لا تبدو كلمات رؤساء الوفود بمن فيهم الرؤساء والملوك، التي يلقونها في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة السنوي، والذي يعقد كل عام في الأسبوع الأخير من شهر أيلول، مهمة، إلا من زاوية أنها تمثل موقفا، يؤثر على الرأي العام الكوني، ذلك انه حتى قرارات الجمعية العامة، إنما هي قرارات غير ملزمة في شيء، ولا تتمتع بأدنى قدر من الأهمية التي تنطوي عليها قرارات مجلس الأمن، الذي يؤكد سيطرة الدول الخمس دائمة العضوية على المنظمة الدولية منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية في العام 1945.
ما يبدو أكثر أهمية هو الحضور واللقاءات التي تجريها عادة الوفود مع بعضها البعض، وحيث أن بعض رؤساء الدول يمكن أن يعانوا في فترة ما من عزلة أو من موقف سياسي ملتبس، فإن المشاركة في اجتماع الجمعية العامة يمثل فرصة للاتصال بالعالم الخارجي، بأقل جهد واقصر زمن ممكن.
وتمثل مثل هذه المناسبة _ عادة _ فرصة للرؤساء الجدد، كذلك لرؤساء دول تواجه دولهم مشاكل دولية، خاصة مع خصم قوي على الصعيد الدولي، أو تواجه تجاهلا ما في الاهتمام، لذا فإنها تجد في ذلك الاجتماع فرصة، لطرح قضيتها، على الرأي العام الدولي، في محاولة لدفع العالم للاهتمام بها وحلها، كما حدث خلال سنوات مضت مع إيران ورئيسها السابق أحمدي نجاد، وكما حدث مع فلسطين خلال العامين السابقين ورئيسها محمود عباس، وكما يحدث هذا العام مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
سيكون _ بتقديرنا _ لكلمة السيسي في الجمعية العامة وقع مهم جدا، وذلك بهدف تحقيق جملة من الأهداف، في مقدمتها : أولا _ إنهاء الجدل نهائيا حول التغيير السياسي الذي حدث في مصر خلال الأعوام الأخيرة، وتجنيد رأي عام دولي إلى جانب الدولة المصرية ورئيسها السيسي في محاربته للإرهاب، الذي يبدو أن واشنطن لا تعتبر العنف الذي يمارسه الأخوان في مصر إرهابا، بعد، كذلك إقناع المزيد من الدول بمستقبل الاستقرار في مصر، وذلك للاستثمار فيها، ومساعدة مصر على مواجهة مشاكل متراكمة، لها علاقة بمستوى النمو الاقتصادي، واستحقاقات الخدمات العامة.
أما على الصعيد الفلسطيني، فسيكون لخطة الرئيس محمود عباس، الهادفة لمتابعة التفاوض بسقف زمني محدد وبهدف إنهاء الاحتلال، أهمية خاصة، ذلك أنها ستشكل أول خطوة على طريق ألزام الأمم المتحدة بوضع حد لآخر احتلال موجود على الكرة الأرضية، وحيث أن الولايات المتحدة تصدت لمهمة رعاية التفاوض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ومن ثم فشلت في المهمة، لدرجة رفع يدها عن الملف برمته، لذلك بات لزاما على المنظمة الدولية أو جهات ما، منظمات أو دول أخرى أن تملأ الفراغ، الذي أحدثه الخروج الأميركي من الملف.
على الطريق إلى نيويورك، حاولت فرنسا أن تملأ الفراغ السياسي، بعد انسحاب واشنطن من الملف الفلسطيني / الإسرائيلي، وذلك بعد أن " لقن " بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة درسا لن ينساه طوال عمره، بعد تسعة أشهر مضنية من التفاوض أبدى فيها الوزير الأميركي كل ما يتمتع به من إصرار وعزم على الإنجاز، دون جدوى.
ويبدو أن واشنطن والوزير كيري، وجدا في "داعش" خشبة الخلاص أو الخروج من عش الدبابير، فتحولا بالاهتمام عن الملف الفلسطيني، الذي كانا أصلا قد لجآ إليه بعد صفعة تلقاها كيري من نظيره الروسي في الملف السوري قبل نحو عامين، لذا فإنه بعد فشل محاولة كيري التوصل لحل خاص بالملف الفلسطيني / الإسرائيلي، الذي يشهد توترا متزايدا، ناجما عن أمرين معا، جاءا متتابعين وبشكل سريع، وهما : الفشل التفاوضي، ومن ثم الحرب على غزة .
لذا فإن عدم متابعة طريق التفاوض، كذلك عدم تحقيق انفراج في غزة، يتمثل بفتح المعابر، وبدء الإعمار، فضلا عن الميناء والمطار، وبالتأكيد رفض إسرائيل الشروع في مفاوضات إنهاء الاحتلال، كل ذلك يمكن أن يصعد من حدة توتر هذا الملف، وعلى ثلاثة أصعدة محتملة، هي : المواجهة السياسية / الدبلوماسية بين السلطة وإسرائيل، وبالبدء في إجراءات التوجه للمحاكم الدولية ومتابعة سلسلة الانضمام للمنظمات الدولية، فضلا عن مبادرة أبو مازن، بانتزاع قرار أممي جديد بتحديد سقف زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضي دولة فلسطين، كذلك المواجهة الشعبية في الضفة الغربية والقدس، وتصاعد احتمالات التوافق بين "حماس" و"فتح" على مقاومة سلمية / شعبية، ثم احتمال تجدد المواجهة العسكرية على جبهة غزة .
في هذا السياق جاء لقاء الرئيس الفلسطيني مع الرئيس الفرنسي، في باريس قبل أيام من توجهه إلى نيويورك، حيث انتهى اللقاء بتبني باريس لمهمة ملء الفراغ الناجم عن رفع يد واشنطن عن الملف الفلسطيني / الإسرائيلي، وانشغالها بملف "داعش" وطرح الرئيس الفرنسي لمبادرة سياسية، تستند لفكرة حشد تأييد دولي للنقاط التي تم التوصل إلى اتفاق حولها بين الطرفين وجعل هذه النقاط إطارا للمحادثات حول الوضع الدائم، ويبدو انه ليس هناك أفضل من اجتماع المنظمة الدولية لحشد مثل هذا التأييد، ومن ثم تغطية الرعاية الفرنسية دوليا لهذا الدور، أو تخويل الرباعي الدولي مجددا، لمثل هذه المهمة، المهم أن تتمخض القصة عن نتيجة ترضي الجانب الفلسطيني، وتكون كافية لطي ملفات أخرى، تبدو اقل أهمية _ الآن _ ومنها ملف التهدئة في القاهرة، وملف مقاضاة إسرائيل في المحاكم الدولية، وحتى ملف المصالحة الداخلية!
Rajab22@hotmail.com


