غضب في أوساط “الموساد” على بقاء قادة حماس في تركيا

السبت 05 نوفمبر 2016 01:40 م / بتوقيت القدس +2GMT
غضب في أوساط “الموساد” على بقاء قادة حماس في تركيا



القدس المحتلة / سما /

كتب : يوسي مليمان – معاريف

في 15 تشرين الثاني الجاري، ستنعقد لجنة التعيين في وزارة الخارجية لاختيار السفير القادم إلى تركيا. وبين المرشحين للمنصب ذكر الناطق بلسان الوزارة عمانويل نحشون، الذي سبق أن خدم في تركيا؛ والمسؤولة عن السفارة في أنقرة، أميرة أورون، وسفيرة “إسرائيل” في اليونان، إيريت بن آبا، والملحق السياسي في السفارة أيضاً، إيتان نافيه. ولكن لن يصاب أحد بالصدمة إذا قرر رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو الذي يتولى منصب وزير الخارجية أيضاً، أن يعين في المنصب شخصاً مقرباً منه بسبب الأهمية الشديدة التي يوليها للعلاقات مع تركيا.

في اللحظة التي تعلن فيها “إسرائيل” عن تعيين السفير وترسله إلى أنقرة، ستفعل تركيا ذلك أيضاً. وأفادت وسائل الإعلام التركية بأن المرشح للمنصب في تل أبيب هو كامل أوكام، دبلوماسي مقرب جداً من أحد المستشارين المهمين للرئيس رجب طيب أردوغان.

وكان القرار بإعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفراء اتخذ قبل أكثر من أربعة اشهر، في إطار اتفاق المصالحة بين الدولتين. كان يخيل للطرفين أن الزمن ملح لإنهاء هذا الفصل البشع وفتح صفحة جديدة في العلاقات بسرعة. ولكن يبدو الآن أن أحداً لا يجد إلحاحاً وأن الطرفين يفضلان العمل ببطء.

ومثلما يتحدثون عن العلاقات مع مصر بتعابير السلام البارد، ينشأ الانطباع بأن ما يحصل مع تركيا هو مصالحة باردة. فكل البنود التي تبلورت في الاتفاق تكاد تثير الخلاف. فقد حولت “إسرائيل” إلى الحكومة التركية نحو 21 مليون دولار، وستؤسس الحكومة في أنقرة صندوقاً خاصاً وستوزع الأموال على عائلات القتلى العشرة وباقي المصابين في الحدث.

وبالمقابل تعهدت تركيا بأن تسن قانوناً يمنع رفع دعاوى ضد ضباط كبار في الجيش “الإسرائيلي” ممن كانوا مشاركين في تخطيط وقيادة الحدث.
سن القانون في البرلمان التركي، ولكن يبدو في الأسبوع الأخير أن الأمور تتعقد. فقد أعلنت المنظمة التي نظمت سفينة مرمرة وعائلات الضحايا بأنهم غير معنيين بالمال الإسرائيلي القذر بل بإحقاق العدل. وقد رفعوا التماساً إلى المحكمة ضد القانون، وسيتم التداول في التماسهم، الشهر القادم.
ولكن ما يقلق “إسرائيل” حقاً هو البند الذي تعهدت به تركيا بأن تبعد عن أراضيها نشطاء الذراع العسكرية لـ حماس وتغلق مكاتبهم. وبخلاف ذلك، يسمح اتفاق المصالحة لموظفين من حكومة حماس بالعمل في تركيا.

خطة الانقلاب
أردوغان، الذي لم تخب تطلعاته ليكون بمثابة سلطان القرن الـ 21 وأن يقود العالم الإسلامي السني المعتدل، حتى بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت ضده قبل بضعة أشهر، يرى نفسه سيد حركة الإخوان المسلمين التي تعد حماس فرعها الفلسطيني. وعلى هذه الخلفية أيضاً فإن العلاقات متوترة بين حماس وحكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

في الاتصالات التي سبقت اتفاق المصالحة، أصر المفاوضون من إسرائيل على طرد رجال الذراع العسكرية لـ حماس من تركيا. وكان هذا مطلباً أصرت عليه أسرة الاستخبارات، الأمن، الجيش، و»الموساد».
في البداية، رفضت تركيا الطلب. وادعى مندوبوها بأنهم لا يشاركون التمييز الذي تضربه إسرائيل بين الذراع العسكرية والسياسية. بالنسبة لهم حماس هي منظمة واحدة، كفاحها ضد الاحتلال الإسرائيلي كفاح عادل وبالتأكيد لا يرون فيها منظمة إرهابية. وبعد ذلك عدل الأتراك موقفهم، ووافقوا على أن يبعدوا عن تركيا صالح العاروري، قائد كتائب عز الدين القسام.

