غزة خاص سما الدكتور/ رمضان بركه , أخصائي علم النفس العيادي والباحث في القضايا السيكو إستراتيجية يدق في دراسة هامة خص بها وكالة "سما" ناقوس الخطر , محذرا من ازدياد الإقبال على الانتحار من قبل المراهقين والشباب في مجتمعنا الفلسطيني , وفيما بعد يصبح الانتحار ظاهره وازمه جديدة تضاف للازمات المنتشرة في أوساط شعبنا . وانطلاقا من ذلك يقترح دكتور .بركه آليات تعامل فعاله لمواجهة قضايا إيذاء النفس والانتحار , علما بان ظاهرة الانتحار قديمة قدم البشرية نفسها , وهي ظاهرة عالمية منتشرة في جميع المجتمعات ولكن بتفاوت وأسبابها متنوعة, مشيرا الى ان لمجتمعنا الفلسطيني خصوصية , والإنسان هنا في فلسطين رأس مالنا , لذلك يجب أن نحميه من هذه الظاهرة الطارئة علينا وبفاعلية وبجهد جماعي وبطريقه مكثفه.
الانتحار فعل مدروس لإيذاء النفس, أو قتلا فعليا للنفس بطريقة متعمدة , وهو لا يعد اضطرابا نفسيا بحد ذاته , إلا انه لابد من الأخذ بعين الاعتبار عوامل الخطورة العديدة , وبخاصة اضطرابات المزاج التي تعد بمثابة ممهدات للسلوك الانتحاري , وإيذاء النفس عند الأطفال والمراهقين والشباب وأحيانا عند كبار السن .
ومن خلال متابعتنا للإحصائيات العالمية حول الانتحار وتحديدا في بداية هذا القرن , بان حالات الانتحار في العالم تتجاوز ( 800 ألف حاله سنويا ) . ويعد مرض الاكتئاب النفسي السبب الرئيس وبنسبة 80 % من حالات الانتحار , ومرض الاكتئاب أنواع متعددة أيضا , إلا أن النوع الأساسي منه ويطلق عليه major depression , أكثر الأنواع انتشارا وتزداد معه عوامل الخطورة بالنسبة للإقدام على الانتحار , وهناك دلائل قوية نتيجة بحوث علمية وتشخيصية تؤكد على أن من حاولوا الانتحار , أو انتحروا فعلا كان لديهم اضطرابات نفسية معمقة.
والأعراض تكون في صيغة: مزاج هابط , وتفكير سوداوي , ومشكلات في الذاكرة والتركيز , وهلاوس وشعور بالعجز وفقدان القدرة على تحدي الصعوبات .... وغيرها من الأعراض البدنية , وصولا إلى أفكار الموت , ومن ثم قتل النفس متعمدا, وإجمالا الاكتئاب الحاد بحد ذاته يعد غضبا موجها نحو الذات.
ويضيف الدكتور / رمضان بركه , بان للاكتئاب والانتحار أسباب متعددة , منها ما هو خاص , وهناك أسباب عامه إلا انه في مجتمعنا الفلسطيني هناك خصوصية ويعزيها للاتي :-
أولا :- أسباب خاصة
• التفكك الأسري, وغياب ثقافة الحوار والاستماع الفعال للأبناء ، وينتج عن ذلك فقدان الأبناء لثقافة الرحمة والرقة واللين وأيضا فقدان الحنان والدفء العاطفي , مما يجعل الأبناء فريسة لمشاعر العزلة والعجز في مواجهة صعوبات الحياة.
• الكساد الاقتصادي وتفشي ظاهرة البطالة , وأوقات الفراغ الطويلة التي يقضيها الشباب بلا هدف, مما يجعلهم في حالة قلق وتوتر مستمر وتحديدا ( قلق المستقبل).
• غياب التربية الدينية المتزنة , وتعزيز ثقافة التحمل والصبر والصلابة النفسية في نفوس الأبناء , للتعامل مع المحن والأزمات الحياتية.
• وأيضا من الأسباب الخاصة, توافر نماذج للسلوكيات الانتحارية تؤثر في قرار الانتحار , وتحديدا إذا علم الشاب أو المراهق بان له صديق أو قريب انتحر أو حاول إيذاء نفسه سابقا.
• الانتحار غالبا ما يكون نتيجة الإحباط أو الفشل واليأس من إرضاء وتلبية حاجات القوة والحب والأمان النفسي والعاطفي والاجتماعي .
ثانيا :- أسباب عامة
*غياب الثقافة نحو علم النفس والعلاج النفسي تحديدا , وذلك يرجع لعدة اعتبارات , كالوصمة الاجتماعية, والقلق من المستقبل. كالخوف من عدم الزواج , أو عدم الحصول على وظيفة والتي هي أصلا لا توجد لانسداد الأفق. إضافة إلي غياب علم النفس التطبيقي في مجالاته المتعددة , وغياب العمل بروح الفريق بين أطباء الطب النفسي وأخصائيين علم النفس العيادي والصحي والاجتماعي ايضا .
