خبر : مركز الإمارات للدراسات يختتم أعمال مؤتمره السنوي العشرين بتوصيات لمواجهة التهديدات الفكرية والأمنية في المنطقة

الخميس 02 أبريل 2015 09:42 ص / بتوقيت القدس +2GMT
مركز الإمارات للدراسات يختتم أعمال مؤتمره السنوي العشرين بتوصيات لمواجهة التهديدات الفكرية والأمنية في المنطقة



ابوظبي – جمال المجايدة
اختتم مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، بعد ظهر يوم الأربعاء الموافق الأول من إبريل 2015، أعمال مؤتمره السنوي العشرين، الذي استمرَّ يومين، وحمل عنوان "الشرق الأوسط: تحولات الأدوار والمصالح والتحالفات"، بتوصيات مهمَّة لمواجهة التهديدات الفكرية والأيديولوجية والإرهابية والأمنية، التي تتعرَّض لها منطقة الشرق الأوسط، ورؤية استراتيجية ترسم خريطة طريق آمنة لبلدان المنطقة؛ من خلال تعزيز العلاقات البينية، وتفعيل تكامل العمل العربي والخليجي المشترك، وتطوير آلياته بما يتلاءم مع ما تشهده المنطقة والعالم من تحولات الأدوار ومصالح الدول الإقليمية والكبرى والتحالفات السياسية والأمنية والاقتصادية الجديدة.
وفي كلمته الختامية في المؤتمر، قال الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية: يشرِّفني أيها الإخوةُ والأخواتُ، ونحن نختتم أعمال مؤتمرنا السنوي العشرين "الشرق الأوسط: تحولات الأدوار والمصالح والتحالفات"، الذي عُقِد على مدى يومين متتاليين لتحليل أبعاد التهديدات الأمنية في المنطقة، وتسليط الضوء على الظواهر التي تتفاقم خطورتها وتهديدها للأمن والسلام والاستقرار بالمنطقة والعالم، كظاهرة الإرهاب العابر للحدود، واستراتيجيات التعامل معه، ومستقبل التحالف الدولي ضده، إضافة إلى بحث ظاهرة الاستقطاب الديني والطائفي الذي بدأ يتصدَّر المشهدين السياسي والأمني في المنطقة.

وكانت الجلسة الثانية، التي حملت عنوان "التهديدات الأمنية في الشرق الأوسط"، ورأسها الدكتور فيصل عبيد العيان، نائب الرئيس التنفيذي لأكاديمية ربدان، في دولة الإمارات العربية المتحدة، قد تناولت ورقة بحثية بعنوان "الدولة الوطنية العربية في مواجهة تنظيمات ما دون الدولة"، وقدمها الدكتور عمرو الشوبكي، الخبير في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والبرلماني السابق في جمهورية مصر العربية، وأكد فيها أن موضوع الدولة الوطنية طُرِح في الفترة الأخيرة، ليس في إطار النقاشات البحثية في أدبيات العلوم السياسية المتعلقة بأوروبا والعالم العربي (تجربة دولة محمد علي في مصر)، بل في إطار النقاش السياسي، بعد تجربة الغزو الأمريكي للعراق، وتفكيك الدولة الوطنية، وتلت ذلك تداعيات على الدول العربية، وارتبط ذلك بتحديات داخلية وإقليمية.
وقد ظهرت العولمة والمنظمات العابرة للحدود والقارات وشبكة الإنترنت، وتطوَّرت أدوات الدولة بصورة مختلفة عن النمط التقليدي قبل الحرب العالمية الثانية.
وأشار الدكتور الشوبكي إلى أن ما نشهده في العالم العربي من التحديات للدولة الوطنية هو نوعان: يتمثل الأول في قيام تنظيمات عقائدية تستهدف الدولة الوطنية، وتريد السيطرة عليها، والوصول إلى السلطة (كجماعة الجهاد، والجماعة الإسلامية في مصر، والجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر). وتقوم هذه التنظيمات على فكرة مواجهة ما تسميه "العدو القريب"، وتهدف إلى إسقاط الدولة. وقد نجحت الدولة الوطنية في كسر شوكة هذه التنظيمات قبل انتقالها إلى الطور المُعولَم.
