جولة اجتماعات جديدة بين تنظيمي فتح وحماس في القاهرة، بعد تراشق بالاتهامات أتى على تفاؤل المتفائلين. ماذا في جعبتي أبو مرزوق والأحمد؟ محاضر اجتماعات الدوحة، ومقابلة الزهار في الأخبار اللبنانية، وإعلان ابو مرزوق عن استعداد حماس للتفاوض المباشر مع إسرائيل، واتهام فتح لحركة حماس باعتماد حكومة ظل في غزة، كل هذا يكفي لتوقع تهدئة قد يتفق عليها التنظيمان، تسبق التهدئة التي قد تبرم مع دولة الاحتلال. فلم يكن من باب الصدفة تزامن لقاءات فتح وحماس مع استئناف المفاوضات غير المباشرة مع دولة الاحتلال بحثاً عن اتفاق تهدئة جديد.
ثمة فرق جوهري بين مصالحة نابعة من حاجة الشعب الفلسطيني للوحدة الوطنية التي تمكنه من خوض المعركة ضد الاحتلال، وبين مصالحة اضطرارية لدرء خسارة هذا الطرف أو ذاك، او لتحسين شروط الاستئثار والهيمنة هنا وهناك. فأي نوع من المصالحات نحن بصدده؟ المصالحة وانهاء الانقسام الذي يعادل تحقيق الوحدة الوطنية لا بد وان تنطلق من مقومات لا لبس فيها. أولى المقومات هي: الالتزام بالبرنامج الوطني (إنهاء الاحتلال عن جميع أراضي 67 وحل قضية اللاجئين حلاً عادلاً - قرار 194 – وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها مدينة القدس، وبحق الشعب الفلسطيني في مناطق الـ 48 بالمساواة). هل هناك خلاف حول البرنامج السياسي، هذا البرنامج الذي اعتمده المجلس الوطني بموافقة جميع فصائل منظمة التحرير في العام 1988؟ يصح القول: لا يوجد خلاف في الجوهر مع حركة حماس التي قبلته على لسان رئيس المكتب السياسي وفي وثيقة الاسرى والاتفاقات المشتركة مع فصائل المنظمة، ما عدا التحفظ على الاعتراف بإسرائيل والاستعاضة عنه بالهدنة طويلة الأمد. وعندما تتحدث حماس في خطابها الشعبي عن امتلاكها لبرنامج مقاومة، إذ تخلط بين اسلوب وأداة تحقيق البرنامج وبين البرنامج فإنها لا تجيب صراحة على سؤال البرنامج. الخلاف الفعلي يتمحور حول تجاوز البرنامج بعد اتفاق اوسلو سواء من خلال الوقائع التي صنعها الاحتلال كالاستيطان والجدار واعمال التهويد، أم من خلال الاعتراف غير المتبادل، الاعتراف بالمنظمة كبديل للاعتراف بالدولة الفلسطينية، والقبول بمبدأ تبادل الأراضي قبل الاعتراف بالسيادة الفلسطينية على أي جزء من الأراضي، والقبول بالاحتكار الأميركي للعملية السياسية من موقع الانحياز السافر لدولة الاحتلال. ان تصويب الاختلال الذي اعترى البرنامج لم يطرح من قبل حماس ولا فتح وثمة أهمية لإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني المنسجم كي يشكل رافعة للوحدة الوطنية.
