القدس المحتلة / سما / قبل حوالي الشهر أقامت إسرائيل الدنيا ولم تُقعدها، عندما أعلنت على لسان كبار مسؤوليها أنّها اكتشفت نفقًا هجوميًا قامت بحفره حركة المقاومة الإسلاميّة (حماس)، وكان رئيس الوزراء الإسرائيليّ، بنيامين نتنياهو، أوّل المستثمرين لهذا الـ”نجاح الباهر”، فيما قام الإعلام العبريّ المتطوع بنشر التقارير والمقابلات مع المسؤولين العسكريين، الأمنيين والسياسيين حول هذه الـ”قفزة النوعيّة في الحرب ضدّ أنفاق حماس″.
ولكن، اليوم تبينّ أنّ الفرحة كانت سابقةً لأوانها. مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيليّ أقّروا في تصريحات لصحيفة (يديعوت أحرونوت)، كبرى الصحف الإسرائيليّة، أقّروا بأنّ النفق الذي تمّ اكتشافه بالوسائل التكنولوجيّة الجديدة، كما زعم نتنياهو، كان قائمًا قبل العدوان الإسرائيليّ البربريّ على قطاع غزّة، وأنّ الجيش الإسرائيليّ لم يتمكّن من اكتشافه، حيث واصلت حماس استخدامه وصيانته.
وتابعت المصادر عينها قائلةً للصحيفة العبريّة إنّ الثغرات في المعلومات الاستخباراتيّة عن أنفاق حماس ما زالت كبيرة جدًا، وأنّ المخابرات الإسرائيليّة على جميع أذرعها ما زالت بعيدةً جدًا عن اكتشاف الأنفاق الهجوميّة، التي تُواصل حركة حماس حفرها على مدار الساعة وبدون توقفٍ، مُشدّدّةً في الوقت عينه على أنّ هذه الأنفاق باتت تُعتبر لدى المُستوى السياسيّ والأمنيّ على حدٍ سواء تهديدًا إستراتيجيًا على الأمن القوميّ للدولة العبريّة، على حدّ تعبيرها.
هذا ويسود نوع من التخبط في إسرائيل، كما أكد موقع (WALLA) الإخباريّ-الإسرائيليّ حول ما ينبغي فعله إزاء إمكانية التدحرج نحو مواجهة عسكرية، فإذا حاولت إسرائيل تخفيف الضغط عن القطاع ببناء ميناء بحري أوْ أيّ خطوات أخرى مشابهة، فإن ذلك سيُعزز “حماس″ من ناحية، وسيُقوّض مكانة السلطة الفلسطينيّة، من الناحية الثانيّة، التي هي في الأصل ضعيفة. وإذا رفعت القيود، أضاف الموقع، نقلاً عن مصادر سياسيّة رفيعة في تل أبيب، عن دخول البضائع إلى غزة، فإنّ ذلك سيسمح بإدخال الإسمنت إلى القطاع، ما سيُساعد الحركة في بناء قوتها العسكرية.
في السياق عينه، وبعد تبادل الرسائل النارية بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، في المناطق الحدودية لقطاع غزة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ارتفع منسوب القلق الإسرائيليّ من إمكانية تدحرج تبادل القصف المدفعي، المحصور حاليًا على الحدود، إلى مواجهة عسكرية شاملة قد تصل آثارها إلى تل أبيب.
لكن على الرغم من توتر الأوضاع، يكاد يجمع أغلب المحللين في إسرائيل على أن “حماس″ لا ترغب في خوض أي مواجهة عسكرية، لكنهم في الوقت نفسه، يقرّون بصعوبة الواقع الاقتصادي الذي قد يدفع القيادات العسكرية في غزة نحو خيارات لم يكونوا يريدونها في الأساس، فيما يرى آخرون أن خلفيات جولة التصعيد هذه مرتبطة بإدراك “حماس″ أنّ إسرائيل عثرت على حل تقني لسلاح الأنفاق. وفي المحصلّة العامّة، يُمكن القول والفصل أيضًا إنّه حتى الآن، لم تتجاوز التقديرات الإسرائيلية لعمليات إطلاق النار التي تعرضت لها قوات الجيش بالقرب من القطاع، لكونها رسائل تحذيرية ضدها، وتأتي هذه الرسائل العملانية بعد رسائل سابقة وجهتها “كتائب الشهيد عز الدين القسام”، (الذراع العسكرية لـ«حماس»)، تحت شعار أمّا رفع الحصار أو الانفجار.
في تلك اللحظة، لم تُبدِ إسرائيل اهتمامًا كبيرًا بالموقف، أمّا بعد عمليات إطلاق النار والقصف الصاروخي لمواقع العدو العسكرية، فبات التقدير في تل أبيب مختلفًا. في هذه الأجواء، قدّرت جهات في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أنّ “حماس″، للمرة الأولى منذ حرب صيف 2014، هي من نفذت عمليات إطلاق النار ضد آليات الجيش، وسمحت لجهات أخرى أيضًا فعل ذلك.
وتهدف هذه المحاولات، في رأي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، إلى تغيير قواعد اللعبة وإنتاج تفاهمات جديدة، يمنع بموجبها العدو من الاستمرار في البحث عن الأنفاق على طول الحدود مع القطاع. من ناحيته، أعلن مسؤول الساحة الفلسطينية في الاستخبارات الإسرائيلية، الذي قال إنّ حماس قد تعمد إلى ضربة استباقية وقائية باستخدام الأنفاق الهجومية إذا تأكدت أنّ إسرائيل وجدت حلاً للأنفاق.
ولفت ضباط في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى أنّ عدم سقوط إصابات خلال تبادل القصف في اليومين الماضيين لم يكن مصادفة، خصوصًا أنّ حماس لم تكن تريد سوى توجيه رسائل. وأكّدت مصادر في الجيش للقناة العاشرة بالتلفزيون، على أنّ إسرائيل غير معنية بالتصعيد في منطقة الجنوب، ولكنها لن توقف عمليات البحث عن الأنفاق.
كما عبّر معلق الشؤون العربية في القناة آفي ايسخاروف، على اعتبار أن الضغوط الاقتصادية التي يتعرض لها السكان في القطاع، عززت الأصوات التي تنادي داخل “حماس″ وتحديدًا “القسام”، لزيادة الضغط العسكري على إسرائيل.
ووفق التعبير الذي استخدمه معلق الشؤون العربية، هناك شعور لدى سكان غزة بأنهم قد وصلوا إلى مرحلة اللا-خيار.
كذلك ربط معلق الشؤون العسكرية في صحيفة “هآرتس″، عاموس هارئيل، بين ما اعتبره توترًا على الحدود مع غزة، وبين الكشف عن نفقٍ هجوميٍّ قبل شهر، إضافةً إلى الوضع الاقتصاديّ الضاغط، لافتًا إلى أنّ إسرائيل طورّت حلاً تكنولوجياً للعثور على الأنفاق، وتستمر في أعمالها الهندسية الحثيثة على طول الحدود، على حدّ تعبيره.