أما في السنوات العشر الأخيرة؛ فقد تغيَّر الوضع؛ بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فقد جرى إسقاط الدولة الوطنية، وظهر نوع ثانٍ من التحديات يتمثل في ظهور تنظيمات "انتقامية"، وليست "عقائدية"، وقد ازدهرت هذه التنظيمات في بيئة تشهد انحيازاً طائفياً في العراق وسوريا، وأصبح استقطاب العضو في هذه الجماعات وتجنيده لا يحتاجان إلى سنوات على نحو ما كانت عليه الحال في السبعينيات من القرن الماضي؛ بل قد لا يتعدى الأمر أسابيع أو أشهراً ليفجِّر نفسه. وقد تراجع المكوِّن العقائدي إزاء تزايد ظروف الإحباط الاجتماعي والتهميش الطائفي والمال السياسي الذي يوظَّف لتجنيد الأتباع.
واعتبر الشوبكي أنه في ظل هذا المشهد الجديد ظهرت تحديات جديدة للدولة الوطنية؛ إذ شهدت المنطقة العربية ظهور ثلاثة مسارات عقب ما سُمِّي "الربيع العربي" تتمثل في مسار تغيير النظام مع المحافظة على الدولة الوطنية (تونس ومصر)، ومسار تغيير النظام مع إسقاط الدولة الوطنية (العراق وليبيا، وثمَّة تهديد بحدوث ذلك في اليمن)، ومسار الإصلاح التدريجي (دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والأردن، والمغرب).
وبعدها قدَّم فارس بن حزام، رئيس تحرير قناة العربية الإخبارية في دولة الإمارات العربية المتحدة، ورقة بحثية حملت عنوان "استراتيجيات التنظيمات الإرهابية: تحولات الفكر والممارسة" أكد فيها أننا اليوم أمام عالم جديد من الإرهاب في ممارساته وأساليبه، جسَّده في أوضح صورة تنظيم "داعش" الإرهابي، الذي يستعجل تحقيق النتائج، ويمارس وحشية غير مسبوقة في عملياته الإرهابية، مكَّنته من تحقيق مكاسب سريعة وخطرة تتمثل في السيطرة على أراضٍ واسعة وإدارتها، واجتذاب أعداد كبيرة من المتطرفين والجهاديين من مختلف دول العالم. وقد تجاوزت خطورة هذا التنظيم وعملياته الوحشية الحدود الوطنية والإقليمية إلى النطاق العالمي الأوسع نطاقاً. وقد وصل هذا الحضور الطاغي والسريع لتنظيم "داعش" إلى مرحلة يكاد معها أن يلغي وجود تنظيم "القاعدة" وتأثيره لدى الجماعات المتطرفة؛ بحكم ما يملكه "داعش" من قدرات مالية وعسكرية كبيرة، وسيطرته على مدن وبلدان مكنته من إعلان إقامة دولته للخلافة.
ويفرض علينا هذا التطور الذي تشهده الظاهرة الإرهابية تبنِّي رؤية استراتيجية جديدة تستطيع التصدِّي للإرهاب، ومواكبة ما يشهده من تحولات وتطورات خطرة، ويجب أن تأخذ هذه الاستراتيجية في الاعتبار فارق الطموح بين تنظيمي "داعش" و"القاعدة"؛ فالأول يسعى إلى تحقيق نتائج فورية وسريعة، في حين لا يستعجل "القاعدة" النتائج، ويسعى إلى تحقيق أهدافه، ولاسيَّما فيما يتعلق بإقامة دولة الخلافة، في مراحل لاحقة.
وبعدها قدم الدكتور محمد الحدّاد، أستاذ كرسي اليونيسكو للدراسات المقارنة للأديان، رئيس المرصد العربي للأديان والحريات في الجمهورية التونسية، ورقته البحثية بعنوان "الاستقطاب الطائفي والديني في منطقة الشرق الأوسط"، وقال فيها إننا نتحدث كثيراً عن الدين من دون أن نحدِّد المقصود بالكلمة، ومن دون أن نعرف أنها ينبغي أن تُقسَّم إلى قسمين كبيرين: الأول، العقيدة والشعائر، وهي خاضعة لأحكام معيارية. والقسم الثاني يتصل بالتاريخ الديني، والتاريخ المجتمعي والسياسي للدين، وهذا الجانب لا يُدرس بما يكفي، وليس في جامعاتنا العربية اهتمام به.
وأكد الحداد أننا يجب أن نعرف أهمية إدخال العامل الديني كعنصر من عناصر فهم التغيرات الاستراتيجية في العالم، ولو كانت لدينا رؤية تاريخية أوسع، وعلى مدىً أطول، لوجدنا حلولاً كثيرة لمشكلاتنا، وهناك تراث إنساني كوني في هذا الجانب يمكن الاستفادة منه؛ حتى لا نكرر الأخطاء نفسها.
