فاصل دموي يؤكد هزيمة إسرائيل..رجب أبو سرية

السبت 16 نوفمبر 2019 09:32 م / بتوقيت القدس +2GMT
فاصل دموي يؤكد هزيمة إسرائيل..رجب أبو سرية



فاصل دموي بادرت إليه إسرائيل واستمر يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، سقط خلال أربعة وثلاثون شهيدا فلسطينيا وأكثر من مائة جريح، وذلك لتحقيق هدف سياسي لرئيس الحكومة الانتقالية بنيامين نتنياهو وهو البقاء رئيسا للوزراء في مواجهة قضايا التحقيق الجنائي التي هو في انتظارها ويحتمل صدور طلب الاستدعاء من النائب العام في أية لحظة.
فمنذ بداية العام ورغم ذهاب إسرائيل إلى جولتين انتخابيتين، ورغم حالات التصادم بينها وبين أكثر من طرف خاصة في الشمال، إلا أن جبهة غزة ظلت هادئة نسبيا، حيث بقيت مسيرات العودة الأسبوعية سلمية تماما، لا تتخللها أي مظاهر ساخنة من نمط البلالين الحارقة أو إحراق الكاوتشوك ولا قطع الأسلاك الحدودية ولا حتى محاولات تسلل، ورغم إطلاق بضعة صواريخ من قبل، إلا أن إسرائيل/نتنياهو تفهمت عدم مسؤولية حماس عنها، والتي بدورها أظهرت ضبطا للنفس إزاء حالات اغتيال لنشطاء أكثر من مرة.
ما الذي تغير هذه المرة ودفع نتنياهو ومجلس الحكومة المصغر لاتخاذ قرار متفق على عدم إقدام إسرائيل عليه وفق تفاهمات التهدئة، ونقصد بذلك اغتيال مسؤول المنطقة الشمالية من قطاع غزة في سرايا القدس الشهيد بهاء أبو العطا، ليدخل غزة وغلافها الإسرائيلي في فاصل دموي استمر ليومين تخلله ارتكاب مجزرتين بحق مواطني عائلتي السواركة وثلاثة إخوة واخوين وأبيهما من آل عبد العال، والجواب يجد ضالته في حقل السياسة الداخلية الإسرائيلية، فقد جاء قرار التصعيد الإسرائيلي بعد تعيين نتنياهو مباشرة للمتطرف اليميني نفتالي بينيت مباشرة وزيرا للحرب، وقبل انتهاء مهلة غانتس لتشكيل الحكومة بأقل من أسبوعين، وكان من نتيجته إعلان أزرق - أبيض موافقته على مقترح رئيس الدولة بالتناوب وأن يكون نتنياهو رئيسا للحكومة أولاً.
وقد ظهرت حاجة نتنياهو الماسة لإعلان نصر وهمي فور إعلان الاتفاق على وقف للنار رعته مصر، ما قوبل باستهزاء سياسي وإعلامي إسرائيلي واسع، فالاتفاق الجديد جرى أولاً بين إسرائيل والجهاد الإسلامي وليس حماس، وتضمن موافقة إسرائيلية على شرطي الجهاد اللذين كان قد أعلن عنهما أمينه العام زياد النخالة في مقابلته مع الميادين ليلة الخميس أي قبل لحظات من إعلان الاتفاق وهما: وقف الاغتيالات وعدم إطلاق النار على مسيرة العودة.
أي أن شروط التهدئة تتضمن عدم اغتيال قيادات الجهاد وليس قيادات حماس فقط، فيما اتفاق إسرائيل عبر الوسيط المصري، مع الجهاد بالتحديد، رغم أن مثل هذا الاتفاق سبق وجرى في مرة سابقة، إلا أنه هذه المرة كان واضحا وصريحا، بالنظر إلى أن كتائب القسام لم تشترك في الرد الصاروخي على إسرائيل هذه المرة، يعني أن تفاهمات التهدئة صارت ضمن اختصاص الجهاد، بما يكرس تقاسما أو تكاملا للأدوار بين حماس والجهاد الإسلامي على طريقة حزب الله/ لبنان، ومنذ اليوم وصاعدا، صار أمر المقاومة أو مواجهة إسرائيل عسكريا أو حتى غرفة العمليات المشتركة مهمة الجهاد، فيما مهمة إدارة غزة شأن خاص بحماس، حيث الجهاد تعلن دائما عدم نيتها دخول معترك السياسة وعدم مزاحمة حماس في شؤون الحكم.
