خبر : الصمود هو عنوان المرحلة ...محمد ياغي

الجمعة 01 مايو 2015 09:23 ص / بتوقيت القدس +2GMT



لم تخدم الظروف الإقليمية والدولية القضية الفلسطينية منذ نكبة العام 1948 وبالتالي كانت حركة التحرر الوطني الفلسطيني، وعلى خلاف مثيلاتها في دول أخرى، مسكونة دائماً بسؤال ما العمل بعد كل تغير جوهري في البيئة التي تعمل بها. وبغض النظر عن صحة أو خطأ الخيارات السابقة للحركة الوطنية الفلسطينية فإن البيئة المحلية والإقليمية والدولية اليوم تفرض خيارات ومسارات عمل محدودة في قدرتها على فرض حل يمثل الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني: دولة على الأراضي التي احتلتها إسرائيل العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وحل مقبول لقضية اللاجئين. 
في الجانب المتعلق بإسرائيل فإن خيار المفاوضات مع حكومة يمينية متطرفة قد وصل الى نهايته منذ زمن بعيد. تصريحات نتنياهو بشأن رفضه لإقامة دولة فلسطينية أثناء حملته الانتخابية كشفت للعلن ما يعرفه الفلسطينيون عن اليمين الإسرائيلي منذ أيام بيغن وبعده شامير. بيغن مثلاً رفض خلال مفاوضات كامب ديفيد مع مصر أي حديث عن دولة فلسطينية وكان على استعداد لإنهاء المفاوضات معها لو أصرت الأخيرة على ربط "السلام" مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. شامير أعلن صراحة بأن خطته للمفاوضات هو في تحويلها الى سباق ماراثوني يمتد لعشرين عاماً بدون نتائج، وها نحن اليوم في النصف الثاني من العشرية الثالثة على بدء مفاوضات مدريد وبدون نتائج. نتنياهو يسير على نفس المسار. المفاوضات لم تعد خياراً لأن إسرائيل بقياداتها اليمينية  بددت الأوهام التي كانت تعطي المفاوضات القليل من الأمل بأن لها نهاية، وأن هذه النهاية قد تكون مقبولة ويمكن التعايش معها.
البيئة الإقليمية أيضاً تحاصر خيارات الفلسطينيين ولا تعطيهم فرصة للدفع بخيار المقاومة العنيفة حتى لو اكتسبت طابعا شعبيا. أقصد خيار الانتفاضة الأولى. عاصفة الحزم أثبتت بأن أولويات الدول العربية ليست القضية الفلسطينية ولكن مواجهة ما يسمى بالنفوذ الإيراني في المنطقة. نحن نعلم مثلاً أن غالبية الدول العربية لم تكن في يوم من الأيام ومنذ رحيل جمال عبد الناصر مع مقاومة فاعلة ضد إسرائيل وبأنها سعت الى "تدجين" ومحاصرة المقاومة الفلسطينية، لكنها بقيت تعطي الانطباع أمام شعوبها على الأقل بأن فلسطين قضيتها الأساس. اليوم لم تعد العديد من الدول العربية "تخجل" من الحديث عن التقاء مصالحها مع إسرائيل بما في ذلك التنسيق المشترك ضد إدارة أوباما بسبب وقوفه خلف المفاوضات مع إيران. 