معتبراً أن الدولة الوطنية، أو الدولة الأمة، أو غيرهما من المصطلحات المناظرة، هي كلها تسميات لشكل نراه في العصر الحديث، ولم يظهر شكل آخر يمكن أن ينافسه. ويؤدي الخروج عن ضوابط الدولة الوطنية إلى الانهيار، لكن الدولة الوطنية ليست شكلاً ثابتاً؛ فهناك اختلافات بين زمن وآخر، ومنطقة وأخرى، وثقافة وأخرى.
وكانت أهم التوجهات الأيديولوجية في العالم العربي، منذ عقود، ترفض الدولة الوطنية، وترنو إلى شيء يتعالى عليها، ونرى ذلك في الأيديولوجيا الإسلامية أو اليسارية أو القومية أو أفكار الخلافة؛ ففكرة الخلافة في الحقيقة لم تأتِ بها "داعش"، بل هي موجودة في ثقافتنا ومقرراتنا الدراسية وأفكارنا المتداولة.
ومن جانب آخر هناك التدخلات الخارجية التي قوَّضت الدول العربية، مثلما حدث من جانب الولايات المتحدة الأمريكية في العراق؛ وأنا لست ضد التدخل كمبدأ، لكن ضد النتائج التي تمثلت في إسقاط الدولة. وهذا ما حدث في ليبيا أيضاً؛ لأن أحداً لم يفكر فيما بعد إسقاط القذافي.
وأكد الحداد أن هناك أملاً في عملية "عاصفة الحزم"؛ لأنها تعكس نوعاً من إغلاق دائرة وصلت إلى نهايتها. هذه الدائرة بدأت مع الثورة الإيرانية، وتقديم إيران نفسها بوصفها دولة إسلامية؛ لكنها في الحقيقة دولة شيعية. واستعمال كلمة إسلامية من جانب دولة ما يعني أن المصالح المرتبطة بجهة معينة يُراد لها أن تصبح مصالح الجميع. ولا يمكن أن تكون هناك سياسة دينية بالمعنى المطلق، بل استخدام للدين لتحقيق مصلحة سياسية؛ ففي "عاصفة الحزم" نرى للمرة الأولى رد فعل يقول "لنا مصالحنا، ولكم مصالحكم". وأنا لست مع الحرب السُّنية-الشيعية، لكنني مع الحوار الذي يحترم مصالح كل طرف. وعلينا ضبط الوضع الديني في مجتمعاتنا؛ لأنه وضع منفلت، وهو ما يسمح للخارج بالتدخل والاستفادة من هذا الانفلات. وأمامنا ثلاثة اختيارات لضبط الوضع الديني:
أولاً- الحياد الديني للدولة، وهو أمر يصعب تحقيقه عملياً.
ثانياً- إقامة هيئة عابرة للأوطان أقرب إلى نموذج "البابا المسلم"، على النمط الذي يعكسه "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، على سبيل المثال، وهو حل خطر، ولا يمكن أن ينافس في الحقيقة عولمة "القاعدة" و"داعش".
ثالثاً- الإصلاحية الوطنية، أو الوطنية الإصلاحية، أي العودة إلى البدايات، وإلى جهود المصلحين الفكريين الذين حاولوا التوفيق بين الدين والدولة الوطنية، وتطوير هذه الجهود.
وفي الجلسة الثالثة، التي حملت عنوان "التوازنات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط"، ورأسها مقصود كروز، المدير التنفيذي لمركز هداية في دولة الإمارات العربية المتحدة، قدم السفير ريتشارد ميكبيس، المدير الإداري في مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية بالمملكة المتحدة، ورقة بحثية بعنوان "العلاقات والتحالفات الدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط"، قال فيها: يُعقد هذا المؤتمر بينما تشهد المنطقة تغيّرات لا مثيل لها من قبل؛ فقد تابعنا الانتخابات الإسرائيلية؛ وها هي المفاوضات مع إيران تدخل مرحلة حاسمة؛ وقد أسفر الوضع في اليمن عن اقتراح تشكيل قوة عربية، وهذا تطوّر إيجابي بحدّ ذاته.
وبالنظر إلى بعض الاتجاهات الدولية الحالية ومثيلاتها التي جرت طوال السنوات الأربع الماضية، والتي أدت إلى عدم الاستقرار في المنطقة، لا بد من الإشارة إلى أن حدود العديد من دول المنطقة قد رُسِمت في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وتعدُّ جغرافيا المنطقة، وموقعها الاستراتيجي، ومواردها النفطية، مهمة جداً؛ ولن يحد النفط الصخري من أهميتها. وتتصف هذه المنطقة بالتنوع، حيث يعيش الناس من أديان شتى معاً في وئام وانسجام؛ ولا أدل على ذلك من دولة الإمارات العربية المتحدة. وكذلك يجب علينا أن نحذر الميل إلى القول إن الإسلام أو المسلمين هم لبُّ المشكلة؛ إذ إنهم أغلبية ساحقة، ويمثلون الحل.
