خبر : فرصة سانحة لإنهاء الانقسام ...بقلم: مهند عبد الحميد

الثلاثاء 11 فبراير 2014 11:38 ص / بتوقيت القدس +2GMT



إذا كان انهاء الانقسام بمضمون وطني ديمقراطي يتفق مع المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني منذ بداية الانقسام وحتى الآن. فإن مصالح تنظيمي "فتح" و"حماس" كتنظيمين محتكرين للسلطة تتقاطع الان مع هدف إنهاء الانقسام. فعلى الصعيد السياسي ثمة حاجة ملحة لحركة فتح وهي تتفاوض مع إسرائيل والادارة الاميركية حول إقامة دولة فلسطينية، للقول ان هذه الدولة تشمل قطاع غزة والضفة الغربية، ولا تقتصر على الاخيرة فقط، وأن التمثيل الفلسطيني مكتمل. بمعنى آخر يهم قيادة فتح منع استخدام سلاح الانقسام ضدها، والحيلولة دون ابتزازها والضغط عليها عبر اجتزاء التمثيل. من جهة أخرى فإن إنهاء الانقسام في هذه اللحظة التي تشتد فيها الضغوط الاقليمية والدولية ، يخدم قيادة فتح، ويضعف امكانية التدخل في الشأن الداخلي للحركة، لجهة دعم اتجاه ضد آخر وترجيح كفة الاتجاه الذي يستجيب للشروط الدولية والاقليمية. ثمة مقدمات لمثل هذا التدخل، عبر تشكيك معلن بنوايا الشريك، والحديث عن إهدار فرصة تاريخية، وبأن الشعب يستحق ما هو افضل.
مقابل ذلك، فإن حركة حماس هي بأمس الحاجة للشرعية الفلسطينية، بعد أن فقدت حلفاءها الواحد تلو الاخر- ايران وسورية وحكم الاخوان في مصر-، وفقدت معهم اشكالا من الدعم السياسي والمالي واللوجستي العسكري بما في ذلك الأنفاق التي تربط القطاع بالاراضي المصرية، بل إن الحركة المتهمة بالتدخل في الشأن الداخلي المصري باتت مهددة بالعزلة والحصار الخانق اكثر من اي وقت مضى. لذا فإنها بحاجة لغطاء سياسي فلسطيني وبحاجة لمن يحمل معها الاعباء الكبيرة المترتبة على خسارتها للحلفاء والدعم.
إذا كانت المصالح المتبادلة أقوى وتستطيع ان تضع نهاية للانقسام بالمعنى الافتراضي، فهل التدخلات الخارجية المتعاظمة بالشأن الفلسطيني ستسمح بذلك؟ لا سيما وأن التدخلات الخارجية ساهمت بمستوى كبير في الانقسام وفي استدامته طوال السنوات السبع الماضية. فكان لدولة الاحتلال مصلحة في فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية ولهذا فقد شجعت بشكل كبير الانقسام. وكان لايران وسورية مصلحة في الانقسام لطالما ان "الورقة الفلسطينية" ليست بيدهما فانحازا الى طرف دون آخر بما يخدم مواقفهما ويعزز الانقسام في آن. وكذلك الحال بالنسبة لقطر التي انحازت لحركة حماس، ومصر( في عهد حسني مبارك) التي انحازت لحركة فتح. الموقفان الامريكي والاروبي بدورهما وضعا سلسلة من الشروط المقرونة بعقوبات تركت بصماتها على الحركتين وعلى نتائج الصراع بينهما. ما هو مؤكد ان دولة الاحتلال ستسعى الى إفشال مشروع إنهاء الانقسام، وإعادة ربط القطاع بالضفة، وستمارس الوانا من الضغوط. تشاركها في الضغوط الادارة الاميركية وجزئيا الاتحاد الاوروبي. وفي الوقت نفسه زال الفيتو السوري الايراني. اما مصر ما بعد حكم الاخوان فلن تكون عقبة أمام إنهاء الانقسام رغم خلافها مع حركة حماس. ويمكن القول ان الحركتين ومعهما المنظمة وحركة الجهاد الاسلامي يستطيعون معا التغلب على العوائق والضغوط إن تسلحوا بإرادة سياسية قوية.
