يعتصر في الألم والغيظ عندما أرى ان بإمكاننا أن نقدم افضل ما عندنا ثم لا نستطيع او لا نريد وهذا هو مبعث الألم والغيظ .
لماذا لا نريد تغيير وسائل الحراك الشعبي الأن لتقليل الخسائر وتعظيم المكاسب ؟!
لماذا نصر على استخدام ما تم استخدامه واستنفذ منذ زمن بعيد ؟!
لماذا نبقى نعد قوائم الشهداء " وحصيلة شهداء اليوم " ونحن نستطيع ان نجعل من هذه الدماء درسا عظيما لنا ؟!
ولماذا لا نفاوض بعضنا البعض ونحن نقدر على ذلك ما دمنا نفاوض الإسرائيليين وغيرهم ؟!
ولكنني لن ابدأ بطرح الاسئلة قبل ان استكمل فكرتي التي تتلخص بالقول ان من المحرم نضاليا وانسانيا ودينيا ان يراوح الحراك الشعبي مكانه دون إنجاز ،او ،انتظار أن يضمحل أو يموت أو يتلاشى ، دون تقديم الدعم او الاطار او المكافأة التي تنتظره وينتظرها هذا الحراك . لا يمكن الحراك الشعبي فقط بمجرد تساقط الشهداء بدون سقف سياسي او هدفاً ما ، وخصوصا على خلفية الاستهتار الاسرائيلي بالدم الفلسطيني .والموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي من جهة ، وانحياز الادارة الامريكية الكامل والشامل والمستهجن من جهة اخرى ، وسكوت العالم العربي ، نخبة وجماهير ، على ما يحصل لشعبنا الفلسطيني . يبدو الحراك الشعبي بهذه الحالة وكأنه استنفذ ذاته ، من خلال البطش الاسرائيلي الذي يصور لنفسه انه سحق الحراك الشعبي في القدس المحتلة واخرجها من كل حاراتها وأزقتها وقراها ، وان استطاع اسكات اهلنا في الداخل عام 1948 . وان الانتفاضة تم حصرها على نقاط التماس او بعد الصلوات يوم الجمعة او عند خروج الجنازات .
لا يمكن أعطاء المحتل هذا الفهم او التصور ، ولا بد لهذا الحراك ان يغادر مكانه وأدواته ووسائله الى مستوى اخر من العمل الذي نختزله في امرين اثنين :
الاول : هو ان تنخرط فئات واطراف شعبية اخرى في هذا الحراك ، بحيث لا نترك مئه شاب على الحاجز يرجمون المحتل بالحجارة وسيارتا اسعاف تنتظران الشهيد ، ثم تحتفل به المدينة وتستمر الحياة . هذا نمط يجب ان يطور ويعظم ، بحيث تشترك المدينة كلها في رفض المحتل من خلال الموقف والسلوك والاداء . ويعني هذا الكلام استنساخ تجارب الشعوب التي سبقتنا على طريق الحرية او ابتكار اشكال جديدة ابدع شعبنا في تفصيلها حسب شروط المكان أو الزمان .
الثاني : هو ان تتحرك السلطة الوطنية الفلسطينية الى الامام وبسرعة ، عليها ان تلتقط اللحظة التاريخية حتى لا تضيع منها ولا يسبقها قطار التاريخ او حركة جمهورها . وهذا يعني برأيي سرعة الانسلاخ من كل ما يكبل حركة السلطة باتجاه توريط الاحتلال وتصعيب الامور عليه ، وهذا يتضمن ، اجراء المصالحة الفلسطينية مهما يكلف الامر ، وبذلك يكون هذا الموقف ردا على الموقف الامريكي المعيب ، وردا على الاستهتار بالدم الفلسطيني ، وردا على تطرف المحتل ، ان اجراء المصالحة الان ، سيحسن من وضع الشارع الفلسطيني وسيحول الحراك الشعبي عن مراوحة في المكان الى ابداع في العمل وتقليل في كلفة رحيل المحتل . احد اهم اسباب مراوحة الحراك في مكانه هو هذا الانقسام الطولي والرأسي في المجتمع الفلسطيني . اقول ذلك لان كل المراهنات سقطت ، فلا اسرائيل في وارد اية تسوية ولا امريكا في وارد الضغط او حتى الاهتمام ، فيما الاطراف الاخرى – الاقليمية وغيرها – معنية بتجاوز الموقف الامريكي والاسرائيلي . لهذا ، فإن المصالحة تقطع الطريق على اية مشاريع ترى في غزة انها الدولة الفلسطينية الموعودة ، كما ان المصالحة لا تخفف حياة الغزاويين فقط ولكنها ستجعل من م.ت.ف هي المظلة الاخيرة والشرعية التي تفاوض عن الفلسطينيين وتمثلهم في نضالهم وحربهم وسلمهم ، وهو ما سيسهل ايضا اعادة تعريف العلاقة مع اسرائيل . المصالحة انجاز يمكن ان يقدم للحراك الشعبي باعتباره انجازا وطنيا ومطلباً شعبيا حقيقا ومخرجا للأزمات كلها .
برأيي ان الرئيس محمود عباس يستطيع ان يتحرك – هو يفعل – على كل المستويات الدولية والاقليمية والفلسطينية ، ويجب ان لا يعبأ بالمواقف المتشددة أو الرافضة للمصالحة ، وعلى رأسهم حركة حماس الغير معنية الان بالانخراط بهذا الحراك الشعبي أو حتى بالمصالحة . واذا كان سيادة الرئيس يسمع بأذنيه مواقف الاطراف القريبة والبعيدة – وهي غير مشجعة في معظمها – بأن ورقته الرابحة الان هي اعلان المصالحة ردا على كل المواقف ، التي غسلت يديها من القضية الفلسطينية او تلك التي ترغب في ذلك ، والى اولئك الشرفاء الذين يرون ان فلسطين موحدة هو الموقف الذي يساعدهم في تقديم المساعدة . هكذا يكون قطع الطريق على كل اصحاب المشاريع الصغيرة وحفظ دم شبابنا الذين استشهدوا دفاعا عن الوطن كل الوطن ، ونكون بذلك لا نراوح مكاننا .