وقال الباحث إن أوروبا لا تزال تعاني تداعيات الأزمة المالية؛ الأمر الذي يؤدي إلى ظهور الأحزاب المناهضة للهجرة، والتي تتحوّل من انتقاد السياسة إلى انتقاد البلاد التي جاء منها المهاجرون. ولقد أثار تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بخصوص ليبيا وأوكرانيا الشكوك أيضاً حول أبعاد التدخّل الدولي. وسيكون من المثير للاهتمام أن نرى كيف ستبدو علاقتهما في أعقاب ما ستتمخض عنه المحادثات النووية الإيرانية في لوزان.
ولقد أثّرت تداعيات ما جرى في العراق وأفغانستان في الرأي العام وفي صانعي القرار. وثمة شكوك تدور حول التسرّع في اللجوء إلى التدخل العسكري قبل تحديد مَنْ هو العدو. ويجب أن تكون هناك خطة إيجابية مُعدّة قبل هذه التدخّلات؛ فالرئيس الأمريكي باراك أوباما حاول في ولايته الأولى إخراج أمريكا من حربي العراق وأفغانستان، وعدم اللجوء إلى العمل العسكري إلا بوصفه حلاً أخيراً. ومع ذلك، لم تحقق الولايات المتحدة الأمريكية أي تقدم في موضوع فلسطين، مع أن خطاب أوباما الشهير في القاهرة أشار إلى نهج أمريكي جديد، بما في ذلك إحياء عملية السلام، والتركيز على المستوطنات، ولكن الحكومة الإسرائيلية ضربت بالسياسة الأمريكية عرض الحائط.
وأضاف ريتشارد ميكبيس أن الحكومات الغربية أخذت مطالبَ التغيير التي ملأت الشوارع في السنوات الأخيرة على محمل الجدّ عموماً، وتدور عمليات الحوار الآن مع شتى البلدان؛ وبالرغم من أن التدخل الدولي في ليبيا قد حقق هدفاً عسكرياً، فإنه لا يمكن تأكيد تطابقه مع الهدف السياسي. وللمشكلات جذور أعمق في سوريا، حيث ينعدم التضامن بشأنها في مجلس الأمن، ونحن نواجه الآن تحدي "داعش" واليمن.
وشدد الباحث على أننا في جميع الأحوال لا بدّ لنا من التعامل مع الواقع والعمل معاً. وأضاف: أود هنا أن أكرر تعليق رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، فؤاد السنيورة، بأن الحل هو في يد دول المنطقة، وسيتحقق النصر في المعركة الأيديولوجية ضد "داعش" في المنطقة، لكن النصر في المعركة العسكرية يتطلب المزيد من الدعم الدولي.
وبعدها قدم الدكتور بول ستيفنز، الباحث المتميز في معهد تشاتام هاوس بالمملكة المتحدة، ورقة بحثية بعنوان "قضايا الطاقة في استراتيجية القوى الإقليمية والدولية" أشار فيها إلى أن الطاقة يمكن أن تلعب دورين في التفكير الاستراتيجي لأي دولة؛ إذ يمكن لها أن تشكل، أولاً، أحد أهداف السياسة الاستراتيجية، كما يمكن لها أن تكون، ثانياً، أداةً لتحقيق السياسة الاستراتيجية، وبخاصة أن الطاقة تُعدّ هدفاً استراتيجيّاً، وقد ناقش الباحث حالتين دراسيتين: تتمثل الحالة الأولى في تحوّل الأسطول الملكي عام 1913 من استخدام الطاقة المستخرجة من الفحم إلى استخدام الطاقة المستخرجة من النفط، والآثار المترتبة على ذلك في السياسة الخارجية البريطانية، والحالة الثانية تتمثل في هدف "الولايات المتحدة الأمريكية المتمثل في تحقيق الاستقلال في مجال النفط"، الذي برز منذ أول صدمة نفطية عامي 1973 و1974، وكيف أن هذا الهدف أثر ولا يزال يؤثر في السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
أما فيما يتعلق بالطاقة، بوصفها أداة للسياسة الاستراتيجية، فقد استعرضت الورقة أبعاد الحظر العربي النفطي وتداعياته وتأثيراته في السياسة الخارجية، وبناء استراتيجيات الدول في ضوء أهمية الطاقة بوجه عام، إضافة إلى تأثير العقوبات النفطية على إيران.