يضاف لذلك بأن الشعوب العربية نفسها قد أصبحت في مواجهة صريحة مع أنظمتها أبعدتها ولو مؤقتاً عن التركيز على القضية الفلسطينية. سورية والعراق مثلاً خرجتا أنظمة وشعوباً من دائرة الصراع مع إسرائيل. النظامان في البلدين مشغولان في الحرب على الجماعات التكفيرية، والشعبان مشغولان في صراع من أجل بقاء لا يوجد فيه مساحة للقضية الفلسطينية. حتى حزب الله الذي يخيف إسرائيل أكثر من جميع جيوش الدول العربية مجتمعة، يصارع من أجل بقائه في مواجه مفتوحة وشرسة مع جماعات تريد تدميره بكل الطرق. في اليمن وليبيا لا توجد دولة. مصر الدولة تصارع على جبهتي الأزمة الاقتصادية وسيناء حيث جماعة بيت المقدس التكفيرية. الشعب المصري منقسم على نفسه بين داعم لسلطة قامت بانقلاب على رئيس منتخب، وبين رافض للانقلاب. لا مساحة للقضية الفلسطينية في مصر اليوم لا على أجندة وزارة خارجيتها ولا على أجندة القوى المدنية المصرية. مثلاً، لم يعد يذكر معبر رفح المغلق بإحكام منذ سنتين أحد اليوم. حتى الأردن وبالرغم من ان الفلسطينيين يشكلون نصف سكانه مشغولون أكثر بما يجري في سورية والعراق وليس بما يجري في فلسطين. 
البيئة الدولية أكثر ملاءمة للفلسطينيين وتعطيهم مجالاً لخيارات أوسع لكن طبيعة هذه الخيارات محدودة أيضا لأنها تحرمهم من الحق في المقاومة. مثلاً، حكومات الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والعديد من الدول الأوروبية لا تتعاطف مع حكومة اليمين الإسرائيلي وتدرك رفضه لخيار حل الدولتين، وقد تكون على استعداد لتسهيل قرارات ذات طبيعة معنوية وقانونية ضد إسرائيل في مجلس الأمن ومؤسسات دولية أخرى لكنها في الوقت نفسه ليست في وارد فرض حلول على إسرائيل بالقوة أو القبول بحق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة.  
في وضع كهذا- مغلق محليا وإقليميا، فإن خيارات الفلسطينيين محدودة جداً. المقاومة العنيفة في الضفة الغربية تحديداً، حيث بنية المقاومة ضعيفة جداً، لا تستطيع إيصالهم لأهدافهم وستكون سبباً في زيادة معاناتهم بدون جدوى. انتفاضة شعبية نصف عنيفة كما حدث في ثمانينيات القرن الماضي ستجعل تكلفة الاحتلال مرتفعة، لكن بوجود الجدار العازل وبغياب القدرة على التأثير في الشعوب العربية، وفي الصراع على الصورة في الإعلام الغربي مع كل ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم فإن التكلفة لن تكون مرتفعة بما يكفي لتحقيق هدف الدولة الفلسطينية، وقد يكون من نتائجها انهيار السلطة الفلسطينية بلا بدائل فاعلة تعوض الفلسطينيين عنها. 
الحل في وضع كهذا هو في اللجوء الى الصمود بكل ما تحمله الكلمة من معنى وفي تفعيل وسائل المقاطعة لإسرائيل. الصمود هنا يعني تثبيت الفلسطينيين على أرضهم بخلق فرص عمل، تطوير التعليم والصحة، توسيع مساحة الأراضي التي يمكن زراعتها والأراضي التي يمكن البناء عليها، خلق المزيد من منظمات العمل المدني، والمؤسسات الثقافية والرياضية.  بشكل مختصر، المطلوب الاستثمار في بناء كل ما من شأنه ترسيخ الهوية الفلسطينية بحيث تصبح واقعاً لا يمكن لسلطة الاحتلال أو قوى إقليمية أو عالمية تجاهلها. في الوقت نفسه الاستثمار في قوى المجتمع المدني التي تعمل على توسيع المقاطعة لإسرائيل في الدول الغربية حتى تتمكن من القيام بمهامها. 
باختصار، عندما تكون المنافذ مغلقة أمام حركة التحرر الوطني باتجاه هدفها الأساسي، فإن التركيز على البناء الذاتي هو في حد ذاته خطة عمل لمرحلة قد تستمر لسنوات حتى تصبح البيئة الإقليمية على الأقل مواتية لخطة موازية.