خبر : رسالة في قارورة على شاطئ غزة.. ريما كتانة نزال

الأحد 21 سبتمبر 2014 09:46 ص / بتوقيت القدس +2GMT



إن قُدِّر لقارورتي الوصول إلى شاطئك، ستعرفين أننا في رهان دائم بين الحياة والموت، وبأننا نتقوقع في نقطة تربط بينهما، وستدركين قبل أن تهشمي زجاجها، صحة المحتوم والمكتوب، لأننا نعيش في العصر الذي سبق بدء أي حضارة في التاريخ.
قد لا أعرف من أين أبدأ، كما أنني لا أعرف كيف سأنتهي، وكل ما أعرفه الآن، أني قد تخلصت من حصارٍ على اليابسة، لأجرب حصار الماء، وهي تجربة رطبة سأعتز إن نقلتها لك، لأنها قربتني أكثر من نهاية الوهم.. وقربتني من حقيقتي أكثر، وأحببتك أكثر.. 
القارب يموج على قشرة الماء، أمي تهز سريري قبل النوم. أحملق في السماء طالبا نجدتها بصمت، وعادة تكون النهاية هادئة. أمرّ بملامحك متجاهلا دعوة إلى وليمة البكاء التي تجري بالقرب مني.. لكني لا استطيع البكاء لأن دمعي أكثر تركيزاً من ملوحة البحر، فأضطر أن ألعب دور الواعظ، بأن أترك لقلوبكم التكفل بالمهمة العسيرة في اللحظات الأخيرة. 
أحلق في السماء متجاهلاً ما يحيطني، قد تأتي السماء بمعجزة تجرني إلى شاطئك مرة أخرى، وأفصل نفسي عن واقعي، وأقرر المبالغة في التحليق في فضاء أبعد، محاولاً العودة إلى جميع الأحلام التي اعتدت مراودتها عن نفسها، وأسرق من القدر وقتاً إضافياً لاستكمالها.. 
أعدك وأنا أحلق في سمائي ومحيطي، بأني سأجرب كل الطرق البحرية لأحيا، ولن أسمح للمياه أن تجرني إلى دهاليزها.. سأحارب بلهفة العاشق عدم السماح لها أن تبلل أطرافي. ولدى مبالغتي في أحلامي الواعية جداً، أرى نفسي أمتطي خشبة ملساء، كما كنت أختال بركوب لوح التزلج على الأمواج الأزرق، الذي رسمنا عليها خلسة طلاسم وألغازاً تبعد الحَسد عن طريقي. سأسيطر على خشبة خلاصي وأوجهها بإرادتي وأحلامي نحوك. لن أكون متطلباً وانتقائياً، بل سأقبل بأي رُكام يعيدني قريباً منك، وأشكو لك نفسي وولعها بالهروب من المصير. وسأَعدك بألا أسترجل على القدر، ولا الاستقواء على بلاغة الحروف الباعثة على الانبهار. 
لن أشرح لك هول ما أعانيه من حالة الحب بين السماء والأرض، وسأترك للهفتك تقديرها. سأقضي ما بقي من وقت لي في كتابة بعض سطور الهوى تؤنسين بها أيامك المتصحرة. سأحمِّل رسالتي أشواقاً خائفة، وسأبث في قارورتي حمم براكيني، وبعضاً من الدّوار الذي يهدهدني، انه الدّوار الذي يجعلني أكثر تركيزاً وشجاعة، إنها وصفة تجريدية لثنائية دوار البحر واقتراب الموت، وعندما يمتزجان يعبران عن حالة لا اسم لها أو عنوان.
سأكتب بعض السطور قبل أن تخور قواي وأستسلم لقدري، علَّها تخفف شعور الندم الذي يتملكني، علّك تجني بها بعض الصبر. وسأبثُّ فيما تبقى لي من الوقت، قبل لحظتي الأخيرة، بعض أنفاسي المتقطعة في القارورة التي أصبحت أغلى ما أملك، وأحمِّلها بعضاً من أسراري ومشاعري، سألقي بها على سطح البحر الذي أحببناه كثيراً، وأمناه على كثير من الأسرار والأشواق المهرَّبة.. قبل أن أرمي نفسي في عرض أحضانه اللعوب، وأعرف منه سر انشدادنا الغريب إلى غموضه.. 
وآخر سطوري وصيتي الأخيرة، ألا تبدئي في البكاء لأنك قد لا تنتهي منه، فأنا أعرف ورطتي بدموعك عندما تنفجر ينابيعها وتقلق وتربك غيبوبتي. فقط أريد منك وكلما اقتربت من البحر، أن ترسمي وشماً دائماً على الرمل، واقذفي نحوه طوق نجاة، وانثري بعض فتات الورد والخبز.. وسأوصي نفسي، ألا أقدم على أي مغامرة بما فيها الحب، وألا أسترسل في الكتابة عن نهايتي..