وقدم الدكتور بان جوانج، نائب رئيس ومدير مركز شنغهاي للدراسات الدولية في جمهورية الصين الشعبية، ورقته البحثية بعنوان "الدور الصيني وتوازنات القوى في الشرق الأوسط"، وقد تطرّق خلالها إلى دور الصين المتغيّر في هذا الشرق الأوسط المتغيّر، وأكد أن: العلاقات الصينية بالمنطقة جيدة تقليدياً، ويتمثل موقف الصين من الدول التي تعيش حالة حرب أهلية في الحفاظ على العلاقات مع الحكومات المعترف بها، والتعامل مع الطرفين، وكذلك المحافظة على علاقات طبيعية مع تركيا وإسرائيل. وتُعدّ دولة الإمارات العربية المتحدة أفضل صديق للصين. كما أن علاقاتها مع السعودية جيدة بسبب أمن الطاقة، ولم يحصل أي تغيّر قوي مع أي دولة من دول الشرق الأوسط.
وقد جرى إحراز تقدم كبير على الجبهة الاقتصادية أيضاً؛ فهناك 3000 شركة من هذه المنطقة تعمل على بعد ثلاث ساعات بالسيارة عن شنغهاي. ويعيش آلاف الصينيين في دبي لأغراض تجارية. والكثير من الأشياء في الأسواق هنا منشؤها الصين. ومنذ التحولات الأخيرة ارتفع سعر الحاويات، وانخفض سعر النفط؛ وقد أثّر ذلك في الصين سلباً، ونحن نستثمر الكثير في دول الشرق الأوسط، ولكن تعيّن علينا إعادة آلاف الصينيين من ليبيا. ومنذ أيام قليلة عاد مئات الصينيين من اليمن. وتدير الشركات الصينية في العراق ثلاثة من أكبر الحقول النفطية، ولكنها موجودة -لحسن الحظ– في الجنوب.
وتركّز الشركات الصينية اهتمامها الآن على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي تعدّ الأكثر استقراراً. إضافة إلى أن هناك الكثير من المشروعات المستقبلية مع مصر، ولا ريب في أن الطاقة مهمة جداً للصين، وتُعدّ قطر مُورِّد الغاز الطبيعي الأول للصين. ونحن نتفاوض على اتفاقية للتجارة الحرة بين الصين ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ونأمل أن يتم توقيعها قبل نهاية هذا العام، فالآفاق مشرقة جداً. وأشار الباحث إلى أمله في بناء طريق حرير ليست برية فحسب، إنما بحرية وجوية أيضاً؛ فهناك رحلات جوية عديدة تعمل حالياً من دول المنطقة إلى الصين.
ويجب أن تلعب الصين دوراً أكبر في الجهود الدبلوماسية والأمنية؛ ولذلك أرسلت الحكومة الصينية قوات حفظ سلام إلى لبنان، وهناك ثلاث سفن حربية تجوب المحيط الهندي لمكافحة القرصنة، ذهبت إحداها مؤخراً إلى عدن لإجلاء الرعايا الصينيين العالقين هناك، وأملَ الباحث أن يحدث شيء إيجابي في المحادثات النووية الإيرانية، وأكد أن الصين تلعب دوراً مهماً في أفغانستان، وتم الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية على رفع اسم حركة طالبان من قائمة الإرهاب. وتريد الصين إشراك الجميع في بناء أفغانستان؛ وبالطبع يجب عدم رفع أسماء الجماعات المتطرفة جداً من هذه القائمة.
وفي الجلسة الرابعة، التي حملت عنوان "مستقبل المشهد السياسي العربي"، ورأسها سعادة إبراهيم العابد، مدير عام المجلس الوطني للإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة، قدم الدكتور مروان المعشر، نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي بالولايات المتحدة الأمريكية، ورقة بحثية بعنوان "دول التغيير العربية: فرص الاستقرار وآفاقه"، أكد فيها أنه بعد نحو أربع سنوات من الثورات العربية، سواء تلك التي مرت بتغييرات، أو لم تمر، كانت الدول العربية أقدر على تعريف نفسها تعريفاً سلبياً أكثر منه إيجابياً. وتمثل الاستثناء الوحيد في التجربة التونسية؛ إذ على الرغم من التباين بين القوى السياسية، فقد استطاعت الاتفاق على قواعد العمل السلمي، وعدم تغوّل أي مكوّن من مكونات المشهد السياسي على سائر المكونات. وبالرغم من التحديات؛ فقد وضعت تونس نفسها على الطريق الصحيح، وذلك في فترة قياسية، قياساً بما تحتاج إليه مثل هذه التغيرات من فترات زمنية طويلة. أما بالنسبة إلى سائر الدول العربية؛ فقد اجتمع بعضها ضمن تحالفات تتم ضد الآخر، فقد تحالفت ضمن تحالف دولي ضد داعش، ذلك الكيان الذي يهدد الدول العربية، كما تحالفت بعض تلك الدول العربية ضد الخطر الإيراني وبرنامجه التوسعي في المنطقة.
