خبر : هبوط الاسعار اكبر تحد لصناعة النفط في الخليج

الأحد 29 مارس 2015 11:40 ص / بتوقيت القدس +2GMT
هبوط الاسعار اكبر تحد لصناعة النفط في الخليج



سما / وكالات / الهبوط في اسعار النفط – من 115 $ لبرميل النفط (في حزيران 2014) ولغاية اقل من 60 $ للبرميل (آذار 2015) – نجم في اعقاب رفض الدول المصدرة للنفط (اوبيك) تقليص الانتاج. احدى التفسيرات لاستعداد دول الخليج لامتصاص الهبوط الحاد في الايرادات على المدى القصير، هو تطلعها لانتظار تأثير ثورة الطاقة التي تقودها الولايات المتحدة، منذ العام 2008، وذلك بفضل تكنولوجيا حديثة، نجحت في رفع معدلات انتاج النفط لديها بحوالي 20 بالمئة.

الفائض في العملات الاجنبية التي قامت دول الخليج بتخزينها في السنوات الاخيرة تجعل من نيتها لتخفيض اسعار النفط عقلانيا. ولكن، ربما الاجراءات، التي من الممكن بواسطتها تأجيل معدل الاستثمارات والتطوير في قطاع الطاقة الاميركي، من شأنها ان تضعف حاجة اقتصاديات الخليج لاجراء تغييرات درامية شاملة على هيكلها الاقتصادي، في المدى المتوسط من شأن الهبوط السريع الذي طرأ على اسعار النفط التسبب لها لاجراء تغيير في سياسات الدعم الحكومي، التي تمنحها لمواطنيها.

في منتصف القرن الاخير حولت ارباح النفط قرى الصيد الى الاماكن الاكثر ثراء في العالم. فمعدل، اكثر من 40 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي في دول الخليج واكثر من 80 بالمئة من ايرادات الحكومات تأتي من ارباح النفط والغاز. هذه الايرادات تمكن حكومات الخليج من منح مواطنيها دعما ملموسا. في الدول الريعية (rentier states) هذه السلطات تمنح البضائع والخدمات مجانا او مدعومة للمواطنين. ولا تفرض اية ضرائب على مواطنيها. بينما لا يتمتعون بأي حقوق سياسية حقيقية. الا ان مستوى الدعم للمواطنين يتفاوت من دولة الى اخرى وفقا لايراداتها: في البحرين (التي تعتمد في ايراداتها على حقل نفط سعودي) او عمان ( التي تصدر نفطها خام وهي ليست عضو في الاوبيك) تمنح مواطنيهما اقل مما تمنحه الدول الاكثر ثراء – العربية السعودية، اتحاد الامارات، قطر والكويت. ومع ذلك وفي جميع الحالات الحديث يدور عن مبالغ لا يمكن تجاهلها.

علاوة على ذلك، فمنذ بداية القلاقل في الشرق الاوسط، فقد مكنت احتياطيات النقد التي تراكمت في اعقاب اسعار النفط المرتفعة في العقد الاخير، مكنت دول الخليج من ضخ الاموال بكميات كبيرة لمواطنيها، من اجل تخفيض التوترات الاجتماعية – السياسية. القلاقل الاقليمية علمت الانظمة في دول الخليج درسا مهما، والذي بموجبه ان رفع اسعار الطاقة بشكل حاد من شأنه ان يتسبب بانتحار سياسي. ولكن، هبوط اسعار النفط تجعل من الصعب على الانظمة الصمود في وجه اهداف الميزانية التي تم تحديدها وللحفاظ على سياسة الدعم.

