يكثر الحديث بعد صدور نتائج التوجيهي العامة عن المنح الدراسية والبعثات الخارجية التي تشرف عليها وزارة التربية والتعليم العالي، حيث يطمح الكثيرون للحصول على هذه المنح والفوز بها في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي يواجهونه، وما يشكله الالتحاق بالجامعة من عبء على مادي كبير على الكثيرين، بجانب بحث البعض عن التنوع والاختلاف في الدراسة مما قد يفيد في تطوير القدرات والمهارات وتوسيع المدارك والمعارف.
إلا أن العملية يشوبها الكثير من القصور وهي بحاجة لفتح نقاش جدي ومسؤول حولها حتى لا تتحول إلى احتكار آخر ومصدر جديد مغلق مقدس من مصادر الهيمنة والاستحواذ لنخبة محددة. فمن خلال المراجعة الشخصية والعلاقات الاجتماعية قل أن قابلت مواطناً عادياً وطالباً لا يحظى برأسمال اجتماعي أو سياسي أو حزبي وقد حصل على منحة معتبرة او حتى منحة عادية. الكثير من المواطنين سواء كانوا آباء لطلبة توجيهي أو الطلبة انفسهم، بالنسبة لهم عالم المنح هذا عالم مغلق مبهم ملفوف بالأسرار. حتى في المحاولات القليلة التي قد يتجرأون فيها ويقتربون من موقع وزارة التربية والتعليم العالي على الانترنت، إذا ما صادفوا إعلاناً عن إحدى المنح، فإنهم يجدون مجموعة مركبة من العقبات أمام استكمال تعبئة الطلبات بدأ مثلاً في غزة من قلة وجود التيار الكهربائي وانقطاعه بشكل كامل وهو ما يعني مثلاً حرمان طلبة غزة من نصف الوقت المتاح لتعبئة المنحة بسبب عدم توفر التيار الكهربائي، مروراً بأزمة الاوراق والمصادقات واستصدار جواز سفر مسبق قبل التعبئة للمنح، حيث أن على المتقدم أن يستصدر جوازاً للسفر قبل أن يباشر رحلة البحث (غير المجدي) عن منحة من الوزارة، بما يعنيه هذا من تعقيدات خاصة لطلبة غزة، تشمل إرسال الطلب لرام الله ورسوم الجواز وما شابه. هذا يعني ضمن أشياء أخرى ان الكثرين غير مستعدين للمجازفة بعمل جوازات سفر مسبقة لابنائهم قبل صدور نتائج توجيهي لأنهم لا يضمنون المنحة وعليه فإن الأمر يقتصر عادة على مجموعة من المقتدرين والمستقرين مالياً واجتماعياً. الآن ليس من حق أحد ان يضّيق بوابة الدخول على الناس لأن السماء أو قلة العدل على الأرض لم تمنحهم إمكانيات مادية ومنحت لغيرهم. وليس من حقنا أن نقول أن الذي يريد المنحة يجب أن يكون جدياً ويجهّز نفسه، لأن الترف الممنوح للبعض غير ممنوح للكثيرين.
تسأل في الشارع كيف ابن فلان، فتعرف أن ابن فلان ما شاء الله حصل على منحة في الدولة الفلانية. وفلان بالطبع مسؤول وشخصية نافذة وله وضعه وعلاقاته، اما ابناء الناس البسطاء فلهم أن يصارعوا على مواقع الوزارة ويقاتلوا ويهاتفوا مليون مرة (وهم عادة لا يملكون ترف الوقت ولا ترف المال لمطاردة موظفي الوزارة عبر الهاتف والمراجعة المستمرة وبالتالي يستسلمون لقدرهم)، لعلهم يحصلون على مرادهم. وباستثناءات قليلة وعلى رأسها تلك المنح التي يقدمها الرئيس لأوائل الطلبة وبعض المحتاجين فإن الامر ليس بأكثر من حظ لأن ثمة عدالة غائبة.
بالمناسبة إن اجراء تحقيق جدي على من حصل على المنح الجامعية في الخارج خلال السنوات العشرين الماضية سيكون مخيباً وربما يقتضي محاسبات وطنية. إن أشد ما لفتني أنني فعلاً لم اقابل شخصاً عادياً واعرف أنه حصل على منحة في الخارج. تذكروا جيداً معارفكم فستدركون ما اقول. حتى لو كان المحتاج ليس من اوائل الطلبة فإن له حق في أن يحصل على منحة لأن وضعه الاقتصادي ربما هو ما منعه من الحصول على 90% كما أن اخذ الخلفية الاجتماعية والوضع المادي والتاريخ النضالي أيضاً مهم، حيث أن ثمة اولوية يجب أن تمنح لابناء الأسرى والشهداء لأنهم يدفعون ثمناً نفسياً قد يمتعهم من الحصول على النسب المرتفعة التي توضع مرات عقبة امام الكثيرين.
مثلاً خلال العدوان الاخير على قطاع غزة ثمة عائلات كاملة فقدت بيوتها ومصادر دخلها ولن يكون بمقدورها أن تسجل أبنائها في الجامعات. وفقط انظروا إلى مستوي الانتساب هذه السنة في الجامعات المحلية في غزة لتدركوا ما أقول. حين تفقد بيتك ومصدر دخلك سواءً كان ارضاً زراعية او سوبرماركت او غيره لن يكون دفع رسوم لابنك او ابنتك اولوية. يبدو أن السادة الذين يقررون كيف يوزعون المنح لا يأخذون هذا في عين الاعتبار. مثلاً هل يعتقد أحد أن بيتاً تهدم بالكامل بقي فيه ورقة هوية أو شهادة او غيره. فالكثير من الناس فقدت اوراقها الثبوتية حت، وعليه فإن المساواة في الشروط هو ظلم هنا.
إن أحداً لم يلاحظ مثلاً كيف كان يتم الإعلان عن المنح عقب صدور نتائج توجيهي خلال العدوان فيما طلبة غزة لم يحصل بعضهم على نتيجتهن وإن حصل عليها، فليس بموسوعه أن يفكر في الدراسة إلا في النجاة، وحسبه إن حصل عليها.
إن فكرة التفكير في الناس مرهقة، وهي إن لم تكن رغم ذلك في وعي وخلايا صانع السياسات العامة، فإن الوقع المرير هو ذاته ما سنحصل عليه، حيث أن الفساد والظلم بتفاصيلهما الصغيرة يصبحان عادة لا يمكن الاستغناء عنها.
إن اقتصار الانتفاع بهذه المنح على نخبة محددة وعدم إعمال القليل القليل من العدالة في توزيعها، وعدم اخذ معايير مقبولة للعدالة الاجتماعية ولظروف الناس، هو ذاته ما يجعل رمي الناس لنفسها في قوارب الموت ظاهرة، هذا إلى جانب عوامل كثير يقع الإنقسام المقيت وغياب الحكم الرشيد في غزة وضيق مساحات الحريات في القطاع على رأسها. بيد أن ثمة بعض التصحيحات في السياسات العامة وفي تقديم الخدمات يجب أن تكون غاية عمليات جراحية إدارية في سلك الوزارات. وإن قضية المنح ودور وزارة التعليم العالي عليها بحاجة لتحقيق ودراسة وموقف وطني حتى يمكن إفشاء القليل من الحق للطلبة البسطاء الذين ليس قدراً عليها أن يدفعوا ثمن كل شيء مضاعفاً، وبقسوة وبإجحاف.


