خبر : تقسيم سوريا: طريق إسرائيل نحو الامبراطورية .... اسماعيل مهره

الأربعاء 24 أغسطس 2016 06:00 م / بتوقيت القدس +2GMT
تقسيم سوريا: طريق إسرائيل نحو الامبراطورية .... اسماعيل مهره



في الذكرى المئوية لاتفاقية "سايكس - بيكو" التي بموجبها قسّم الوطن العربي بين فرنسا وبريطانيا إلى مناطق نفوذ، ولاحقًا قسمت تلك المناطق إلى الدول التي نعرفها اليوم؛ شنت إسرائيل هجومًا وانتقادًا ضد "سايكس بيكو، فكتب في انتقادها الكثير من المقالات، وعبّر سياسيون إسرائيليون صراحة عن فشلها، وحمّلوها معظم أسباب الانفجار الحالي في الوطن العربي.
الهجوم الاسرائيلي على اتفاقية "سايكس - بيكو" يبدو غريبًا، لأننا نعرف تمامًا ان الحركة الصهيونية كانت أحد أهم المستفيدين من التقسيم، حيث مكّن بريطانيا من الوفاء بوعدها الذي قطعه بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
لكن التقسيم الذي مكّن بريطانيا والحركة الصهيونية من فرض دولة الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي - الذي كان كافيًا في ذلك الوقت لفرض قيام دولة إسرائيل - لم يعد كافيًا لاستيعابها في المنطقة بصفتها الدولة الإقليمية الأعظم وفرضها بصفتها (super power) الشرق الأوسط، ولتحولها إلى دولة طبيعية في شرق أوسط فسيفسائي متعدد ومتنوع لا يقوم على رابط قومي، بل على روابط دينية ومذهبية واثنية.
جوهر الانتقاد الإسرائيلي لتقسيم "سايكس - بيكو" يقوم على أنه لم يأخذ بعين الاعتبار مركب الديموغرافيا الطائفية والدينية، وتنكر لحقوق الاثنيات غير العربية.
إسرائيل ترى في زلزال الربيع العربي وما سبقه من انفجار طائفي في العراق وحرب أهلية لبنانية وصراع كردي - عربي فرصة سانحة وكبيرة لإعمال سكين التقسيم مجددًا في الجسد العربي، وأكثر البدايات الناضجة والمناسبة - والتي تحظى ربما بشبة إجماع دولي، وبات تقسيمها في الوعي العربي ليس مجرد تساؤل أو خيار، بل واقعًا يشكل السيناريو الأكثر قبولًا وترويجًا - هي سوريا، فهي بالنسبة للطموح الإسرائيلي بإعادة تقسيم الوطن العربي بمثابة الحلقة الأضعف في السلسلة ولابدّ من طرقها بشده طالما أنها لازالت ملتهبة، وتعمل بكل السبل حتى لا تضيع فرصتها الذهبية، وبالنسبة لإسرائيل يجب ألا تنتهي الحرب السورية قبل إقرار اتفاقية تقسيمها الى عدة دويلات على أساس الديموغرافيا الطائفية والاثنية والدينية، ولا تكون هضبة الجولان وجبل الشيخ ومزارع شبعا تابعة لأي منها مع وجود خيار التعويض المالي الغربي للدويلة الأقرب للجولان، وهذا ربما ما يفسر الموقف الإسرائيلي الملتبس علينا من بشار الأسد، فهي في الوقت الذي ترفض فيه أن يكون الأسد أو غيره رئيسًا للدولة السورية التي تمتد على كل الأرض السورية؛ لا تمانع بقاءه رئيسًا للدولة العلوية، وترى في استمرار بقائه محصنًا ضد هزيمته والتخلص منه، وفي ذات الوقت عدم قدرته على حسم المعركة ضمانة كبيرة لفرض التقسيم باعتباره الحل الممكن في ظل استمرار الصراع الدموي وعدم قدرة أي من الأطراف على الحسم الكلي للصراع، وفي ظل تعمق العداء الكبير بين مكونات الشعب السوري، بحيث لا يمكن الجمع بينها مستقبلًا.
 