في حال عدم عودة اسعار النفط للارتفاع، فإن مسألة تخفيض الدعم الحكومي سوف تكون مسألة وقت فقط. وذلك بسبب تزايد الاستهلاك المحلي، ورغبة الدول بتوجيه نفطها للتصدير، وكذلك الهبوط الحاد في الايرادات من بيع النفط في السنة الاخيرة. واثباتا لذلك، فإن سعر برميل النفط، الضروري من اجل الحفاظ على ميزانية متوازنة في هذه الدول، يرتفع في كل حين مع زيادة التزاماتها. ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فإن قطاعات النفط في دول الخليج، من المتوقع ان تخسر في العام 2015حوالي 300 مليار دولار من دخل النفط، او 21 بالمئة من الناتج الاجمالي المحلي لها، بسبب الانخفاض باسعار النفط في الاسواق. الانخفاض في ايرادات تصدير النفط من المتوقع ان تقلص الفائض الجاري الى 1.6 بالمئة انتاج، وهذا مقابل فائض بحوالي 16 بالمئة انتاج في العام 2014. بعد سنوات طوال مكن النفط فيها دول الخليج من التمتع بفائض ملموس في الميزانيات، فإن الهبوط المتوقع في الايرادات من المتوقع ان يخلق في سنة الميزانية القريبة عجزا متوسطا بحوالي اكثر من 6 بالمئة من انتاج دول الخليج.

هذا المعدل يطرح سؤالا تجاه الطريقة التي يمكن لدول الخليج بواسطتها ان تتمكن من منع الانزلاق الى عجز مزمن في اعقاب تآكل الفائض التدريجي، الذي قد يحصل بسبب استمرار انخفاض اسعار النفط وعدم تقليص نفقات الحكومات. السؤال تجاه بنود النفقات التي طرأ عليها التقليص تندمج مسألة الجدوى الاقتصادية، وليس اقل اهمية من ذلك – هو نشوب تحدي اقتصادي – سياسي فعلي في وجه حكومات الخليج.

من نتائج تقليص الدعم سيكون هناك، انتاجية مخفضة، مشاكل في المواصلات، بطالة وتلويث عالي للجو (البنك الدولي يقدر، ان إلغاء الدعم سوف يقلص انطلاق الملوثات في الجو بحوالي 15 بالمئة). ليس من المستغرب، اذا كان الامر كذلك، ان المؤسسات الاقتصادية الدولية تشجع دول الخليج على الاستمرار على مدار السنوات، في التنازل عن سياسة الدعم. ولكن، فإنه في الوقت الذي سيحظى به تقليص الدعم من قبل الخليج الى مواطنيها بالتصفيق من قبل صندوق النقد الدولي، وربما - من قبل وكالة التصنيف الائتماني – فإن من شأنه ان يواجه بإحتجاج سياسي فعلي من قبل المواطنين.

تنفق دول الخليج لغاية الآن حوالي 11 بالمئة من الناتج الاجمالي المحلي على دعم قطاع الطاقة، اي 160 مليار دولار في السنة ( ولغرض التخمين، فإن سعر جالون البنزين في العربية السعودية هو حوالي 45 سنت، اي ارخص من سعر زجاجة الماء). الاستهلاك المحلي في العربية السعودية، على سبيل المثال، من المتوقع ان يزداد من ثلاثة الى ثمانية مليون برميل نفط قبل العام 2013. لذا، فإن ذلك يتطلب المزيد من الموارد من اجل تلبية الحاجات المتزايدة. وبعد ذلك ستعمل المملكة لاستيراد النفط، في حال لم يتم تغيير جوهري في سياسات الدعم.