السؤال الأهم، هل اقتنعت حركة حماس بالتعدد السياسي والثقافي والديني، وبالتبادل السلمي الديمقراطي للسلطة والقيادة، وبقواعد النظام الفلسطيني؟ وبالحريات العامة والخاصة وبالدولة المدنية؟ ام أن تراجعها عن الانقسام محض تكتيك اضطراري، يمكن التراجع عنه في لحظة مواتية أخرى. هل استخلصت حماس دروس الانقلاب العسكري، وتجربة الحزب الحاكم، "وحمسنة" مؤسسات السلطة، وتكميم الافواه وقمع الاحتجاجات وسلب الحريات العامة والخاصة؟
تجربة "النهضة" في تونس تقدم بارقة امل حول قبول الاسلام السياسي بالتعدد السياسي والثقافي وبالحريات وبخاصة حرية المرأة، وبتجريم التكفير والارهاب. هذه التجربة التي ما تزال في باكورة عهدها، تحتمل النجاح والتقدم وتحتمل الانتكاس. لكنها وفي كل المقاييس كانت خارج المألوف بالنسبة للاسلام السياسي في ايران ومصر والسودان والجزائر وافغانستان وغيرها من البلدان والتجارب. لقد حاولت النهضة استيعاب تجربة الاخوان في مصر والاوضاع المأساوية التي آلت اليها. أرادت ان تتجنب نهاية مأساوية مماثلة. غير ان الدرس المصري ما كان له ان يستوعب بمعزل عن النضال الديمقراطي المثابر والشجاع لاتحاد الشغل التونسي والنساء واليسار والقوى الديمقراطية الذين خاضوا معا عشرات المعارك الديمقراطية بدأب وبثقة ومسؤولية وتمكنوا من خلق ميزان قوى لا يمكن لحزب النهضة ان يقفز عنه. هل تحذو حماس حذو النهضة، سواء لجهة استخلاص الدرس المصري، او لجهة احترام الرأي العام الذي يرفض الاسئثار بالحكم. الرأي العام الذي عبر عن ذلك بمعاقبة حركة فتح في انتخابات 2006 التشريعية والبلدية. والذي عبر عن امتعاضه من حكم حماس اثناء احتفالاته بانطلاقة الثورة العام الماضي.
وهل اقتنعت حركة فتح بأنه لا يمكن الجمع بين بنية تنظيمية أبوية وجهاز سياسي بيروقراطي لم يتجدد ولا يعرف الاصلاح والمساءلة والمحاسبة، والبقاء كحزب قائد وحاكم. هل اقتنعت فتح بأنها صنعت مؤسسات فاشلة لا تحظى بثقة المواطن؟ هل اقتنعت حركة فتح ان التعيينات والترفيعات بالاستناد للولاء وبمعزل عن الكفاءة المهنية هي وصفة سحرية لفقدان ثقة الناس بها؟
نفتقد لاتحاد شغل فلسطيني، ويسار وحركات نسوية ومستوى ثقافي وديمقراطيون فلسطينيون، يدخلون المعركة ويصنعون رأي عام ديمقراطي تعددي ضاغط على مراكز القرار في الشأن الوطني والاجتماعي. بحاجة لكل هؤلاء ليصنعوا بنضالهم الاجتماعي الصريح لوحة الديمقراطية الفلسطينية بمؤسساتها وقاعدتها الاجتماعية الصلبة. في غياب نضال ديمقراطي مثابر، في غياب نقد الفساد والبيروقراطية والتسلط والرجعية المحلية، في غياب هذه المقومات سنصحو على اتفاقات من فوق، اشبه بصفقة مؤقتة او دائمة. ستتفق حماس وفتح على تقاسم السلطات وسيأخذان بالاعتبار اولا وأخيرا المصالح الفئوية لجهازيهما البيروقراطيين. لن يستخلصا الدروس ولن يقدما على الاصلاح المطلوب وفقا لمعايير محددة، ولن تنقدا اخطاءهما الكبيرة والصغيرة، وسيكون الخاسر الاول والاخير هو المواطن. وتلك نتيجة منطقية في غياب فعل حقيقي على الارض.

Mohanned_t@yahoo.com