كان يملك فلسفته الخاصة في إبقاء الفؤاد متسعاً قدر امتداد ساعديه الممدودتين للجميع، حريصاً على إشعار كل متعامل معه بخصوصية علاقتهما، فيسأل ليطمئن عن أمر ذكر له منذ عام عامين أو أكثر، يغرق في تفاصيل الاستفهام بحرص صادق وجليّ، يحفظ الأسماء والوجوه والتواريخ والسير الذاتية، الذهن حاضر ومتفتق لكل ما يكتب ويحكى ويروى ويقص ويتلى ويجسّد.
نور المثقف والفيلسوف، من الفنانين القلائل الذين يدرسون الشخوص قبل البدء بتقمصها، فكانت قراءاته للنصوص نقدية اطّلاعية، ويبحث في البعد الجسمي والنفسي والسلوكي والاجتماعي والتربوي لتلك الشخصيات، ومما ربّى لديه تلك الموهبة هو تلك الثقة الكبيرة التي منحه إياها الأديب الكبير نجيب محفوظ الذي قال عنه : «إن نور الشريف حينما يمثل لا يكون ذاته وإنما يكون الشخصية التي رسمها»، شهادة محفوظ جاءت بعدما قدّم من أعماله أفلاماً سينيمائية تغوص في تكوين الشخصية المصرية ومكنوناتها وهي «قصر الشوق» و»السراب» و»السكرية» و»الكرنك» و»المُطارَد» و»وصمة عار» و»أصدقاء الشيطان» و»قلب الليل»، وحول النتائج الاجتماعية للانفتاح الاقتصادي في مصر قدم من أعمال محفوظ أيضاً الشيطان يعظ وأهل القمة، تاركاً بصمةً في أدوار شقت أثلاماً في الذاكرة السينيمائية العربية، كما كان عاشقاً لجابريل جارسيا ماركيز، يبدي إعجابه الدائم بقدرته السردية الأخّاذة، وكذلك قدّم تحدياً كبيراً حينما خاض تجربة رائعة ديستوفسكي «الإخوة كارامازوف» في واحد من أفضل أفلام السينما المصرية الأخوة الأعداء، ليقدم خلاله أحد أفضل أدوار الملحد في السينما العربية.
كان نور الشريف فلسطيني الانتماء والهم والاهتمام، يناقش القضية الفلسطينية كممارس متمرّس مدرك لمنعطفاتها وتعقيداتها، يتحدث عن ذكرياته مع أبي عمار بحلوها ومرّها، يذكر ويتذكر بحماسة مشاركته كضيف مراقب في المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في العام 1988، يتحدث بدراية فذة في تباينات المشهد الفلسطيني بغيرة صاحب البيت لا بحياد الصليب الأحمر، يجشّ صوته ويصدح بما يحفظ من أبيات لدرويش وراشد حسين وسميح القاسم وأحمد دحبور، يتابع جلّ ما يتاح له من أعمال فنية فلسطينية، ويزور العديد من الطلبة الفلسطينيين الدارسين في المعهد العالي للسينما أثناء مشاريع تخرجهم، كان يؤمن ويمارس معتقده بأن فلسطين هي خط الدفاع الأول عن المنطقة برمتها، وأن الثقافة والذاكرة هما ضمان ديمومة فلسطين على الخارطة.
تشرفت بالتعرف الى نور الشريف في العام 2007 ، كنت أعمل وقتئذ في مكتب قناة الفلسطينية بالقاهرة، حيث تلقيت اتصالاً هاتفياً من صديق عمره الإعلامي الفلسطيني أسعد الشريف، أخبرني أنهم بصدد إنجاز مسلسل عن الصراع العربي الصهيوني بإسم «ماتخافوش»، وأن الأستاذ نور يود الحديث معي في ذلك الشأن، جاء صوته ودوداً وصارماً في الوقت ذاته، يتحدث بإخلاص تلميذ مجتهد، وبأستاذية معلم مخضرم، تحمست للمشروع بشدة وأنجزت المواد الأرشيفية الخاصة بالنكبة والنكسة والكرامة وبيروت 82 في خلال أسبوعين، لأجده يرسل لي بعدها رسالة شكر بخط يده، ويعقبها بمكالمة هاتفية بدأت بالشكر ولم تنته إلا بعد استذكار أكثر من عشرين عملاً فنياً عربياً ناقشت القضية الفلسطينية.
كنت استمتع بنقاشه عقب كل حديث أو لقاء تلفزيوني أوعمل فني يتعرض خلاله لفلسطين، كان يدافع عن معتقداته بيقين تام، واتسع صدره لوجهة نظري الناقدة لمسرحيته «لن تسقط القدس»، وفي الفترة الأخيرة اتصلت به طالباً منه أن يطلّ على جمهوره الفلسطيني على شاشة التلفزيون الرسمي، وافق على الفور، اتصلت بالإعلامي محمد الصانوري المتواجد وقتذاك بالقاهرة والذي أنجز لقاءً هاماً تحدث خلاله عن رؤية خاصة لفلسطين بعين فنان عربي يمتلك استرتيجية فنية بعيدة المدى.
كنت أرسل له أحدث إصدارات الرواية والشعر لما يتيسر لي من أعمال شباب أدباء فلسطين، كان يقرأ معظم ما يصله من كتب، وكان شديد الصراحة في إبداء آرائه بتلك الأعمال، وكان آخر ما أرسلته هو رواية «حياة معلقة» للأديب عاطف أبو سيف، كان السقام قد بدأ في إرهاقه، سألته عما اذا كانت القراءة تتعبه فنفى بشدة، بعد شهرين اتصلت به للاطمئنان عليه، وعرجت على الرواية التي لم أسمع رأيه بها فقال : تراجيديا تبدأ بجنازة وتنتهي بجنازة، رواية جميلة ومكتوبة بحرفية.
في غرة آذار- مارس من العام الجاري اتصل بي أمين سر المكتب التنفيذي للجنة الوطنية للقدس عاصمة دائمة للثقافة العربية موسى أبو غربية ليبلغني أن اللجنة قررت بالإجماع منح جائزة القدس للثقافة والإبداع للفنان الكبير نور الشريف، وطلب إبلاغه بالجائزة وتحديد موعد ملائم لمنحه إياها، وبعد أسبوعين كان أسعد الشريف وموسى أبو غربية وأنا في منزل نور الشريف لتسليمه الجائزة، كان منهكاً للغاية وبدا أن ثمة حالة صراع بين الداء والدواء في جسده، كان شامخاً ويقظاً بالرغم من تثاقل الحركة واللسان، غالب اللغة ليخبرنا بأن تلك الجائزة التي تحمل اسم القدس تعني له أكثر من حدود خيالنا، وأنه كان يتمنى أن يحصل عليها في فلسطين التي شكلت بوصلة دائمة لفكره ووجدانه.
في يوم الثاني عشر من آب أغسطس كان مسجد الشرطة في ضاحية السادس من أكتوبر غرب القاهرة يحتضن جثمان الفنان الكبير، وكان كبار الفنانين وصغارهم، والعمال والفلاحون والكتّاب والصحافيون والأكاديميون والطلاب والإعلاميون والسياسيون، كانت كل فئات الشعب المصري تشارك في جنازة مهيبة لفنان عاش وقضى قريباً من الناس، يعيش همومهم، ويتبنى قضاياهم، ولكل منهم معه قصة وحكاية لم تنته بالرغم من سكون جسده في لحد اعتلاه إكليل ورد تأطّر بكوفية وعلم فلسطين التي سكنته حتى الرمق الأخير.