كنت أبحث عن معلومات عن النقاش الحالي بين دوائر صنع القرار في واشنطن بشأن التدخل في سورية والعراق لمواجهة عصابات "داعش" أو "الدولة الإسلامية" كما يحب أصحابها أن يصفوها عندما عثرت على مقال للكاتب "جيمس بامفورد" في صحيفة نيويورك تايمز (16 ايلول 2014) بعنوان "الفضيحة الإسرائيلية لوكالة الأمن القومي الأميركي". ما هي الفضيحة؟ الفضيحة هي أن وكالة الأمن القومي الأميركي تقوم ومنذ العام 2009 على الأقل بتزويد مؤسسة أمنية سرية في الجيش الإسرائيلي تعرف بالوحدة 8200 بمراسلات العرب الأميركيين التي ترصدها الوكالة سواء كانت مراسلات تلفونية، عن طريق الفاكس، الإيميل، أو عبر وسائل الاتصال الاجتماعي مثل الفيس بوك.
والوكالة أيضاً تقوم بتزويد الوحدة 8200 معلومات عن المواقع الإلكترونية التي زارها الأميركيون. هذه المعلومات حصل عليها بامفورد من ادوارد سنودين، موظف تكنولوجيا المعلومات في جهاز الأمن القومي الأميركي الذي قام بتسريب مئات الآلاف من وثائقها قبل أن يهرب ليستقر في موسكو العام 2013. بامفورد يقول: عندما تشارك الولايات المتحدة دولاً أخرى في المعلومات التي لديها فإنها عادة تختزل المعلومات المتعلقة بالأسماء أو ما يدل عليها (إلا إذا كانت الأسماء هي موضوع التبادل بسبب وجود ملاحظات أمنية مسبقة عليها).
لكن مع الوحدة الإسرائيلية 8200 فإن كل شيء ينقل لإسرائيل بلا قيود. والأغرب من ذلك يقول بامفورد، إن إسرائيل ليست ملزمة بالقانون الأميركي عند استخدامها لهذه المعلومات أو حتى القوانين الدولية ذات العلاقة، في حين أن الدول الأخرى التي تنقل الولايات المتحدة إليها المعلومات يشترط فيها ألا تستخدمها بطريقة تتعارض مع القانون الأميركي. بامفورد يربط بين هذه المعلومات التي تنقل لإسرائيل عن الأميركيين العرب وتحديداً الفلسطينيين وبين الرسالة التي نشرها 43 مجنداً سابقاً في الوحدة 8200 قبل أسبوعين وفيها يرفضون الخدمة في عمليات عسكرية تتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة. الرسالة تقول إن جوهر عمل الوحدة 8200 هو "التجسس" على الحياة العامة للفلسطينيين بهدف تجنيدهم كعملاء أو خلق صراعات فلسطينية - فلسطينية لتفتيت المجتمع الفلسطيني. الوحدة تقوم بجمع معلومات تتعلق بتوجهات الفلسطيني "الجنسية"، مشاكله المالية، وضعه الصحي، علاقاته مع أقربائه وأصدقائه وكل ما يتعلق بحياته الخاصة بهدف استخدامها إما في الضغط عليه ليعمل لصالحها أو في تمزيق الشعب الفلسطيني عبر خلق صراعات داخله. عندما تقوم وكالة الأمن القومي الأميركي بتزويد إسرائيل بكل ما يتعلق بالمعلومات التي لديها عن العرب والفلسطينيين الأميركيين فإنها تصبح فعلياً شريكه في تنفيذ جرائم الوحدة 8200 الإسرائيلية التي رفض أساليبها بعض الإسرائيليين ممن عملوا فيها.
العلاقة بين هذه الفضيحة وبين الرئيس أوباما تكمن في أن الأخير قد عمل محامياً ومتخصصاً في الدفاع عن حقوق الإنسان قبل أن يصبح عضواً في مجلس الشيوخ وبعدها رئيساً للولايات المتحدة.