* الحروب المتكررة ضد الشعب الفلسطيني, وما تخلفه هذه الحروب من أثار نفسية عميقة ( شدة ما بعد الصدمة) وغياب آليات التعامل معها تطبيقيا , وملْء الذاكرة الإنسانية بمشاهد القتل , وانتشال الجثث وتدمير الطبيعة والممتلكات وصوت رعب الطائرات.
* الأزمات الداخلية ، وأبرزها تفشي ظاهرة العنف والعدوان ضد بعضنا البعض, وغياب ثقافة الإسناد والتسامح والمحبة الأخوية بين أفراد المجتمع , حيث السائد ثقافة الأنانية والانتفاع الذاتي , وغياب ثقافة القانون والحقوق الفردية والجماعية .
- إجمالا يشير الدكتور / رمضان بركه , إلى أن الظاهرة أصبحت مركبة , مابين الشعور بالإعياء النفسي , ومن ثم الإقدام على إيذاء النفس أو قتلها ذاتيا , إضافة إلى تفشي ظاهرة الانتحار الغير مباشرة ( القتل داخل الأسرة) والتي لم نعهدها من قبل في مجتمعنا , كقتل الابن للأب والأم , وقتل الزوج لزوجته وتمزيقها اربأ , وقتل الزوجة لزوجها , وقتل الابنة لامها , وقتل الشاب لعمه....وغيرها من المشاهد التي تشير إلى تفكك الأسرة وغياب ثقافة الحوار والتسامح, وأصبح الإنسان في مجتمعنا أسيرا للضغوط وهي التي تتحكم في سلوكه, وهذا كله يحتاج إلى سبل علاج فعاله يشارك فيها كل ذوي الاختصاص وبشكل عاجل جدا , حيث أن تراكم الأزمات وترحيلها يعمق الآلام النفسية للإنسان الفلسطيني, وأصبحت ثقافة التبرير لا تجدي نفعا لا بد من وقفة نتائجية تأخذ بيد هذا الإنسان من مهاوي الاضطراب النفسي والاجتماعي. ونقترح سبل العلاج الآتية :-
* العمل على تعميم ثقافة الصحة النفسية في أوساط المجتمع, بحيث أنها لا تقل أهمية عن طب الأعضاء البشرية, لان حياة الإنسان هي نتيجة للتفاعل مابين العقل والنفس والروح والقلب والجسد ,وهنا تكمن الوسطية في التفاعل كما نادي بها الدين الإسلامي السمح .
* تفعيل برامج الإرشاد الديني, والتي تعمق المعاني والقيم الإنسانية المتعلقة بالحفاظ على النفس, والعمل على تفعيل آليات المواجهة الفعالة من خلال مهارات قوة التحمل والصبر والصلابة النفسية, وإشاعة الثقة بالنفس في أوساط الشباب , والتعامل بوضوح التفكير والبشاشة والنظر للمستقبل بايجابية. وإقناعهم بان طريقة الهلاك الذاتي غير مجدية لا في الحياة الدنيا ولا الآخرة.
* العمل علي إشراك الشباب في صنع القرار في العمل البناء وبناء المجتمع , والسعي قدر المكان في تسهيل مهمتهم نحو بناء أسره مستقرة ومعالجة ظاهرة البطالة ببرامج ولو مؤقتة .
* تنفيذ برامج إرشادية للتربية العقلانية في المدارس والجامعات , والأحياء السكنية , تعمل على تعميق مهارات التفكير العقلانية في التعامل مع المشكلات الشخصية والدراسية والحياتية بشكل مستمر ودائم.
* تعزيز ثقافة الإرشاد الأسري , بأساليب تربوية حكيمة تعتمد على التبادل في الحوار والاستماع , واستحضار التعامل بالرقة والرحمة واللين مع الأبناء , ومنحهم الدفء والحنان باستمرار. وإعطاء الأبناء هامش بشكل دائم للتعبير عن ذواتهم .
* استنهاض دور وسائل الإعلام بأنواعها المختلفة , للمساهمة في طرح سبل علاج فعالة من خلال إحضار خبراء علم النفس والاجتماع ومخاطبة الناس عبر برامج متنوعة للإفادة من الخبرة والتركيز على الصحة النفسية للمواطن الفلسطيني .
* وأخيرا على قادة السياسة في وطني أن يغادروا مربع الانقسام وبسرعة وبدون أي تردد لأنه أصبح وبالا على نفسية الشباب والكل الفلسطيني , والكل يأخذه شماعة سببية للتهرب من الواجب باتجاه الأرض والإنسان في فلسطين , واحذر الآن "الانتحار بشكل فردي, وما أخشاه برؤية واقعية الانتحار الجماعي في وطني ؟؟".


