خبر : المحنة الغزية بين العدو والشقيق وعن الخطاب الإعلامي الإسرائيلي بين عصرين..بقلم: حسين حجازي

السبت 20 سبتمبر 2014 09:56 ص / بتوقيت القدس +2GMT
المحنة الغزية بين العدو والشقيق وعن الخطاب الإعلامي الإسرائيلي بين عصرين..بقلم: حسين حجازي



تقول الحكمة العربية المأثورة: إن عدواً عاقلاً خير من صديق او شقيق جاهل. لكن محنة الغزيين والفلسطينيين عموماً إنما تتلخص اليوم ومنذ أمد غير قريب في هذا الاستثناء الخارق او النادر، والذي يكمن في حقيقة انهم يواجهون ومنذ زمن عدواً ما برح ينحو نحو فقدان آخر ما تبقى له من عقل، ويزداد مع الوقت اكتساب هذه الطبائع الوحشية والكريهة كما الطيش.

 وفي المقابل على المقلب الآخر، لا يبدو الأخ والشقيق قد تعلم شيئاً من دروس الماضي ويزداد بدوره مع الوقت عناداً في التمسك بهذا الغباء والجهل، بحيث تبدو المواجهة او البطولة الغزية كما لو أنها ضرب من تحدي المستحيل، او كتراجيدية إغريقية في مواجهة الأقدار، أقدار صنعتها آلهة عابثة ما برحت تهزأ من مصائر البشر. 

لكن او ليس في هذا الاستثناء يا عالم الاجتماع الفذ ماكس فيبر ما يكمن فيه تمييزهم؟ وتمييز البطولة والشجاعة عن الجبن والنذالة؟ وتجلي عظمة مأثرتهم في هذا التحدي الذي يقهر المستحيل؟ وهو التعبير الأقوى عن الموهبة السياسية. لكن الواقع المرير يقتضي النصح: للعدو والشقيق لا تضغطوا اكثر من اللازم على الغزيين، وللرئيس أبو مازن حفظه الله ان مقام الرئاسة في نظر الفلسطينيين هو أبويّ بامتياز.

 غيابه هو الاستثناء الذي يؤسف له كانت مأثرته بل عبقريته أو لعله عناده هذه الموهبة التي انفرد بها، في قدرته كل مرة على تحويل الهزيمة الى نصر، في إصرار وقدرة نادرة على الطفو والبقاء.

 لقد أدرك أن لا نجاح او نصر مؤزراً او حاسماً في الحياة كما على محور هذا النوع من الصراع القاسي من أجل الوجود، وإنما مواصلة العمل على تحاشي الفشل او الانهيار، وبذلك تكون كل المعارك الحربية وغير الحربية التي خاضها ليست سوى قيادة الرتل والقافلة في هذه الطريق الوعرة على هذه المنحنيات، بين شعاب مكة في الطريق الى القدس، وحيث يرونها بعيدة ولكنها قريبة. لقد كرهوه الى درجه ان قتلوه حتى لا يعطونه نصر غزة الأول، ونصره في العام 2005. ولوكان اليوم حياً لعرف كيف يحول نصراً ثانياً وكبيراً على الأرض الى فتح عظيم.

 الرحمة عليك يا ياسر عرفات، فقد كان غيابه هو الاستثناء المأساوي الذي يؤسف عليه بحق، لأن وجوده ومن كان بموهبته السياسية والقيادية، عند هذه اللحظة الحاسمة والذي لا يمكن تعويضه، إنما هو الذي يصنع فارقا حاسما في الوضع ككل.

 إسرائيل بين خطابين: أو هذه هي المقارنة مر وقت كان الذكاء اليهودي لمجموعة من تلاميذ بن غوريون، يشتغلون ويلعبون على ثغرة تفاوت الوعي بل قل المكر السياسي، بين إسرائيل والفلسطينيين. 

حين كان لإسرائيل وزير خارجية بمستوى أبا ايبان، وجنرال بمستوى دايان، وسياسي محترف بمرتبة وزير إعلام والردود الاستراتيجية بمستوى شمعون بيريس، هذا الأخير العجوز الذي بلغ من العمر عتيا كانوا يصفون له مراسلي الصحف الأجنبية، كطابور امام بابه حتى الأمس اي في الحرب على غزة ما قبل الأخيرة، ليهمس لهم في آذانهم بالجمل الجاهزة سلفاً ويقوم بابتكارها بهدف قلب الحقائق جرياً على هذه التقاليد القديمة. 

مر ذلك الوقت، الزمن او العهد وانقضى، وحتى بيريس في الحرب الأخيرة بدا كما لو ان قواه لم تعد تساعده على مواصلة أداء هذا الدور، او لعله شعر بالملل والتعب من أداء هذا الواجب.

 وكان عرفات الداهية الذي لم يكن اقل مكراً وخبرة في الإعلام، قد غير في العقود الأخيرة مجرى هذا السجال، ولم يعد وقد تطاول الزمن اكثر مما ينبغي على هذا الصراع ثمة ثغرة على مستوى الوعي بالنسبة للفلسطينيين كما شعوب العالم في إدراك حقائق الصراع، يمكن للتلامذة النجباء السابقين من شيوخ الطريقة التسلل منها واللعب عليها. 