في الخليج نفسه، الكويت، عمان واتحاد الامارات العربية بدأوا في فحص خطوات مختلفة من اجل تخفيض الدعم، ولكن الكويت كانت الطليعية في مجال تقليص الدعم. في كانون ثاني من العام 2015 رفعت اسعار عدة انواع من الوقود ومن بينها الديزل. النقاش حول هذا الموضوع في الكويت ايقظ بشكل خاص، التطورات السياسية النسبية فيها وصلاحية البرلمان الواسعة نسبيا ايضا. في عمان، حيث الاستقرار السياسي في خطر، بسبب مرض السلطان قابوس، تم فحص إمكانية تنويع مصادر الدخل وكذلك زيادة الضرائب غير المباشرة، المفروضة على الاجانب وعلى خصخصة الشركات. في البحرين، التي بها الاقتصاد متنوع من بين اقتصاديات الخليج، فإن عدم الاستقرار السياسي يجعل من الصعب علاج جذور المشكلة. بالنسبة للدولتين الاخيرتين، من المتوقع ان تقوم جاراتها الاكثر ثراء بدعمها كما فعلت عندما نشبت القلاقل فيها. على اية حال، فإن الخوف من الاحتجاج الاجتماعي ومن الانتقادات من جانب المعارضة في اعقاب تخفيض الدعم، كما حدث في الاردن وفي ايران، بطأ من تنفيذ الخطوات بهذا الاتجاه.

فيما عدا التأثير المباشر على اقتصاد دول الخليج بحد ذاتها، فإن لتخفيض اسعار النفط تأثير غير مباشر على اقتصاديات عربية اخرى، التي تتمتع بدعم دول الخليج. الحديث يدور عن استثمارات، منح ائتمانات، التي تحولها دول الخليج الى الاقتصاد المصري والاردني، فعلى سبيل المثال، ايرادات السياح من دول الخليج ومن التحويلات التي يرسلها ابناؤها العاملين في دول الخليج . ويشار الى ان الاسواق من خارج دول الخليج. ومن بينها الاسواق في مصر، المغرب، تونس والسودان بدأت فعلا في الاشهر الاخيرة التقليص من دعم النفط، الماء والكهرباء، الممنوحة للمواطنين.

وعلى الرغم من التقدم في اقتصاديات بعض الدول، الا ان الارتباط الاقتصادي لدول الخليج من وراء ارباح النفط بقي تقريبا حاسما وان استقرارها السياسي مرتبط بشكل مباشر بمستوى الحياة المرتفع، الذي يتمتع فيه مواطنوها. الروح العامة التي نشأت في دول الخليج منذ نشوب القلاقل العربية كشفت عدم الرضا لدى لسكان المحليين من البطالة المرتفعة ومن الفقر الموجود، المخفي عن اعين الجمهور. لذا فإن الانخفاض في اسعار النفط تؤكد ايضا الحاجة امام هذه الدول بضرورة اتخاذ خطوات طموحة، تضمن مستقبلها الاقتصادي في اليوم الذي يلي انتهاء عصر النفط. هذا ، وبشكل خاص في العصر الذي يوجد فيه النظام السياسي في العالم العربي لا يبدو ان هناك إمكانية لتغييره. حتى ولو على المدى القصير ان المخاطر لقطاع النفط ليست درامية، فإن الارتباط على المدى البعيد بارباح النفط تضع تحديا حقيقيا امام استقرار النظم الملكية في الخليج

الصعوبة السياسية المرتبطة بالمس في سياسة الدعم من شانها ان تشجع دول الخليج من اجل تقليص النفقات الحكومية عن طريق تقليص الاستثمار الحكومي، الذي يوجه جزء منه الى قطاعات الاقتصاد غير المرتبطة بقطاع النفط. وايضا على المدى القصير فإنه من شأن هذه الدول ان تقلص الضغط السياسي، فهي ستواجه اخفاقا اضافيا فيما يتعلق بقدرة دول الخليج على المواجهة على المدى البعيد مع الواقع، حيث تستمر اسعار النفط بالانخفاض. اذا قررت الحكومات مع كل ذلك، اجراء تغييرات فعلية في سياسة الدعم الحكومي، فهي مطالبة بايجاد طريقة لتوجيه جزء من الميزانيات الى القطاعات والفئات المحتاجة، من اجل ان تبعد الاحتمال لاي احتجاج شعبي ممكن.