بعد شهر على توقف العدوان يعود الوفد الإسرائيلي إلى مفاوضات القاهرة غير المباشرة، ليوم واحد فقط، والذريعة المتوفرة دائماً، هي الأعياد، أما السبب الحقيقي فهو المماطلة، وإطالة الوقت، لفرض معادلة تهدئة مقابل تهدئة، أو أن ينفد صبر المقاوم والفلسطينيين، فتعود للرد على الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة.
إسرائيل الجريحة، تتحضر لجولة أخرى من العدوان، أجمعت الأحزاب المتطرفة التي تشكل غالبية الحكومة على أنه هذه المرة سيكون حاسماً، بمعنى اجتياح كامل لقطاع غزة، للقضاء على المقاومة وسيطرة حماس على القطاع. هذا الإجماع لم يكن متوفراً خلال العدوانات السابقة على القطاع، ذلك أن إسرائيل كانت مستفيدة من حالة الانقسام الفلسطيني، التي توفر لها شرطاً مهماً لتنفيذ مخططاتها وأطماعها التوراتية والاستيطانية في الضفة الغربية والقدس ويساعدها على التهرب من استحقاقات رؤية الدولتين.
المشروع الإسرائيلي انتهى، ولم تعد له حظوظ بعد التغيير الذي جرى في مصر، وبعد المصالحة الفلسطينية التي وإن تعثرت بسبب غياب إجابات مشتركة متفق عليها عن أسئلة الواقع المعقد، إلاّ أنها ماضية إلى الأمام ومن غير الممكن أن تعود الأمور القهقرى.
إن كانت إسرائيل، لم تبلور بعد تكتيكاتها الجديدة المتناسبة مع الوقائع المستجدة، فإنها على الأقل غير مستعدة لتحمل إطلاق الصواريخ من قطاع غزة بعد أن انتهى بالنسبة لها مشروع دولة غزة.
ثمة أسباب عديدة تدفع أصحاب القرار في إسرائيل لمعاودة العدوان، فالصراع على الموازنة، ومخصصات الجيش، في ظل الحاجة للتقشف، تضاعف الأزمة التي تعاني منها مكانة الجيش، وتؤثر سلبياً في قدرته المتآكلة على الردع. لذلك يناقشون في إسرائيل مرة أخرى اتخاذ قرار موسع للتعامل مع قطاع غزة ككيان معاد، وهو قرار جرى اتخاذه في شهر أيلول 2007. عودة الوفد الإسرائيلي إذاً لم تكن سوى استجابة مجاملة للطرف المصري، ولكنها أيضاً قد تكون حلقة من سلسلة التكتيكات الإسرائيلية التي تستهدف استفزاز الفلسطينيين، خصوصاً وأن إسرائيل لم تتوقف عن انتهاك وقف إطلاق النار.
ترتب هذه السياسة على حركتي فتح وحماس اللتين ستبدآن الحوار مجدداً فيما بينهما في القاهرة، بالتزامن مع افتتاح المفاوضات غير المباشرة مع الإسرائيليين، نقول ترتب هذه السياسة، بحثاً جريئاً ومعمّقاً للإجابة عن الأسئلة الكثيرة والمعقّدة التي يطرحها الواقع.
في هذا الحوار الذي نأمل بأن يكون وطنياً شاملاً، ينبغي إقصاء منطق الإملاءات، والتصيد، أو المنافقة والمجاملة، فالأوضاع الراهنة والقادم منها لا يعطي مجالاً للمناورات، وصرف المزيد من الوقت بدون طائل. أول قضية ينبغي أن يهتم لأمرها المتحاورون، هي أوضاع قطاع غزة، الذي يتنامى الشعور لدى كل من يسكنه، بأنه مهمل من قبل كل أطراف الدنيا. أهل غزة الذين رفعوا رؤوس العرب والمسلمين وأحرار الدنيا وقيلت في بطولاتهم وصمودهم القصائد، يشعرون بأنهم مكروهون من الجميع، وأنهم مستهدفون من الجميع، وأن لا أحد يهتم لآلامهم، ومعاناتهم غير المحتملة.
التأخير في التوصل إلى اتفاق راشح بين حركتي فتح وحماس بشأن الإجابة عن أسئلة القرار، والمؤسسة، والسلاح، والسلطة، من شأنه أن يؤخر كثيراً، معالجة ملف إعادة الإعمار أو رفع الحصار وفتح المعابر، ويؤخر أيضاً معالجة ملفات الكهرباء والماء، والتشغيل، والتأخير أيضاً في معالجة هذه الملفات والشعور بالإهمال سيؤدي إلى خلق دوافع لا يرغبها الكثيرون للهجرة، ويعمّق الظواهر الاجتماعية والنفسية والاجتماعية المرضية المستشرية.
لا ينتظر أحد من سكان قطاع غزة، أن يخرجوا إلى الشوارع يحتجون أو يثورون، أو يتمردون، فمثل هذا الرهان خاسر، لأن مواطني غزة هم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني الذي يرفض تقديم التناقضات الثانوية بين صفوف الشعب على التناقضات الرئيسة مع الاحتلال. لم يحصل هذا من قبل ومن غير المحتمل أن يحصل حتى لو أن كل الدنيا تآمرت على القطاع، ما يعني أن الحلول لا يمكن أن تكون إلاّ عبر الحوار والتوافق الوطني.
إن من يختار منكم المفاوضة، ومن يختار المقاومة، لا يستطيع أن يمضي قدماً ويأمل النجاح بدون أن ينجح في كسب المواطن الفلسطيني ورضاه، ولذلك وجب لمن يرغب في تحقيق النجاح، أن يتعامل باهتمام شديد لأمور الناس.
إن من يعيش أو يراقب بصدق أوضاع الناس في القطاع، سيدرك أن دماراً نفسياً أشدّ وطأة من الدمار الذي أحدثه العدوان، وذلك بسبب الشعور بالإهمال والتجاهل، وبسبب الخلافات التي طغت على سطح العلاقات الفلسطينية الفلسطينية.
المدمرة بيوتهم ينتظرون حلولاً قريبة، والصيادون والمزارعون والطلاب الذين يبحثون عن متابعة دراستهم. التجار ينتظرون وأصحاب الحرف، والجوعى، والمرضى والمعوقون كلهم ينتظرون وهم على عجلة من أمورهم. ثمة شعور حقيقي بأن الناس في غزة يرقدون القرفصاء في قفص حديدي، لا يستطيع أحدهم أن يتحرك فيه.
أتعلمون أن الراغبين، المضطرين للسفر على الخارج يتندّرون بالقول إن من يضطر إلى السفر، عليه أن يسجل للعمرة أو لأداء فريضة الحج؟ ليس من سبب لا إنساني ولا سياسي لأن يخضع نحو مليونين من البشر لعقوبات جماعية قاسية من القريب والبعيد ومن الصديق والعدو، إذ ما ذنب هؤلاء إن كانت السياسة بين الفصائل، أو بينها وبين الأشقاء قد جعلت الشتاء خريفاً، والحلو مراً؟ هل كل هذا الإهمال والتجاهل والمعاملة القاسية من الأشقاء والأصدقاء، هو ثمن البطولة والصمود الذي يبديه هذا الجزء الفعال من الشعب الفلسطيني الباسل؟.


