أطلس للدراسات / ترجمة خاصة
هذا يحدث لإسرائيل مرة تلو الأخرى في الفترة الأخيرة؛ تطورات إقليمية أو عالمية، لا فكرة لأحد في القدس أو تل أبيب كيف يمكن التصرف حيالها، هل هو أمر جيد؟ هل هو أمر سيء؟ هل هو ما بين هذين البينين؟ هكذا كان الأمر عندما قررت فتح وحماس وبشكل مفاجئ ان يذهبا الى المصالحة وأقام عباس حكومة الوفاق الوطني التي استقبلت بغليان حكومة نتنياهو، وأصبحت الشيطان الأكبر لإسرائيل، وبتحريض من رئيس الحكومة نتنياهو ووزير جيشه يعلون، وبعدها اندلعت عملية "الجرف الصامد" في غزة، والتي انتهت بتوسل الجميع لعباس أن يأتي هو وحكومة التكنوقراط خاصته لإنقاذ الموقف والتمركز في معبر رفح، وان يمنح الجميع سلماً لينزلوا عن الشجرة.
وهناك الكثير من الأحداث الأخرى؛ عن سيطرة الثوار على هضبة الجولان التي ذكرت هنا في أحد التقارير السابقة، في اسرائيل لم يقرروا أيهما أفضل: الجولان تحت سيطرة الأسد أو إضعافه لصالح الفوضى متعددة السيطرة للتنظيمات الثائرة؟ ما زلنا نحلل، وصلت التقارير عن التعاون بين إيران والولايات المتحدة في الحرب ضد داعش، وقد بدأ الأمر بتقارير عن ان الزعيم الروحي آية الله خامنئي أصدر حكماً خاصاً يبيح مساعدة الأمريكان في حربها ضد الكفار السنة المجانين من داعش، وبعدها جاءت تقارير تفيد بأن الدولتين اللتان تخوضان نضالاً قوياً حول البرنامج النووي الايراني تنسقان الآن مواقفهما وتتعاونان في الجهود لكبح جماح "الدولة الاسلامية"، ولقد نفيت هذه التقارير ولكنهم في القدس لا يصدقون كثيرا هذا النفي.
انعدام الثقة في واشنطن وصلت الى مثل هذه المستويات؛ بحيث لا يأخذ أي أحد من بطانة نتنياهو الإصدارات الرسمية للبيت الأبيض أو وزارة الخارجية على محمل الجد، منذ وقت قصير كان بإمكان رئيس حكومة اسرائيلي كائناً من كان التحدث كفاحاً للرئيس الأمريكي، ويستطيع ان يسأله الاسئلة الأصعب ويتلقى الأجوبة المباشرة، ولكن لم يعد هذا ممكناً الآن، فالخط الساخن بين واشنطن والقدس قد برد، والحميمية تجمدت.
"الدولتان الوحيدتان في العالم اللتان تتقاسمان الكون كله هما أمريكا وإيران" قال لي مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى، الأسبوع الماضي، "إيران تمتلك قوة عظمى، ولها تصورها الخاص تماماً مثل أمريكا، العالم كله موزع وفق أوامرهما، لكل منطقة يوجد مسؤول من الحرس الثوري، هكذا يرى الإيرانيون أنفسهم، وبناءً على هذه الرؤية تحدد السياسات موقعهم الجيوسياسي، وحتى مسارعتهم نحو النووي"، قال المصدر العسكري المسؤول ان ارتقاء الرئيس الإيراني الجديد روحاني لسدة الحكم حدث استراتيجي، وقد استخدم نفس المفردة تحديداً "مكثفة" أو متسارعة، وهي المفردة التي استخدمها مسؤول عسكري كبير آخر، كبير جداً قبل عدة أشهر؛ وهذا يكمل الصورة الواضحة الآتية: قيادة الأجهزة الأمنية في اسرائيل في أغلبيتها لديها رأي يقضي بوقوع أمور استراتيجية كبرى لم تتضح بعد بشكل دقيق، فمن غير الواضح الى أين يقود هذا الأمر ايران، ومن غير الواضح ماذا تكون نتائجه النهائية، ما هو واضح حسب رأي من يشغلون المناصب الرفيعة الحساسة في الجيش والمخابرات في إسرائيل ان وراء الأكمة ما ورائها.
