لم يجد حرجاً الموظف الكبير حين قال بأن قطاع غزة لم يعد صاحب تاثير في صناعة القرار، وبات عليه تنفيذ القرارات التي تصل إليه عبر الفاكس من تونس الجديدة "رام الله"، أسوة بما كان عليه الحال في الإنتفاضة الأولى، وحقيقة الأمر أن تونس لم تكن تتدخل في فعاليات الانتفاضة اليومية بل تركت أمرها للقيادة الوطنية الموحدة للإنتفاضة على قاعدة "أهل مكة أدرى بشعابها"، وغالباً ما حمل الفاكس القادم إلينا من تونس توجيهات تتناغم مع السياسة العامة دون الخوض في تفاصيل العمل الميداني، ولا نجافي الحقيقة إذا ما قلنا بأن القيادة الفلسطينية في تونس في كثير من الأحيان تبنت الخيارات التي حددتها القيادة الموحدة للإنتفاضة، بالتأكيد أن هذا لم يقلل بالمطلق من شأن القيادة الفلسطينية بقدر ما أعطى قيادة الانتفاضة مساحة للعمل كي لا تتحول إلى حجارة شطرنج يتم تحريكها عن بعد عبر الفاكس، وهذه الفلسفة في العمل تكفلت بإفشال كافة مخططات حكومة الاحتلال التي حاولت من خلالها خلق فجوة بين الداخل والقيادة الفلسطينية في تونس.
لم يعد بالأمر الهين تجميل الواقع وإخراجه عن سياقه الذي بات يدركه الصغير قبل الكبير، حيث المشاكل التي يعاني منها أبناء قطاع غزة بقيت على حالها دون أن يلوح في الأفق بوادر حل لها، بل تم إضافة المزيد منها، ففي الوقت الذي كنا نتطلع فيه لمعالجة مشكلة البطالة التي استفحلت في القطاع ومعدل الفقر الذي تصاعد بوتيرة مرعبة، والإسراع في إعادة إعمار قطاع غزة ومداواة جراحه، والعمل الجاد لإنهاء حصار قطاع غزة وإطلاق سراح سكانه من السجن الكبير الذي يقيمون فيه، وإنهاء الكثير من المشاكل العالقة بدءاً من تفريغات 2005 والعلاوات والترقيات الخ وإنتهاءاً بإضافة المولود، إلا أننا عوضاً عن ذلك بتنا نعاني من تصدير المزيد من الأزمات إليه سواء عبر سياسة الفصل من العمل أو التهميش أو التعامل مع قطاع غزة بصفة القاصر الغير مؤهل للإستماع إليه.
الحقيقة التي بات يدركها الجميع سواء عبر عنها أصحابها صراحة، أم حاولوا القفز عنها حفاظاً على ماء الوجه، فإن قيادات حركة فتح في قطاع غزة من اللجنة المركزية والمجلس الثوري ومعهم اعضاء المجلس التشريعي باتوا لا حول لهم ولا قوة، ولا يجدوا حرجاً في الإستعانة بالمثل "العين بصيرة واليد قصيرة".
إن ابتعاد غزة بجغرافيتها عن مشهد صناعة القرار الفلسطيني لا يمكن له أن يؤسس لحالة صحية سليمة، وإن حاول البعض تزوير الحقيقة من خلال الإلتحاق بجوقة المطبلين والمهللين، إلا أن ذلك لا يقلل البتة من حجم المرارة العالقة في تفكير الكثير من أبناء الحركة في قطاع غزة، وأعتقد أنه بات على قيادة الحركة أن تستمع إلى أنين غزة، والتعاطي الجاد مع المشاكل التي يعاني منها القطاع وإيجاد الحلول الملائمة لها، إن ما يقال عن الاهتمام بقطاع غزة وهمومة لا يلامس الحقيقة في شيء، والحقيقة التي لم يعد بمقدورنا الصمت عليها ليس فقط ما يتعلق منها بسياسة تهميش غزة، بل ايضاً بما يتم تصديره إليها من أزمات.