وقال الدكتور المعشر إن هذه التحالفات ضرورية لمعالجة التحدي الأمني، ولكن الملاحظ أن الجهود العربية المشتركة ظلت تقتصر على المقاربة العسكرية والمعالجة الأمنية، ولم تمتد لتشمل بناء مشروعات تنموية لفائدة البعد المدني للدول العربية. وتساءل: هل سنشهد اليوم أي جهد حقيقي متكامل (يشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية) من أجل التعريف الإيجابي بدول المنطقة، من حيث المستقبل الذي تريد أن تصل إليه، ومن حيث مواجهة الفكر المتطرف والطائفي مواجهة حضارية تنويرية، فضلاً عن المعالجة الأمنية؟
وأضاف: لقد أبرز بيان القمّة العربية الأخيرة أن التحديات التي تواجه الدول العربية تتجاوز الجانب الأمني إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكنه بيان قاصر، في تقديري، إذ لم يتطرق إلى أسباب الفشل العربي في تحقيق التنمية الشاملة. لقد فشل النظام العربي في بناء الدولة المدنية الحديثة المستقرة.
وأضاف الباحث: كنت أطمح إلى أن نرى إلى جانب القوة العسكرية العربية المشتركة، قوة مدنية فكرية مدنية تنويرية مشتركة لمعالجة الإخفاقات في الماضي، ولبناء مشروع مستقبلي أفضل من حاضرنا، متسائلاً: هل توجد إرادة سياسية لتحويل هذا المشروع إلى واقع عملي؟ إذ يجب أن تكون الخطوة الأولى في خضم هذه التحديات معركة ثقافية تقوم على إقرار التعددية، وإلا فلن يصل الوطن العربي إلى الاستقرار والازدهار، وقد لا تكون التعددية شرطاً كافياً لضمان الاستقرار والازدهار، ولكنها شرط ضروري لتحقيق ذلك.
وأشار الباحث إلى أن هناك ثلاثة عناصر يجب أن ينظر إليها بشكل جدِّي لمعالجة الوضع العربي:
* العنصر الأول يتمثل في الإيمان بالتعددية في الجوانب السياسية والثقافية والدينية؛ فالتعددية السياسية تقوم على العمل السلمي، وعلى عدم تغوُّل أي قوة على سائر القوى، وضمان التداول السلمي للسلطة، والابتعاد عن تقديم شخص أو حزب أو أيديولوجيا بوصفه صاحب الحلول للمشكلات كافة، ولا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية انتقائية؛ لأن قبول إقصاء الآخر يعني أن الإقصاء سيكون متبادلاً؛ فلا بد من الاتفاق على قواعد اللعبة أولاً، أما التعددية الثقافية فلدينا مكوّنات (لا أقول أقليات) عرقية متعددة من أتراك وأمازيغ وأرمن وشركس، ولا بد من الاعتراف بها، لقد كنا نتجاهل هذه المكوّنات، مع أنها جزء أساسي من حضارتنا. وأما التعددية الدينية فنحن متعددو الأديان (مسلمون ومسيحيون)، وضمن كل دين ثمة طوائف متعددة. لقد كنا نتغنى بالتعددية ولكننا كنا نمارس استخدام الدين لأغراض سياسية، ويجب على الأقل أن يتم إقرار مساواة المرأة للرجل في الجانب التشريعي (صحيح أن المساواة الثقافية في المجتمع قد تحتاج إلى وقت أطول)، ولكن التعددية يجب أن تشمل كذلك الرجل والمرأة.
