خبر : ردع الجيش الاسرائيلي في الشمال يعاني من الإعسار، ايضا \ عاموس هرئيل \ هآرتس

السبت 03 سبتمبر 2016 01:14 م / بتوقيت القدس +2GMT



ان رئيس الأركان السابق دان حالوتس، لخص في 12 ديسمبر 2005، تقييم المخابرات لعام 2006. وخلال الأشهر الأولى لولايته ركز حالوتس على استكمال خطة الانفصال عن قطاع غزة وشمال الضفة الغربية. فقد كانت تلك هي المهمة التي القاها عليه رئيس الوزراء ارييل شارون، والذي قام حتى بتقصير ولاية رئيس الأركان الأسبق موشيه يعلون من اجل ذلك، بسبب تخوفه من كون يعلون لا يتماشى مع وعود الحكومة بأن الانسحاب من غزة سيجلب الهدوء الى الحدود. وبعد ذلك تفرغ حالوتس للانشغال بالجبهات الأخرى.

كان تقييم المخابرات بشأن الوضع على الجبهة الشمالية في ذلك الوقت متفائل جدا. في شباط من تلك السنة قتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. وادى الاغتيال إلى موجة واسعة من الاحتجاجات، جعلت الرئيس السوري بشار الأسد، يقرر، وتحت ضغط دولي كثيف، سحب جيشه من لبنان. وساد لدى رجال قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات الانطباع القوي بأن الاضطراب قوي بما يكفي للتبشير بتفكك الجبهة الشمالية الى جبهتين ثانويتين منفصلتين، سورية ولبنان. ولذلك، على حد قولهم، هناك فرصة لحدوث تغيير إيجابي في الواقع الاقليمي.

ومضى رئيس الأركان حالوتس، خطوة ابعد من خبراء الاستخبارات. وخلال تلخيصه للتقييم السنوي، حدد بأن "الردع الاسرائيلي ضد حزب الله فاعل"، خاصة في ضوء عدم نجاح حزب الله بتنفيذ عمليات ضد اسرائيل. وجاءت اقوال حالوتس بعد ثلاثة اسابيع فقط من فشل المحاولة الجريئة التي قام بها حزب الله لاختطاف جندي من قرية الغجر، وهي المحاولة التي انتهت بمقتل اربعة من رجال التنظيم بنيران قناص من لواء المظليين.

في حينه لم يستمع حالوتس الى التحذير الذي تلقاه وهو ان تفاؤله جارف جدا. والنهاية معروفة: بعد سبعة اشهر تماما، بعد تلخيص تقييم الاستخبارات برئاسة رئيس هيئة الاركان، اختطف حزب الله جثتي جنديي الاحتياط الداد ريغف واودي غولدفاسر، خلال هجوم نفذه قرب زرعيت. وكان ذلك الحادث هو الذي ادى الى اندلاع حرب لبنان الثانية، ومن ثم الى استقالة حالوتس وانهاء مسيرته الرسمية.

هل يحتمل ان اسرائيل تكرر الان الخطأ في التقييم، حين تحلل اليوم الوضع على الجبهة الشمالية؟ الحكمة المتعارف عليها لدى كل اجهزة الاستخبارات تدعي ان هناك احتمالات كبيرة بأن يتواصل الهدوء على الحدود الشمالية. فحزب الله غارق حتى قمة رأسه في معركة الابقاء على نظام الاسد في سورية، واسياده الايرانيين يفضلون ان يركز جهوده هناك. وهناك مواقف مختلفة حول قوة الردع الاسرائيلية حاليا (ترتبط ايضا بمدى ضلوع المقيمين في حرب لبنان الثانية). ولكن، هنا ايضا، يميل الرأي السائد الى التكهن بأن حزب الله لا يزال يتخوف من جولة حرب اخرى مع اسرائيل، بسبب الاضرار التي تكبدها في 2006، وايضا لأن التنظيم الشيعي يفهم التحسن الذي طرأ على القدرات الهجومية للجيش الاسرائيلي منذ ذلك الوقت.

