لأسباب كثيرة لا يد لي في معظمها لم أكن من المترددين كثيرا على القاهرة، رغم أنني استطيع أن أقول إنني املك ثروة من الأصدقاء في مصر.
لم تكن فعاليات معرض الكتاب الهدف الوحيد لزيارتي للقاهرة الأسبوع الماضي، فإضافة الى تقديم العدد الخامس من فصلية "أوراق فلسطينية" رفقة الصديق الكاتب يحيي يخلف، كانت هناك الرغبة العميقة في رؤية القاهرة والتجول في شوارعها والحديث مع الناس، كنت مشغولا كغيري من الفلسطينيين، إضافة الى الهم المصري، بما آلت اليه فلسطين في المزاج الشعبي المصري، والى أي مدى تركت بعض الحملات الإعلامية الهوجاء المعادية للفلسطينيين أثرها في روح مصر ووجدانها النبيل.
ثمة حملة في مصر تحمل الفلسطينيين جزءا من موجة العنف التي شهدتها البلاد إثر عزل مرسي وابعاد جماعة الإخوان المسلمين عن السلطة وعن المشهد السياسي لاحقا، حملة لا تتصف بالمهنية وتعتمد على اثارة الشارع وتعبئته بالكراهية، معتمدة في غذائها على مسارين، الأول حماقة فرع الجماعة في فلسطين ممثلة بـ "حماس" والأجنحة الإسلامية في مناطق الـ 48، وتصريحات ممثلي هذه الأجنحة، التي تفتقر الى الحد الأدنى من التبصر السياسي والحساسية، والأسوأ هو افتقارها الى قراءة عميقة وواقعية لاتجاهات الشارع المصري والانجرار وراء العصبية الحزبية الضيقة للجماعة وممثلها المعزول، هذا اذا تجاوزنا المصلحة الوطنية الفلسطينية التي تقتضي قبل كل شيء الحرص على العلاقة التاريخية مع العمق المصري وتطلعات الأغلبية الساحقة من المصريين.
هذه الحماقات التي عبرت عنها بوضوح خطب بعض الشيوخ وفتاواهم، والتي ساقت بضع مئات من المتظاهرين في شوارع غزة، او باحات الأقصى في سابقة غريبة، وهم يحملون صور محمد مرسي ويرفعون اشارة "أردوغان" التي عرفت بإشارة رابعة في مشهد بائس مثير للغيظ والشفقة في آن، بينما يتدفق ملايين المصريين في نجوع مصر وقراها ومدنها يطالبون بالتحرر من فساد الجماعة وتحرير مستقبل بلادهم وخبز اولادهم، وتحقيق الأمان في وطنهم بعيدا عن سطوة الجماعة وابتزازها وتفردها وسوء ادارتها لشؤون البلاد والعباد.
المسار الثاني كان، دون شك، البيانات الأمنية غير الموثقة او الواضحة التي تزج بسبب ودون سبب التابعية الفلسطينية لأشخاص غامضين في اعمال العنف التي شهدتها مصر، او الأعمال التي استهدفت الجيش المصري، غموض هذه البيانات وشبحية أشخاصها منح المتصيدين في بعض وسائل الإعلام المصرية مياها عكرة كافية لإحداث الضرر، وهو بالضبط ما لم يوفروا جهدا في اقتناصه.
ما يعنيني هنا هو غياب أي دور فاعل ومؤثر لمنظمة التحرير في توضيح موقف فلسطيني معني بالمشروع الوطني الفلسطيني، وباستعادة صورة الفلسطيني الحقيقية في الوجدان العربي المصري، غياب هذه الحملة والاكتفاء بتصريحات متفرقة ممجوجة يساهم ايضا في الضرر الذي تسببت به حملة تشويه فلسطين في مصر.