كيف يمكن أن يتحول من مدافع عن حقوق الإنسان إلى شريك في انتهاكها؟. الرئيس الأميركي يمثل قمة السلطة التنفيذية ولا يمكن أن يمر قرار مشاركة إسرائيل بدقائق حياة العرب الأميركيين إلى إسرائيل بدون اطلاعه وموافقته. يمكن تبرير عجز الرئيس الأميركي على التأثير على خصوصية العلاقة الأميركية - الإسرائيلية بسبب المأسسة التي حصلت عليها هذه العلاقة داخل المؤسسات الأميركية سواء في أذرع الدولة ومؤسساتها أم في إعلامها، لكن لا يمكن تبرير هذا التغيير "الذهني" للرئيس الأميركي من موقع المدافع عن حقوق الإنسان إلى موقع المنتهك لها.
في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تجسس جهاز المباحث الفيدرالية الأميركية على الحياة الخاصة لنشطاء حقوق الإنسان وعلى النشطاء المعادين للحرب على فيتنام بهدف استغلال مواطن الضعف في حياتهم الخاصة لتشويه سمعتهم وإبعاد الناس عنهم. المباحث الفيدرالية زرعت أجهزة تنصت في كل الأماكن التي يتواجد فيها مارتن لوثر كينغ وقامت بإرسال جزء من شرائط "تجسسها" عليه له وللإعلام وحتى لزوجته.
الشرائط تضمنت تسجيلات توثق خيانته لزوجته "كورتيا سكوت كينغ". كينغ اعتبرها في حينه محاولة من المباحث الفيدرالية لدفعه للانتحار لكنه أصر على أن حياته الخاصة ملكه وحده وان لا علاقة لأحد بها. الإعلام رفض التعامل مع الشرائط باعتبارها انتهاكاً فاضحاً لخصوصيات المواطن الأميركي، وزوجته لم تكترث بها. هذا حدث في أميركا عندما كان أوباما "الطفل" يراقب حركة ملايين الأميركيين السود وهم يدافعون عن حقهم بأن يكونوا مواطنين على قدم المساواة مع زملائهم البيض. مثلت حركة حقوق الإنسان الأميركية ظاهرة تاريخية فريدة من نوعها لم يكن بإمكان اوباما أن يفهم أبعادها وعمقها وهو "طفل"، لكنه أصبح رئيساً للولايات المتحدة بفضلها وبسبب إنجازاتها، وبعد أن حمل لواءها وهو شاب مدافعاً عن حقوق الإنسان الأميركي.
اليوم يتنكر أوباما لتاريخه ولمبادئ الحركة وإنجازاتها التي مكنته من الوصول إلى البيت الأبيض عبر موافقته على انتهاك خصوصية حياة المواطنين الأميركيين والأسوأ بأنه ينتهكها ليس لحماية "أميركا" وليس لحماية أمن إسرائيل، الدولة الصديقة لأميركا، ولكن لتطويع شعب آخر لقبول احتلال يغتصب أرضه، ويشرد ويقتل أبناءه، ويدمر بتكنولوجيا العصر نسيج مجتمعه. السيد أوباما: على الرغم من فشلكم في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وفشلكم في وقف الاستيطان وفشلكم في وقف مذبحة الفلسطينيين في غزة وعلى الرغم من أن سياساتكم الداعمة للحرب الأهلية في سورية كانت سبباً في الكارثة التي لحقت بها، وعلى الرغم من صمتكم على انقلاب عسكري مكتمل الأركان في دولة عربية شهدت انتخابات ديمقراطية.. على الرغم من ذلك، كان لديكم بعض التقدير بسبب حرصكم على عدم إرسال قوات أميركية للتدخل المباشر في الشرق الأوسط، وتفهم أيضاً للصعوبات البنيوية في النظام السياسي الأميركي والذي يجعل منكم جزءاً من عملية صناعة القرار وليس صاحب القرار. لكنكم اليوم وبعد أن انتهكتم المبادئ التي قامت عليها حركة حقوق الإنسان فقدتم ما تبقى لديكم من احترام.