لكنه ليس سرا ان تعريف الردع هو مسألة مراوغة بشكل خاص، وفي الواقع يمكن قياسه فقط من خلال نظرة الى الوراء – لأنه، نظريا، يمكن للاعتماد الذي تمت مراكمته في الردع ان ينتهي في كل لحظة. يبدو انه يجب على القيادتين السياسية والامنية في اسرائيل فحص فرضياتها على الجبهة الشمالية طوال الوقت. لا شك ان الحرب في سورية تقف في مقدمة اهتمامات حزب الله وتجبي منه ثمنا كبيرا. وحسب تقييمات الجيش، فقد قتل في سورية خلال السنوات الاربع الأخيرة، ما لا يقل عن 1600 جندي من حزب الله، واصيب اكثر من 500. ولكن، في الوقت نفسه، فان الهدوء الطويل على الحدود مع اسرائيل يولد مشكلة للتنظيم، لأنه يطرح علامات استفهام على الذريعة الأساسية لحزب الله، بشأن مواصلة حمل السلاح بعد تفكيك بقية الميليشيات في لبنان – الدفاع عن لبنان في مواجهة اسرائيل.

ولذلك، يصعب تماما نفي امكانية خروج حزب الله عن سياسة الانضباط الحالية، نتيجة لإحدى امكانيتين: مواجهة ضائقة سياسية داخلية في لبنان، او، وهي الاكثر احتمالا، حدوث سلسلة من المعادلات الخاطئة والمتبادلة بينه وبين اسرائيل. لقد كاد يحدث ذلك في كانون الثاني 2015، بعد قيام اسرائيل (حسب مصادر اجنبية) باغتيال الناشط في حزب الله جهاد مغنية وجنرال ايراني في هضبة الجولان. لقد رد حزب الله بعد عشرة ايام في كمين صاروخي نصبه للجيش، اسفر عن قتل ضابط وجندي من لواء جبعاتي، على منحدرات جبل روس. في تلك الظروف كان يمكن لذلك الكمين ان ينتهي بمقتل بين 10 و12 جنديا في الجيش الاسرائيلي، وفي حالة كهذه كانت حكومة نتنياهو ستواجه ضغوط سياسية لا يمكن تحملها، لكي ترد.

تنسيق التوقعات

اتفاق فيينا الموقع في تموز من العام الماضي، وفر لإسرائيل هدنة لا يعرف مداها، في التعامل الفوري مع التهديد النووي الإيراني. التهديدات التي تشكلها حماس والدولة الإسلامية (داعش) على أمن إسرائيل محدودة جدا. ومن ناحية الاحتمالات، فان التهديد العسكري الذي يمثله حزب الله هو الأكثر تحديا بالنسبة للجيش الإسرائيلي.

طالما كانت الحدود هادئة، فان هذا هو الوقت الملائم للحكومة والجيش لتنسيق توقعاتهم بخصوص الحملة العسكرية التي يمكن أن تفتتح في المستقبل: ما الذي تريد إسرائيل تحقيقه؟ هل ستكتفي بتوجيه ضربة جوية؟ هل ستصيب هذه المرة ايضا البنية التحتية الاستراتيجية للدولة اللبنانية؟ (حكومة أولمرت امتنعت في عام 2006 عن ذلك، تحت ضغط من إدارة بوش) وإذا تقرر ارسال الجيش لمناورة برية – فإلى أي عمق في لبنان؟ وبأي ثمن؟ كل هذه الأسئلة التي يجب فحصها الآن، إلى جانب الوعي بأن المواجهة يمكن أن تندلع حتى من دون رغبة الاطراف بذلك على الإطلاق.

نداف بولاك، الباحث الاسرائيلي في معهد واشنطن لدراسات الشرق الاوسط، نشر في الشهر الماضي دراسة مترامية الأطراف حول تدخل حزب الله في سورية. لقد اعتمد بولاك على سلسلة من المحادثات الطويلة مع خبراء ورجال استخبارات في اسرائيل والولايات المتحدة ولبنان. من وجهة نظر اسرائيلية، كانت استنتاجاته اقل تفاؤلا من استنتاجات المسؤولين الاسرائيليين، الذين يفصلون الثمن الذي دفعه حزب الله في سورية. ويدعي بولاك ان حزب الله راكم، الى جانب الثمن، الكثير من الأرباح.

ويكتب بولاك ان حزب الله تطور على مر السنين من كادر نشطاء صغير الى تنظيم عصابات كبير، ومن ثم الى تنظيف شبه عسكري، يعتبر لاعبا اقليميا هاما وشريكا حيويا في التحالف الايراني – السوري. وحسب رأيه فان حزب الله مستعد ومؤهل لمواصلة الحرب في سورية، ورغم استنزافه في الحرب "الا انه لم يتم تركيعه حتى الان".