على هذه الخلفية يمكن ان يكون التعاون بين إيران وأمريكا، حتى وان كانت الأخبار حوله مبالغ فيها، يمكن ان يكون حدثاً ايجابياً وليس فقط سلبياً، في الأيام العادية كل خبر من هذا القبيل عن التقارب بين الدولتين تشعل في القدس حريق غابات هائل وفزع وصراخ يبلغ عنان السماء، هذا الأسبوع حدث حرج كبير وامتعاض مستمر في الأوساط المحيطة بنتنياهو ضد سياسة أوباما، ولكن في الغرف المغلقة يحلل أصحاب المراكز في الأجهزة الأمنية الوضع بطريقة مختلفة بعض الشيء، حقاً انهم مزعوجون بعض الشيء من ان يؤدي هذا التعاون الى تقارب غير مرغوب فيه من شأنه ان يجعل الامريكان متنازلين جداً في المفاوضات النووية الذي يعتبر في القدس مصيرياً لمستقبل إسرائيل وأمنها القومي.
من ناحية أخرى؛ فإن المسؤولين الأمنيين في إسرائيل يعترفون بحقيقة ان القوى العظمى بقيادة أمريكا الى الآن "تبشر بالخير" في كل ما يتعلق بمفاوضات النووي الايراني "لا زالوا على مواقفهم ولم تزل أقدامهم" يقولون في الجيش، وفي الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية، فلماذا الآن تحديداً يبدؤون بالتراجع؟
يمكن ان ينضم الى هذا النقاش الموقف الاسرائيلي المتبلور من داعش؛ فرئيس الحكومة نتنياهو يحول ان يربط بين داعش وحماس الى الآن بنجاح جزئي، نعم، في كلا الحالتين يدور الحديث عن تنظيمين سنيين متطرفين لا يترددان في استخدام الإرهاب، غير ان حماس لم تقرر بعد تنفيذ سياسة قطع الرؤوس، فقد اكتفوا بإطلاق النار على الركب لإخوانهم من فتح، وأرسلت العشرات منهم للموت بإلقائهم من فوق الأبراج في غزة أثناء سيطرة حماس على القطاع عام 2007.
"لا يشكل داعش تهديداً محتملاً على اسرائيل في هذه المرحلة" أخبرني ضابط اسرائيلي مختص بشؤون هذا التنظيم "المقصود تنظيم غير منظم بشكل كبير، وغير مسلح كفاية، يعيش في الأغلب على موجات من الحماسة والفزع الذي يثيره في الناس، ولم يواجه الى الآن جيشاً نظامياً مدرباً قوياً، وعندما يحدث هذا فإننا نتوقع ان تكون النتائج مختلفة، وحالياً وقد تلقى الأكراد دعماً ورسموا الخطوط توقف ما كان يحدث من تفتت الجبهات" قال الضابط.
ولكن للحديث بقية "خلافة اسلامية هنا في المنطقة هي كارثة استراتيجية" قال "الخشية الأكبر هي من وباء التطرف الخبيث، ستجر اليها كل ما يصادف طريقها، إذا أفلح هؤلاء القوم حقاً بإقامة دولة اسلامية متطرفة تهدد من حولها فإن من شأنهم التقدم بسرعة وحيازة التأييد الشعبي والتحول – دون أن يشعر بذلك أحد تقريباً – من حدث تكتيكي صغير الى كارثة استراتيجية يستغرقنا أجيالاً للقضاء عليه"، وأضاف الضابط "هذا القطار يجب إيقافه الآن بينما لا يزال قمقماً يصفر".
سألته عن الأمريكيين وهل يفهمون ذلك؟ "يبدو لي نعم، استغرقهم بعض الوقت أو أسابيع، ولكنك ترى الآن انهم ينتظمون سريعاً ويفهمون الوضع، والاوروبيون أيضاً أخذوا بالدخول الى الواقع الجديد".
هل هذا يكفي؟ "إلى الآن نعم يكفي، ولكن هذا فعلاً غير أكيد، ففي مواجهة تنظيمات كهذه لا يكفي القصف الجوي، فالإرهاب الإسلامي المتطرف هزم في منطقتنا فقط عندما استخدمت ضده قوة كبيرة حرثت الأرض قرية قرية، وبيتاً بيتا، هذا ما قمنا به في عملية السور الواقي لوقف سيل الانتحاريين، وهذا بالضبط هو الفرق بين غزة والضفة؛ في غزة نحن غير موجودون، فقط نهدد من الجو، لذلك فهي تتقوى وتتحول الى دموية ما بين المرة والأخرى، في الضفة نحن موجودون ونقطع كل رأس ترتفع باتجاه الارهاب في الوقت المناسب، نستخدم الاستخبارات ونعرف المنطقة لذلك فإن الإرهاب لا يستطيع رفع رأسه".
لهذا الموضوع انعكاساته الثقيلة في مفاوضات على مفاوضات السلام المستقبلية أيضاً، بنيامين نتنياهو يأمل ان العالم يفهمه الآن أكثر، وما يبدو لي فإن العالم لا يفهمه الى الآن، وأحد الأطراف سيفهم في النهاية ما كان يجب ان يفهم بالطريقة الأطول والأصعب.
عن المونيتور


