لقد أكمل هذا الانقسام البغيض اثني عشر عاماً وخمسة أشهر، وخلال هذه الفترة كان هنالك ماراثون من الاجتماعات واللقاءات والمشاورات لإنهائهِ، منذ أن دعا الرئيس أبو مازن للحوار في حزيران ٢٠٠٨، وتلاهُ اجتماعات الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية في القاهرة عام ٢٠٠٩، واستمرت الاجتماعات واللقاءات حتى توقيع وثيقة الوفاق الوطني عام ٢٠١١، ثم إعلان الدوحة ٢٠١٢، ثم اتفاق الشاطئ ٢٠١٤، ثم الاتفاق الأخير في تشرين الأول ٢٠١٧.
جميع هذه الاتفاقيات واللقاءات الوطنية والثنائية، ومن ضمنها اجتماع لجنة تفعيل وتطوير م.ت.ف، أو ما يُسميه البعض -الاطار القيادي المؤقت- بعد توقيع وثيقة الوفاق الوطني عام ٢٠١١، والتي نسيَ البعض أنها اجتمعت.
كل هذه اللقاءات والاجتماعات والاتفاقيات لم تُنه الانقسام، ووصل الجميع إلى قناعة تامة بأن الانتخابات هي الطريق الوحيد لحسم هذه الخلافات والتباين في البرامج على الساحة الفلسطينية عبر الخيار الديمقراطي في أن يقول الشعب كلمته عبر صناديق الاقتراع، وليس عبر صناديق الرصاص والاقتتال الداخلي، بعد فشل كل الاتفافيات واللقاءات السابقة بالوصول إلى حلٍ ما يُنهي هذا العار الأسود، الذي أوصل القضية والحالة الفلسطينية والمواطن الفلسطيني وخصوصاً في قطاع غزة إلى هذا الوضع المأساوي على كافة نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمعيشية.
فبعد أن كانت غزة تُصدر الوطنية وتتصدرها، وكنا ندفع آلاف الدولارات للحصول على «لم شمل» للعودة إلى أرض الوطن، أصبحنا ندفع الآلاف والآلاف لمغادرة هذه البقعة من الوطن !! وهذا أدق وصف وأكثرهم إيلاماً لما وصلنا إليه.
لقد كنتُ متشائماً في الفترة الأخيرة من وجود أي مخرج من هذه الحالة التي يُعاني منها شعبنا وقضيتنا، حتى بدأ الحديث عن التوجه إلى إجراء الانتخابات، وما صاحبه من ردود الفعل الشعبية والفصائلية تجاه عودة الأمل للخروج من هذه الحالة المتدهورة من الانقسام البغيض إلى فضاء الوحدة والمصالحة الوطنية وتوحيد شطري الوطن، بحكومة واحدة وبمجلس تشريعي واحد، ولإنهاء الازدواجية في المعايير، حيث أن الحكومة في الضفة يُطلب منها مسؤوليات وليس لها أي صلاحيات في قطاع غزة، وحكومة الأمر الواقع في غزة تُرهق كاهل المواطنين بالجبايات ولا تتحمل أي مسؤوليات تجاههم !!
لكن وللأسف بعد كل ما سبق ذكرهُ وبعد الموافقة والأحاديث الحماسية والشعبوية عن الانتخابات، وضرورة عقدها متتالية وعبر نظام التمثيل النسبي الكامل، تخرج علينا بعض الأصوات التي تريد أن تُعيدنا للحوارات واللقاءات من جديد، لا لشيء إلا لتعطيل مُضي قطار الانتخابات وإعادتنا من جديد للأجواء السلبية التي سادت طوال السنوات العجاف الماضية.
أقولها بكل ثقة، إن من يُعطل الانتخابات ويضع العراقيل في مسيرها ينحر شعبه ومن قبل مصداقيته، والشعب الفلسطيني لديه من الذكاء والفطنة الكثير ليُميز بين من يقف مواقف داعمةً لحقوقه وتطلعاته، وبين من يُعطل ويمنع ذلك بسلبية مواقفه وتصرفاته.
فلنتقِ الله في هذا الشعب وفي هذه القضية، ولِنُغلب مصلحة الوطن وقضيته وأبنائه على المصالح الذاتية الضيقة، بحديثٍ غير مقنعٍ هنا وهناك عن وجوب عقد ما يسمونه بلقاءات تسبق إصدار الرئيس مرسوم عقد الانتخابات، دون أن يتضح أصلاً على ماذا وعن ماذا يريدون أن يتحدثوا ويلتقوا؟!
هذه إما شكليات لا يجب لها أن توقف قطار الانتخابات، أو أنها نوايا خبيثة تريد تعطيل مسيرة الوحدة والمصالحة، ولها مصلحة في إبقاء الوضع على ما هو عليه.
بقناعةٍ تامة وبإيمانٍ شديد، أؤكد على ضرورة إعطاء الأولوية للمضي في الاجراءات العملية لعقد الانتخابات، على كل الاجتماعات واللقاءات التي لم تُثمر عن شيء البتة طوال سنوات الانقسام.
يجب علينا أن نحمي هذا الخيار المتبقي لنا وألا نعود إلى الوراء، فالوطن والشعب ينتظر ويراقب، وسيحاسب هو والتاريخ من يُعطل هذا المسار.