامين نِتنياهو، وبعد الاتّهامات التي جرى توجيهها إليه بالفساد وخيانة الثّقة، يُمكن أن تدفعه إلى إشعال فتيل حرب في المِنطقة لخَلط الأوراق، فقد باتَ يتصرّف مِثل النّمر الجريح، ويَخبُط في جميع الاتّجاهات، وما زالَ يتَربّع على قمّة السّلطة، وربّما لأشهُرٍ مُقبِلة.

الثّانية: العودة إلى سِياسة الاغتيالات مُجدّدًا لرُموز المُقاومة سواءً في فِلسطين المُحتلّة أو لبنان أو العِراق أو حتى طِهران، حيث نجَح جهاز “الموساد” في تجنيد العَديد من العُملاء ونَجاح نظيره “الشين بيت”، أو جهاز الأمن الدّاخلي الإسرائيلي، في اغتيالِ الشهيد بهاء أبو العطا بأمرٍ من نِتنياهو الذي لم يَغفِر له إطلاقه صاروخًا على إسدود أثناء إلقائه خِطابًا انتِخابيًّا، دفَعه الهَلع للهُروب بَطريقةٍ مُضحِكةٍ.

هُناك هدَفان مُرجّحان لعمليّات الاغتيال الإسرائيليّة المُتوقّعة، الأوّل هو اللواء قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الذي يقِف حاليًّا خلف الصّواريخ الأربعة التي جَرى إطلاقها على هضبة الجولان المُحتلّة في إطار خُططه لفتح هذه الجبهة في الخاصِرة الشرقيّة لدولة الاحتلال، وتهريبه صواريخ دقيقة وتكنولوجيا عسكريّة مُتقدّمة لفصائل المُقاومة في لبنان وقِطاع غزّة والحشد الشعبي في العِراق، وأنصار الله في اليمن.
أمّا الهدف الثّاني فهو السيّد زياد النخالة، أمين عام حركة الجِهاد الإسلامي، الذي أعطى التّعليمات بالرّد الصّاروخي من القِطاع انتِقامًا لاستِشهاد القائد العسكري أبو العطا، وهو الرّد الذي أصاب نِصف دولة الاحتلال بالشّلل، ومنَع أكثر من مِليون تِلميذٍ من الذّهاب إلى مدارسهم خوفًا ورُعبًا.
اللواء سليماني تعرّض للعديد من مُحاولات الاغتيال فشِلَت جميعًا، وما زال يتحرّك على كُل الجبهات، أمّا السيّد زياد النخالة، فإنّه لا يأبَه بمِثل هذه التّهديدات الإسرائيليّة وقال في حِواره الأخير مع قناة “الميادين” الذي أجراه في ذروة ردّ حركته الصّاروخي في العُمق الفِلسطيني المُحتَل، وهي جُرأةٌ نادِرةٌ، إنّه مَشروعُ شهادة، وينتظرها في أيّ لحظة، ولن يخشَى التّهديدات الإسرائيليّة مُطلقًا، وإلا لما جاء إلى القناة وظهَر على الهواء مُباشرةً، رغمُ الأخطار الكبيرة.
اللُّجوء إلى سِياسَة الاغتِيالات تعكِس حالةً من الخوف والقَلق من تعاظُم محور المُقاومة، فالقِيادة الإسرائيليّة تخشى من أيّ مُواجهةٍ عسكريّةٍ مُباشرةٍ مع إيران أو أذرعها العسكريّة الحليفة، ولكن هذا التطوّر الجديد، أيّ العودة إلى الاغتيالات، قد تُشعِل هذه المُواجهة وتكون مُحَرِّضًا عليها.
مُعظم الاغتيالات التي أقدَمت عليها أجهزة الأمن الإسرائيليّة واستَهدفت قِيادات في المُقاومة جاءت نتائجها مُكلفةً جدًّا، فاغتِيال الشهيد يحيى عياش، أحد قادة حماس عام 1995 أدّى إلى الرّد بتنفيذ أربع عمليّات استشهاديّة في القدس والخضيرة وتل أبيب أدّت إلى مقتل وإصابة أكثر من مئة إسرائيلي، أمّا اغتيال الشهيد الشقاقي عام 1995، فقد أدّى إلى نُمو حركة “الجهاد الإسلامي”، وتحوّلها إلى قوّةٍ صاروخيّةٍ جبّارةٍ في القِطاع، أمّا اغتيال الشهيد عبّاس الموسوي عام 1992، فقد مهّد الطّريق لقُدوم السيّد حسن نصر الله الذي قاد المُقاومة لإخراج القوّات الإسرائيليّة مَهزومةً من “الحِزام الأمنيّ ومن طَرفٍ واحدٍ”، وإلحاق أكبر هزيمة مُباشرة للجيش الإسرائيلي في حرب تمّوز (يوليو) عام 2006، وامتلاك “حزب الله” تكنولوجيا الصّواريخ والطّائرات المُسيّرة، بأعدادٍ تَصِل إلى 150 ألف صاروخًا حتّى الآن.
لا نستبعد أن يُقدِم نِتنياهو على حماقةٍ جديدةٍ، ليُقدّم نفسه كبطل قبل الذّهاب إلى السّجن مُدانًا ومُهانًا، ولكن ربّما يكون مِثل هذا الخِيار مُقامرةً كُبرى تنتهي بكارثةٍ أكبر على الدولة العبريّة.