وثاني مقومات الوحدة الوطنية: الالتزام بقواعد الديمقراطية للنظام الفلسطيني (المنظمة)، وهي التعدد السياسي والثقافي والديني، والتبادل السلمي للسلطة ولقيادة المنظمة (الشرعية الفلسطينية) والالتزام بالشرعية الدولية والعربية وفي إطار المنظمات الإقليمية الأخرى. هنا تكمن المشكلة مع الاسلام السياسي (حماس) كما هو حال الإسلام السياسي في ايران والسودان ومصر وليبيا وسورية والعراق واليمن والصومال والجزائر الذي لا يعترف بالتعدد ولا بالتبادل السلمي للسلطة إلا لمرة واحدة. كانت تجربة الاخوان المسلمين في مصر ساطعة في سعيها لوضع دستور لجزء من الشعب المصري وفي الاستفراد بالبرلمان واخونة مؤسسات الدولة وبخاصة مؤسسة القضاء. صحيح ان حركة فتح قدمت نموذج الحزب الحاكم البيروقراطي المهيمن، لكنها هزمت بسهولة في الانتخابات وكان بالامكان التبادل السلمي معها لولا الضغوط الخارجية وعدم التزام حماس بقواعد النظام والشرعيات الثلاث. التحدي الذي تواجهه حركة حماس هو قبول التعدد والديمقراطية والاستعداد للتبادل والتراجع والتقدم واحترام المؤسسة التي من المفترض ان تبقى في خدمة الشعب بصرف النظر عن الجهة التي تديرها. هذا التحدي الذي يصطدم ببناء سيطرة مؤسساتية وأمنية في قطاع غزة غير قابلة للتبادل ولا للصد والرد. البعض يستبعد تماماً استجابة حماس للسؤال الديمقراطي، وهو يستند لإرث الاسلام السياسي الطويل، والبعض الآخر يتذيل لحركة حماس بالاستناد لقوتها ومقاومتها. وكلا الموقفين يندرج في إطار السلبية. ذلك ان الديمقراطية لا تأتي إلا عبر صراع ديمقراطي طويل يتغلب فيه سلاح النقد على التراث الفئوي الأبوي. انها معركة المحاججة وتكريس الحق في الاختلاف وتعديل ميزان القوى في صفوف الشعب لمصلحة الديمقراطية والعدالة والتحرر والتنوير.
لا يجري التعامل حقاً مع المقومين الأساسيين للوحدة الوطنية، وفي غياب التعاطي بجدية ومسؤولية معهم، وفي غياب هذا الناظم تبحث فتح وحماس عن العوامل الخارجية، وعن إمكانية كسب نقطة هنا ونقطة هناك في صراع الأخوة الأعداء. هذا ما سوف يتمخض عنه لقاء الأحمد أبو مرزوق. فتح المعابر وإعادة الإعمار لن يتما عبر سلطة حماس، ولا تستطيع الأخيرة القفز على مصر، رغم محاولتها وضع الميناء في مقدمة المطالب والشروط. ما يهم حماس الخروج من الحصار وهو مطلب مشروع، لكن هناك فرقاً بين خروج من الحصار بهدف تكريس سلطتها في قطاع غزة، وبين خروج من الحصار بهدف إعادة ربط القطاع بالضفة الغربية في إطار سلطة واحدة ومعركة واحدة ضد الاحتلال. المشكلة العويصة ان حدود مناورة حماس وفتح هي الهامش الذي تسمح به دولة الاحتلال. وإذا كان من مصلحة إسرائيل تكريس الانقسام وإذكاء نيرانه، واستمرار فصل الضفة عن قطاع غزة انسجاماً مع سياسة تفكيك المجتمع والارض. فليس من الصعب تحويل المعركة الى الداخل الفلسطيني. وبدلا من إعداد ملفات جرائم الحرب وانطلاق لجان التحقيق الدولية، وإعادة طرح الاحتلال والسيطرة الكولونيالية الإسرائيلية على الأجندات الدولية والاقليمية. يتم طرح احتياجات وضمانات الأمن الإسرائيلي فضلاً عن خطر الإرهاب "المضخم " الذي تمثله داعش على عموم المنطقة. لا يوجد أسوأ من انغماس اللاعبين الفلسطينيين خارج خط التماس وترك الملعب للكبار. كم معركة ومجزرة نحتاج كي نتعلم ولا نكرر الأخطاء؟ كم من الوقت نحتاج لإبرام تهدئة مع بعضنا البعض؟.
Mohanned_t@yahoo.com