لكن، وكما يقال من شب على شيء شاب عليه، فان إسرائيل مع الجيل الثاني واصلت هذا الأسلوب النمطي من التفكير والخطاب الخشبي في الإعلام، دون ان تدرك ان الفلسطينيين تغيروا ولم يعودوا هم انفسهم والعالم كذلك، ولم يعد احد في العالم يقبل هذه الأستذة المفعمة بالادعاء والغرور، وهكذا حينما اطلق مؤخراً نتنياهو جملته البلهاء والغبية عن ان "داعش" و"حماس" وجهان لعملة واحدة، ردت عليه وزارة الخارجية الأميركية على الفور وكما لو انهم ألقوا عليه دش ماء بارد، ففندت المتحدثة باسم هذه الوزارة هذا الادعاء بأن "حماس" حتى وان كانت في تصنيف الإدارة الأميركية منظمة إرهابية إلا أنها ليست "داعش"، وأنها شيء و"داعش" شيء آخر. 

وعندما جاء كيري الى المنطقة لتركيب عقد التحالف الإقليمي في المنطقة ضد "داعش"، فانه لم يكلف نفسه زيارة إسرائيل واللقاء مع نتنياهو لإشعاره انه طرف ولو من خلف الستارة في هذا التحالف، او حتى إيلاءه أي أهمية في هذا الموضوع. 

وإذن عن اي حلف كان يتحدث نتنياهو الذي أصبحت إسرائيل جزءاً منه باعتباره أهم إنجازات حربه على غزة؟ إن طفلاً صغيراً في عالمنا اليوم يعرف ما هو الفارق بين "داعش" و"حماس"، ولكن لا أحد يستطيع التمييز بين قتل أُسر بأكملها ومحوها من الوجود، من خلال القصف بقذائف تزن الواحدة منها طناً من المتفجرات، يتم إلقاؤها فوق رؤوسهم وهم نائمون في بيوتهم، وقطع رؤوس أشخاص لا ذنب لهم سوى انهم وجدوا انفسهم في المكان الخطأ، او قادهم حظهم السيئ والتعس الى ان يذهبوا الى هذا المكان الخطأ؟ هذه المقارنة هي ما ينبغي للمتحدثين الفلسطينيين ان يلقوا بها أمام الصحافة الأجنبية بدل هذا الهراء السمج والسخيف من التراشق الإعلامي والذي لا مبرر له. مقارنة أُخرى عمر الوحدة بين مقاطعة أسكتلندا وانجلترا داخل حدود هذه المملكة البريطانية العريقة، هو من عمر نشوء الرأسمالية، قوة السيطرة الصامتة على العالم منذ ذلك الوقت.

 تشتهر هذه المقاطعة بالويسكي والخمور الفاخرة، كما انجلترا بصوفها الانجليزي وطبع ناسها البارد، لكن ما يمنح تلك البلاد فرادتها وتميزها هو عراقة ديمقراطيتها، وأنها البلد الأوروبي الوحيد بامتياز الذي انجز مهمة الثورة البرجوازية او التحول الرأسمالي بدون المرور بالاحتراب الأهلي الداخلي والإطاحة بالملكية.

 هنا في مكتبة المتحف البريطاني الشهيرة أمضى كارل ماركس الألماني عدو الرأسمالية اللدود والشرس سنوات طويلة من عمره وهو يؤلف كتابه الشهير "رأس المال"، لكنهم الى اليوم ما زالوا يخلدون ذكراه في نصب أقاموه شاهدا على قبره في العاصمة لندن. طالب فريق من الأسكتلنديين القوميين بالاستقلال عن المملكة المتحدة، عرض رئيس الحكومة هذا المطلب على استفتاء شعبي، ولم تقم حرب او تندلع حرب متاريس بين خطوط تماس، ولم يتهم أحد المطالبين بالانفصال بأنهم إرهابيون أو يعملون لمصلحة جهات أجنبية، لكن هل هو المؤشر الأقوى حتى الآن على أفول عصر الرأسمالية القديمة حين حبست كل أوروبا أنفاسها وكأنها نذر لعبة دومينو بانهيار الاتحاد الأوروبي لو انهارت الوحدة البريطانية، بغض النظر عن ان التصويت في الاستفتاء جاء لمصلحة استمرار هذه الوحدة؟ شهدنا هنا قبل سنوات مثالاً آخر في السودان، وقال الرئيس السوداني عمر حسن البشير: تريدون انفصالا؟ انفصلوا.

 لكن يا نتنياهو هل أنت وإسرائيل تنتمون الى حضارة الغرب وديمقراطيته وثقافته بنفس الدرجة التي يؤمن بهذه القيم البريطانيون وحتى الرئيس السوداني عمر البشير في احترام حق تقرير المصير للشعوب؟ او وليست هذه المقارنة تستحق من لدن المتحدثين الفلسطينيين إيلاءها الاهتمام الآن والتركيز عليها في الإعلام، لمناسبة الاستفتاء حول مصير أسكتلندا؟ صوّت الشعب الأسكتلندي لمصلحة البقاء ضمن الوحدة، ورد ديفيد كاميرون الانجليزي التحية بأحسن منها، واعلن لمناسبة نجاة التاج البريطاني من التفكك الى مقاطعاته الأربع، بزيادة الصلاحيات الممنوحة لهذه المقاطعات.