سوريا أولًا
الطموح الصهيوني بإعادة تقسيم الوطن العربي يبدأ بسوريا أولًا، لكنه قد لا ينتهي حتى يبلغ الخليج والسعودية شرقًا ومصر وليبيا والجزائر غربًا، وهو لم يعد حلمًا متخيلًا بحكم توفر مقوماته وميكانيزماته القائمة على فشل دول العرب على كل المستويات وتمزق الهوية القومية وانتشار حروب التدمير الذاتي وغياب دور الأحزاب القادرة على تقديم مشاريع نهضوية، فضلًا عن تدخل المحيط الخارجي، فإسرائيل ليست وحدها من يسعى لإعادة تقسيم موطن العرب وبسط نفوذه عليه. تقسيم سوريا سيخدم إسرائيل على نحو مهم جدًا، ويوفر لها التالي:
تثبيت مبدأ هام يشكل مرجعية ومعيارًا أساسيًا لإقامة الكيانات السياسية، يقوم بشكل أساسي على العنصر الديني والطائفي والتواصل الجغرافي، وعلى عنصر توفير أقصى حد من الانسجام الداخلي داخل الكيان السياسي؛ الأمر الذي سيشجع المكونات ذات الشعور بالمظلومية في الدول الأخرى على الدخول في مسيرة الانفصال والمطالبة بتطبيق ذات المرجعية عليها، وهو أمر قد ينسحب سريعًا على العراق، وربما بعد وقت على لبنان.
في هذه الحالة إسرائيل لن تكون الدولة الوحيدة التي تستند إلى المكون الديني كمقوم أساس في تكوينها، وستغدو مطالبتها بالاعتراف بها كدولة يهودية أمرًا شرعيًا ونيله تحصيل حاصل، وسيشكل بناء الكيانات على هذه المرجعية مدخلًا لإسرائيل للحديث عن مظلومية الفلسطينيين في الأردن باعتبارهم أغلبية مسيطرًا عليها من قبل الأقلية، وبالتالي إعادة طرح خيار دولة الفلسطينيين شرقي النهر، وهو ما كان يشكل هاجسًا للقصر الملكي في عمان، هاجس الخوف من حل القضية الفلسطينية على حساب المملكة الأردنية.
أي كيانات سياسية ستتشكل ستكون بالضرورة ضعيفة وهشة وفاقدة للثقة ببعضها البعض، وبالضرورة ستدفعها مصالحها للتقرب من إسرائيل والتحالف معها، باعتبار إسرائيل القوة الأعظم في المنطقة والقادرة على مد نفوذها ولعب دور شرطي الإقليم، ولن يعود السؤال المؤرق لكل قادة إسرائيل عن ضمانات مستقبل بقائها واستمرارها سؤالًا حاضرًا، لا في الوعي ولا في الثقافة ولا في المكون النفسي.
تقسيم سوريا بالنسبة لإسرائيل يكتسب أهمية وجودية في هذه المرحلة، لا سيما بعد حرب تموز 2006، حيث سقطت العقيدة العسكرية الإسرائيلية القائمة على الردع والإنذار والقدرة على الحسم، فالمقاومة اللبنانية والفلسطينية أدخلت الرعب في قلب قادة الكيان، من حيث انها استطاعت ان تحيد كل ترسانة إسرائيل العسكرية وأفقدتها قدرتها على الحسم وأسقطت مفهوم الردع، وإسرائيل - التي عاشت دومًا على حق القوة وعلى إرهاب الدول العربية بعصاتها الغليظة وردعها عن مجرد التفكير بالصدام معها - هالها وأرعبها ان يفقد شعبها ثقته بقدرة الجيش على توفير الحماية لهم، هذا من جهة؛ وأن يحدث العكس من الجهة الأخرى، وهو ان يبدأ المواطن العربي بالثقة بقدراته، وأن يتغلب على الحرب النفسية التي كوت وعيه بأن إسرائيل دولة لا تهزم، ويبدو كمن يكتشف فجأة ان الملك عار ويردد عبارة انها أوهن من بين العنكبوت، فعندما تسقط هيبة إسرائيل وتُحيد اسلحتها النوعية وتسقط عقيدتها وتنتهي حروبها بعلامات استفهام عمن انتصر وتشكل لجان التحقيق وتتحول مدنها إلى جبهة حرب وتفقد قدرتها على الحسم وتتآكل قدرتها على الردع وتدرك هي محدودية القدرة على استخدام القوة وعدم فعاليتها وتسلم إسرائيل بمعادلة توازن الردع في ظل التفوق العددي العربي وطول الجبهات الحدودية وسيولة الدولة العربية؛ كل ذلك يثير وبحق لدى قادة إسرائيل مخاوف جدية تتعلق بمستقبلهم الوجودي في ظل ما يثابرون على الإبداع به، وهو التحوط لأسوأ السيناريوهات، وعليه فإن التقسيم وتشكيل الكيانات السياسية هو الخيار الإسرائيلي الأمثل لتأمين مستقبل إسرائيل المزدهرة والقوية والآمنة والمتسعة شرقًا وشمالًا، والقادرة ربما على بناء هيكلهم المزعوم.