ومن تركيا انتقل العاروري إلى قطر، التي هي أيضاً قاعدة لـحماس وإن كانت بعيدة. ففي قطر يستقر منذ سنين (منذ غادر دمشق على خلفية الحرب الأهلية) رئيس المكتب السياسي، خالد مشعل، الذي فشلت محاولة لاغتياله في الأردن قبل أكثر من 19 سنة. وبالمناسبة عاد مشعل وأوضح، مؤخراً، بأنه سيعتزل منصبه في نهاية السنة، وتدور حرب الوراثة بكامل شدتها؛ حيث يتنافس على القيادة نائبه موسى أبو مرزوق، الذي يستقر في مصر، ورئيس حكومة حماس في غزة إسماعيل هنية.

الرعاية التي تضفيها قطر على رجال «حماس» وعلاقاتها مع المنظمة لا تزعج إسرائيل لمواصلة انتهاج علاقات معها على مستويات مختلفة. فقطر هي المتبرعة الأساس لإعمار  القطاع، وهي مصلحة إسرائيلية واضحة كما ينبغي الافتراض، مثلما أشار مرة أخرى، هذا الأسبوع، وزير الدفاع ليبرمان. في إسرائيل يأملون أيضا بأن تساعد قطر، بفضل علاقاتها ونفوذها، في بلورة صفقة تبادل في إطارها تعاد إلى إسرائيل جثتا الجنديين أورون شاؤول وهدار غولدن والمدنيون الثلاثة الذين تحتجزهم حماس. مع أنه في هذه المرحلة، بسبب الفجوة الواسعة في مواقف الطرفين، لا تبدو مثل هذه الصفقة في الأفق.

في “إسرائيل” أملوا بأن تعمل تركيا أيضاً كوسيط في الصفقة، ولكنها تكاد لا تتدخل حالياً في هذا الموضوع، رغم طلبات وجهتها شخصياً في إسرائيل بمن فيهم مندوب رئيس الوزراء إلى المفاوضات على الأسرى والمفقودين، ليئور لوتان، في أن تمارس نفوذها على حماس.

وبالمناسبة، فقد قللت تركيا أيضاً تقديم المساعدات الإنسانية إلى سكان القطاع وذلك رغم الخطابة المتحمسة لأردوغان في الموضوع، والذي أكثر قبل اتفاق المصالحة من اتهام “إسرائيل” بـجرائم حرب. المساعدة المباشرة التي قدمتها تركيا كتبرع بلغت بضعة آلاف من أطنان الأدوية، الأغذية، الألعاب وغيرها، التي حملت على سفينتين وفرغتا شحنتيهما في ميناء أسدود، ومن هناك نقلت الشحنة كالمعتاد بالشاحنات إلى غزة. وكامل المساعدة التركية تساوي من حيث القيمة نصف كمية البضائع (نحو 400 شاحنة) تنقلها “إسرائيل” إلى القطاع كل يوم.

تسليم “إسرائيلي”
قبل أن يوقع اتفاق المصالحة قدر زميلي، أليكس فيشمان، في يديعوت أحرونوت بأن تركيا لا تعتزم طرد نشطاء الذراع العسكرية من أراضيها. وبالفعل، فحسب معلومات لدى جهاز الأمن، فإن القيادة التي أقامها العاروري في تركيا تعمل كالمعتاد، ويقف على رأسها قائد آخر، يواصل تلقي التعليمات من العاروري الموجود في قطر. ويواصل نشطاء الذراع العسكرية الخروج والدخول من وإلى تركيا كالمعتاد وتخطيط العمليات ضد “إسرائيل”.