* العنصر الثاني يتمثل في الجانب الاقتصادي؛ فالمنطقة العربية منطقة فتية؛ إذ إن أكثر من 70% من السكان لا تتجاوز أعمارهم 30 سنة، وأفواج هائلة منهم تريد الدخول إلى سوق العمل، ولا تستطيع ذلك بالوتيرة المطلوبة، ثم إن هؤلاء لم تتم تهيئة أغلبهم لدخول سوق العمل بكفاءة، وقال الباحث إن التنمية الاقتصادية ضرورية قبل التنمية السياسية، فالخبز قبل الحرية، والإصلاح والانفتاح الاقتصاديان لم يتحققا في الوطن العربي، في ظل غياب بلورة نظام للمراقبة والمحاسبة لضمان عدم حصول تجاوزات، حيث يشير مؤشر الفساد في منظمة الشفافية العالمية إلى أن دول التغيير العربية قد شهدت ارتفاعاً دراماتيكياً قبل عشر سنوات.
*العنصر الثالث يتمثل في العنصر المجتمعي؛ إذ لم يعد موضوع المواطنة قابلاً للتأجيل، ولاسيما في دول المشرق العربي والهلال الخصيب خصوصاً، حيث تم تغليب الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية منذ نحو قرن؛ إذ نصل في العام المقبل إلى مرور 100 عام على اتفاقية سايكس-بيكو، ولم يتم تطوير مفهوم حداثي للمواطنة، بحيث يشعر المواطن بأنه يتمتع بحقوقه كاملة بصرف النظر عن انتماءاته العرقية والدينية والمذهبية.
إن الوصول إلى ذلك يتطلب جهداً ووقتاً، ولا بد من مراجعة الأنظمة التعليمية التي تركز على التلقين، ولا تهتم بتنمية التفكير النقدي والمساءلة، لقد ظنت الأنظمة والجماعات الإسلامية أن الأجيال الناشئة ستكون مسالمة، ولكنها نشأت محبطة لا تتوفر على الخصائص المطلوبة في سوق العمل من نواحٍ إنسانية، ومهارات أساسية كان يجب أن تتوافر في النظم التربوية. والنتيجة أن ذلك الجيل نزل إلى الشارع لأنه لم يستطِع العيش بكرامة.
فالمشهد أمامنا يتمثل في طرفين، أحدهما التجربة التونسية التعددية التشاركية التي استطاعت أن تحتوي مختلف قوى المجتمع ضمن دستور توافقي، وعلى الطرف النقيض نجد تنظيماً إقصائياً (داعش) يريد إرجاعنا إلى عصور الظلام.
وأرى أن دول المشرق العربي ستشهد تحديات أكبر؛ لأن الهوية الوطنية فيها أحدث من الهوية الوطنية في دول المغرب العربي عدا ليبيا؛ فالهوية الوطنية في هذه الدول (بالإضافة إلى مصر) أوضح وأقدم؛ فهل يملك الوطن العربي إرادة التغيير؟ إننا بحاجة إلى إعادة نظر جذرية في السياسات المتخذة للتمكن من تغيير الوضع نحو الأفضل.
ثم قدم الدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية، ورقة بعنوان "دور مؤسسات العمل الجماعي العربي ومستقبلها" أشار فيها إلى أن عملية تأسيس جامعة الدول العربية في مارس 1945 تُظهر أن الاتجاه الغالب لدى المشاركين فيها لم يكن يضع نصب عينيه تحقيق الوحدة أو الاندماج بين الدول العربية؛ فالغرض كما نصت المادة الثانية من الميثاق هو توثيق الصلات بين الدول المشاركة فيها، وتنسيق خططها السياسية. كما قامت الجامعة على فكرة الاحترام المطلق لسيادة الدول الأعضاء، التي جسدتها المادة السابعة من الميثاق، التي أعطت كل دولة الحق في عدم الالتزام بأي قرار لا توافق عليه، الأمر الذي عطل العمل العربي المشترك.
وأضاف الباحث: لقد جرت عدة محاولات لإصلاح الجامعة، فبعد خمس سنوات من التأسيس تم توقيع معاهدة للدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، وقد حققت هذه المعاهدة نقلة نوعية في آليات اتخاذ القرار في الجامعة، ثم توالت خطوات إنشاء سلسلة من المنظمات العربية المتخصصة التي أضافت إلى لبنات العمل العربي المشترك، وكان من بين الخطوات المهمة إقرار آلية دورية انعقاد القمة العربية عام 2000، وتكوين مجلس للسلم والأمن العربي بقرار من قمة السودان عام 2006. لكن هذه المحاولات للتطوير لم تؤدِّ إلى نقلة نوعية في عمل الجامعة وأدائها، حيث اصطدمت محاولات تفعيل معاهدة الدفاع المشترك بصعوبات بالغة، ولم يقُمْ مجلس السلم والأمن العربي بأي دور فعال في القضايا والنزاعات العربية، وظلت فكرة إنشاء محكمة عدل عربية على جدول أعمال الجامعة منذ عام 1964 من دون تقدم، كما أن محاولات تعزيز التعاون الاقتصادي العربي لم تفضِ إلى شيء. وقد مثل التمسك بفكرة السيادة الوطنية المطلقة سبب هذا الإخفاق الذي استمر على مدار سبعة عقود، في الوقت الذي شهدت فيه تجارب إقليمية أخرى تطورات مهمة مثل الاتحاد الأوروبي وتجربة الوحدة الإفريقية.
