ملفات الخلاف بين حركتَيْ «فتح» و«حماس»، السياسي منها مثل العقائدي والأمني والتنظيمي والاقتصادي والإداري، ليست جديدة، من جهة أولى؛ وسمتها الغالبة، من جهة ثانية، أنها تاريخياً لا تسير إلى انفراج وانحسار، بل إلى تعقيد واستفحال. ما يزيد في حدّة هذه الحال أنّ الملفات انتقلت من إطار الحركتين، أياً كانت مستوياتها الداخلية وانعكاساتها على القواعد والأنصار والكوادر، إلى نطاقات أعرض، وبالتالي أدعى إلى تعقيدات أشدّ: منظمة التحرير الفلسطينية، وسلطة رام الله، ورئاسة عباس، والمحاور العربية، من جانب «فتح»؛ والفصائل الإسلامية الفلسطينية، وتلك الجهادية وأجنحتها العسكرية، وجماعات الإخوان المسلمين العربية والعالمية، والمحاور العربية، من جانب «حماس».
وهكذا، هل كانت صدفة، حقاً، أنّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس اختار القاهرة، واللقاء مع «الإعلاميين والمثقفين المصريين» تحديداً، لكي يشنّ هجومه العنيف على «حماس»، مطلع الأسبوع الماضي؛ فيعلن:»إننا لن نقبل أن يستمر الوضع كما هو، ولن نقبل أن يكون بيننا وبينهم شراكة إذا استمر وضعهم في غزة بهذا الشكل، حيث يوجد عندهم السلاح والإمكانيات والأمن، كما أن هناك لدى حماس في غزة حكومة ظل مكونة من 27 وكيل وزارة هي التي تقود البلد، ومن ثم فإن حكومة الوفاق الوطني لا تستطيع أن تفعل شيئا على أرض الواقع»؟ ولماذا قرر، الآن بالذات، من العاصمة المصرية، وقبيل اجتماعه مع وزراء الخارجية العرب، أنه «لن يقبل الشراكة مع حماس إلا اذا قبلت بسلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد»؟
ليست صدفة، بالطبع، لأنّ الحرب البربرية الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزّة أطلقت سلسلة حروب بين محورَي «فتح» و«حماس»، عناوينها كثيرة ومتعددة ومتشابكة: حروب الاستئثار بالشرعية، السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، في غزّة والقطاع عموماً؛ وحروب تثبيت، وتحسين، الأوراق الراهنة في التفاوض مع إسرائيل (ولم تكن صدفة، هنا أيضاً، أنّ موسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي لـ«حماس»، فجّر مفاجأة قبل أيام، حين أعلن: «من الناحية الشرعية لا غبار على مفاوضة الاحتلال، كما نفاوض بالسلاح نفاوض بالكلام»)؛ ومثلها حروب توطيد، واستثمار، التحالفات العربية والإقليمية…
وأمّا الحرب حامية الوطيس أكثر، ولعلها أشدّ ما يثير حنق عباس وإدارته في هذه الأيام، فهي التالية: بعد ما شهدته غزّة من صمود، وبعض الكرّ والفرّ بالصواريخ، حتى بالمعنى الرمزي الأبسط، واضطرار إسرائيل إلى القبول بشروط هدنة ليس فيها «انتصار» واضح لجيش الاحتلال… أيّ الحركتين، «فتح» و«حماس»، نجحت في خطب ودّ الشارع الشعبي الفلسطيني، والعربي، بل العالمي أيضاً، على ضوء آثار العدوان الأخير، وما انتهى إليه؟ وحين ينجرف عباس إلى تراشق بالأرقام، فيقول إنّ شهداء «حماس» خلال العدوان على غزة بلغ 50 شهيداً، مقابل 861 استشهدوا من «فتح»؛ ألا يفصح، بذلك، عن محتوى تأزّم حقيقي في المنافسة على الشعبية الوطنية؟
والحال أنه إذا كانت حكومة اسماعيل هنية قد انقلبت إلى محض استطالة بيروقراطية للجهاز الأمني ـ العسكري الحمساوي، الذي بلغ ذروة قصوى دموية في إبطال قرار شعبي فلسطيني جاء بـ»حماس» إلى الحكومة عبر صندوق الاقتراع؛ فإنّ الحكومة في رام الله، سلام فياض وخلفه رامي الحمد الله، محض استطالة بيروقراطية للجهاز الرئاسي الذي سكت تماماً، لكي لا نقول إنه شجّع، الذروة القصوى الدموية التي بلغتها أجهزة السلطة الأمنية في غزّة، حين احتدم الصراع، اقتفاءً للغرض ذاته في الواقع: إبطال الفعل الديمقراطي الشعبي.
نصال جديدة تتكسر، إذاً، على النصال القديمة التي ظلت تشعل أوار الحرب بين الحركتين.