لقد سبق “لإسرائيل” أن رفعت مرات عديدة شكاوى على أن هذا البند في الاتفاق لا يطبق، ولكن حكومة أردوغان، التي تواصل الانشغال بأصداء الانقلاب العسكري، مطاردة معارضيها الحقيقيين والوهميين، التنكيل بالإعلام، وسلسلة أخرى من خطوات القمع والمس بالديمقراطية، تتجاهل التوجهات الإسرائيلية. رغم الغضب في “إسرائيل”، ولا سيما في أوساط جهاز الأمن والاستخبارات، لا تنوي الحكومة كسر القواعد. وعليه فإن إسرائيل عملياً تسلم بالخرق التركي للاتفاق. وحتى ليبرمان، الذي عارض الاتفاق منذ بداية الاتصالات، قبل وقت طويل من تسلمه مهام منصبه، وكان بين القلائل الذين لم يوهموا أنفسهم بأن تركيا ستفي بالتزاماتها، يعرف أنه لا يمكن عمل الكثير في هذا الشأن. مجال المناورة الإسرائيلية محدود جداً. يمكنها أن تبلغ تركيا بأنها هي أيضاً تتراجع عن اتفاق المصالحة أو ببساطة تسلم بالوضع وتنتظر فرصة في المستقبل قد يكون ممكناً فيها إقناع حكومة أردوغان بطرد قيادة حماس.

لإسرائيل مصلحة خاصة في تطبيع العلاقات مع تركيا، وهي تأمل على نحو خاص في التوقيع معها على اتفاق لبيع الغاز من حقل لافيتان. وزار وزير الطاقة والبنى التحتية، يوفال شتاينتس، تركيا، مؤخراً، والتقى مع نظيره الذي هو صهر أردوغان.

كما تأمل إسرائيل أيضا بأنه رغم “المصالحة الباردة” قد يكون ممكناً إعادة بناء قليل من العلاقات الأمنية والاستخبارية بين الدولتين. الفرص لذلك ليست كثيرة، ولكن في ضوء التقلبات في الشرق الأوسط لا يمكن أبدا للمرء أن يعرف، ولعله تنشأ فرصة تسمح لتركيا بإجراء «تعديل» ما.
يمكن فقط أن نقدر أن هذا يمكن أن يحصل إذا ما وجدت تركيا نفسها في مواجهة جديدة وبشدة أكبر مع إيران بسبب تدخلها العسكري بالحرب في العراق بشكل عام وفي المعركة على مدينة الموصل بشكل خاص.

ومنذ الآن يوجد توتر شديد بين أنقرة وطهران. فالحكومة العراقية تطلب من الجيش التركي الخروج من أراضيها، ولكن يبدو أن أردوغان يمتنع عن ذلك حالياً. وبحجة الحرب ضد داعش اجتاح الجيش التركي العراق كي يمنع إقامة دولة كردية مستقلة في شمال الدولة، ولقطع التواصل البري الذي تسعى إيران لتقيمه من مجالها، عبر العراق إلى سورية ومن هناك إلى لبنان. إذا تشكل مثل هذا التواصل فيمكن أن نسميه الطريق السريع الشيعي العام.

إذا وقع على هذه الخلفية تقارب بالفعل بين القدس وأنقرة، سيكون ممكناً التقدير أنه مثلما في الماضي فإن من سيقود الاتصالات في هذا الموضوع سيكون رئيس الموساد، يوسي كوهن الذي كان مشاركاً في المحادثات على اتفاق المصالحة، بحكم منصبه السابق كرئيس لمجلس الأمن القومي. ونشر في الماضي أن رئيسي الموساد، مئير دغان وتمير باردو مثل أسلافهما منذ عهد أيسار هرئيل في الخمسينيات، التقيا مع رؤساء المخابرات التركية. وفي مثل هذه الحالة سيعقد أيضاً لقاء بين كوهن ونظيره هاكان فيدان، ولعله يمكن حينها لكوهن أن يقنع فيدان بإغلاق مقر قيادة حماس في تركيا واستخدام نفوذه من أجل صفقة تبادل ن الأسرى مع حماس.