ورأى الدكتور أحمد يوسف أحمد أنه، وكنتيجة لتطورات ما عرف بالربيع العربي منذ نهاية عام 2010، بدأت جامعة الدول العربية تواجه تحديات من نوع جديد انبثقت من تعثر محاولات التغيير في عدد من البلدان العربية. وتمثل مأزق جامعة الدول العربية في التعامل مع هذه التطورات، خاصة في الدول التي شهدت انتهاكات خطرة في مجال حقوق الإنسان، مثل ليبيا وسوريا واليمن، في أن العمل قد درج على احترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء. لكن هذا المبدأ شهد اهتزازاً بعد أحداث الربيع العربي، ثم بدأ يتم تجاوزه مع تفاقم خطر الإرهاب في الوطن العربي ككل، حيث وجدت الدول العربية نفسها مضطرة إلى اتخاذ مواقف تجاه التطورات الداخلية في عدد منها. وأشار الباحث إلى أن الخطأ الفادح في تقديره، الذي ارتكبته الدول العربية في تعاملها مع الأزمة الليبية، هو طلب التدخل الأجنبي، حيث أوكل مجلس الجامعة مهمة التدخل إلى المنظمة الدولية؛ لينتهي الحال إلى تدخلٍ أطلسيٍّ مدعوم عربياً يتحمل في جانب منه المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع في ليبيا الآن.
وفيما يتعلق بالأزمة اليمنية؛ فقد كان التدخل خليجياً، ونجح في البداية في التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة من خلال المبادرة الخليجية، لكن طموحات الحوثيين، ورغبة إيران في التمدد، دفعتا إلى تصعيد الأمور إلى ما آلت إليه من تدخل عسكري سعودي غير مسبوق على رأس تحالف عربي إقليمي في الأزمة اليمنية، على نحو سرع من عملية إقرار القوة العربية المشتركة في قمة شرم الشيخ، وأعاد الأهمية إلى فكرة القوة العربية الموحَّدة.
وقدم الدكتور عبدالله الشايجي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت، الأستاذ الزائر في جامعة جورج واشنطن- دولة الكويت، بحثاً بعنوان "مستقبل العلاقات البينية العربية" وقال: لا يمكن الحديث عن مستقبل فعّال للعلاقات البينية العربية-العربية من دون المصارحة حول فشل العمل العربي المشترك.
وأضاف: يوجد تباين كبير حول القضايا الاستراتيجية والجوهرية، سواء في سوريا أو العراق أو اليمن، حيث ينبغي الاعتراف بأن هناك انكشافاً في النظام العربي، وأنه يفتقد مشروعاً عربياً جامعاً متوازناً يردع المشروعات الإقليمية والدولية، ثم إنه يوجد تراكم في الفشل العربي يغذيه تدخل القوى الإقليمية والدولية.
بعدها جرت مداخلات ومناقشات مستفيضة في الجلسة النقاشية الختامية التي حملت عنوان "دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والتحولات الإقليمية والدولية" ورأسها الدكتور سلطان محمد النعيمي، الباحث في الشؤون الإيرانية وقضايا الخليج العربي، من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحدث فيها كل من الدكتور الشيخ خالد بن خليفة آل خليفة، نائب رئيس مجلس الأمناء، المدير التنفيذي لمركز عيسى الثقافي في مملكة البحرين، والدكتور محمد بن هويدن، أستاذ العلاقات الدولية المشارك، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الإمارات العربية المتحدة بدولة الإمارات العربية المتحدة، والدكتور عبدالرضا أسيري، عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت بدولة الكويت، وسوسن علي الشاعر، الكاتبة والإعلامية من مملكة البحرين.
واستعرضت المناقشات أهمية العمل الجماعي المشترك لدى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على الصُّعُد السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، فضلاً عن ضرورة العمل الجاد لبناء منظومة فكرية وأمنية لمواجهة التهديدات التي قد تتعرض لها هذه البلدان.