التقييمات التي تشكك بقدرة حزب الله على الصمود الآن، تذكر بولاك بتقييمات مشابهة طرحت في اسرائيل قبل حرب 2006، والتي ثبت خلالها ان التنظيم يستطيع الصمود. ويخلص الى القول "من الواضح ان حزب الله لا يرغب بحرب مع اسرائيل الان، لكن هذا لا يعني انه لا يستطيع الصمود في حرب على جبهتين في آن واحد".

المال الايراني

نشرت صحيفة "ديلي ميل" هذا الاسبوع، تقريرا واسعا حول الضلوع الايراني العميق في الحرب السورية. والمعروف ان الصحيفة البريطانية – وخاصة موقعها الالكتروني، تدأب في الأيام العادية على تضخيم الفضائح الصفراء في انحاء العالم – ولذلك فإنها ابعد عن ان تكون موثوقة. لكنه يبدو هذه المرة ان شخص ما – او جهات ما تعرضهم الصحيفة كـ"نشطاء سوريين" قاموا بعمل جوهري جدا.

ووفقا للتقرير، فان إيران، التي تحاول في كثير من الأحيان الحد من الانطباع بشأن مشاركتها في القتال في سورية، تقوم بتفعيل قيادة سرية في مبنى كبير يعرف باسم "الدفيئة" في مطار دمشق الدولي. وفي هذا المكان تدار العمليات الاستخباراتية المختلفة ويجري تخزين ملايين الدولارات التي يتم ارسالها في رحلات مباشرة من طهران إلى دمشق.

وتقول الصحيفة أن الإيرانيين استثمروا مليارات الدولارات في النضال من أجل الابقاء على الأسد، وفي الواقع يخضع لسلطتهم ما لا يقل عن 60 ألف مقاتل شيعي في سورية، بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني، ورجال حزب الله وأعضاء الميليشيات الأخرى في الشرق الأوسط ودول آسيوية أخرى. ويزيد هذا الرقم بأربعة أضعاف عن التقديرات السابقة التي تحدث عنها الخبراء الغربيين. حتى وان كانت هذه الارقام تلامس المبالغة، فإنها قد تفسر جزءا من نجاح نظام الأسد خلال العام الماضي، بتحقيق الاستقرار العسكري على الرغم من القتال القوي الذي تخوضه تنظيمات المتمردين.

ويرتبط التفسير الثاني لبقاء نظام الاسد بالمساعدة الروسية الضخمة، التي تم تعزيزها في ايلول الماضي، مع نشر سربين من الطائرات الروسية في المنطقة العلوية في شمال غرب سورية. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، راض عن تحسن العلاقات بين القدس وموسكو وإنشاء آلية للتنسيق بين الجيش الإسرائيلي والجيش الروسي، بهدف منع المواجهة غير المرغوب فيها بين منظومتي الطائرات والدفاع الجوي من كلا الجانبين، هذه الآلية تعمل فعلا بشكل رائع، ومنعت في عدة مناسبات اندلاع حوادث لا لزوم لها وخطيرة .

ولكن كل ما فعلته اسرائيل هو صياغة حل تكتيكي، يهدف إلى منع تصعيد الوضع، في ضوء التغيير الاستراتيجي (تدخل روسيا)، لم تسيطر عليه أبدا. الدفء النسبي الذي ينضح من جهة موسكو في الأشهر الأخيرة لا يمكنه أن ينافس منظومة العلاقات العميقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، ولا ان يشكل بديلا لها. وعلاوة على ذلك، فقد ساهمت المساعدات الروسية للأسد في حرف الكفة لصالح التحالف بين إيران وسورية وحزب الله، وكما يبدو ضمن بقاء الدكتاتور السوري في الصورة، على الأقل في المستقبل القريب.

من جهتها تنسق الولايات المتحدة حاليا، الى حد ما، مواقفها مع روسيا في اطار الحرب المشتركة ضد داعش، وبذلك تستكمل بشكل غير مباشر بقاء الاسد في السلطة.

حتى بعد اتفاق فيينا لا يمكن الادعاء بأن تعزز مكانة وتأثير ايران في المنطقة – الذي ينعكس في المحاولة الدائمة لواشنطن للتوصل الى تفاهمات مع طهران – يشكل أي انباء جيدة بالنسبة لإسرائيل.