خلال اليومين الدمويين تم شل الحياة في قطاع غزة وفي مستوطنات غلافها وصولا إلى تل أبيب وتم إطلاق نحو 500 صاروخ وقذيفة من غزة على إسرائيل، وإذا كان الفاصل الدموي قد فتح الطريق أمام إزالة الاستعصاء في طريق تشكيل الحكومة الإسرائيلية وفق رغبة نتنياهو، حيث يقال إن غانتس وافق حتى على أن تضم الحكومة الحريديم، وقطع الطريق على احتمال موافقة أفيغدور ليبرمان على تشكيل حكومة ضيقة تضمه وأزرق - أبيض واليسار (العمل وميريتس) مدعومة بالقائمة المشتركة من الخارج، وهذا يفسر غضب ليبرمان على تلك العملية رغم أنه طالما طالب برفع العصا الغليظة تجاه غزة، لكنه لم يكن يريدها هكذا لتحقيق غرض سياسي خاص بنتنياهو ولا ضد الجهاد فقط.
لكن مقابل فتح ذلك الطريق فإن العملية الدموية التي أسمتها إسرائيل «الحزام الأسود»، وأسمتها الجهاد «صيحة الفجر»، وضعت الكتل الإسمنتية في طريق السلام وأغلقت الأبواب أمام الحل التاريخي بين إسرائيل وفلسطين، ذلك أن صورة القتل والدم والمجازر التي ارتكبتها إسرائيل ستظل ماثلة في أذهان الأطفال لخمسين سنة قادمة، وإسرائيل المحكومة بسياسة صناديق الاقتراع وضيق الأفق، لا تدرك السبب الذي ما زال يحول دون قبولها لدى مئة مليون مصري، ما زالوا يذكرون مجزرة بحر البقر، قبل نحو خمسين سنة، لذا فإن هذه الصورة الدموية ما هي إلا دليل جديد على اندحار إسرائيل التي لم تنجح بعد سبعين عاما على إقامتها من طي صورة النكبة ومجازر دير ياسين وخان يونس وقبية وكفر قاسم، وهي ساذجة إلى حدود الغباء والبله، حين تظن أنه يمكن قبولها في الشرق الأوسط بالقفز على الفلسطينيين، ليس لأن الفلسطينيين ما بين النهر والبحر يزيدون على ستة ملايين بعدد يساوي عدد اليهود من الإسرائيليين وحسب، بل لأنها بعد ذلك ستجد مئات ملايين العرب وأكثر من مليار مسلم غير قابلين للتعايش معها.
تتجدد صورة إسرائيل كدولة إرهاب وقتل وإبادة جماعية، تقتل الأطفال والنساء مثل أي جماعة إرهابية ومثل الفاشيين الذي عرفتهم البشرية ولفظتهم، فهي ستظل هكذا تجدد صورتها كدولة تحتل شعباً آخر وتعذبه وتحاصره وتقتل أطفاله ونساءه وتعتدي عليه ليل نهار، ولن تنفعها في طويل الأجل، انهيارات بعض الأنظمة العربية ولا طبيعة المعادلة الدولية القائمة، ولن يظل دونالد ترامب في البيت الأبيض لخمسين سنة قادمة.
وكلما نسي جيل مجازرها القديمة جاءت إسرائيل بمجازر جديدة لتقوم بتظهير صورتها القبيحة، وهذا ما على العقلاء - إن كان ثمة عقلاء بقوا في إسرائيل - أن يدركوه، فمن يعجز عن قبول الجار والآخر، ومن يكره الآخرين، لن يقبله الآخرون وسيلفظونه، وليس هناك من بديل سوى تقديم الاعتذار للشعب الفلسطيني، والانسحاب من غزة والضفة والقدس دون قيد أو شرط.