خبر : ازدواجية الاخلاق ....! ...أشرف فارس الغول

الأربعاء 11 ديسمبر 2013 10:43 ص / بتوقيت القدس +2GMT
ازدواجية الاخلاق ....! ...أشرف فارس الغول



الأخلاق هي مجموعة من القيم والمباديء , وترتقي الى أن تصبح مرجعية ثقافية وقانونية تحتكم اليها الشعوب , ويعتبر الدين سندا رئيسيا للاخلاق , بالاضافة لمجمل العادات والتقاليد الموروثة والتي بدورها تكون باطنية وظاهرية فتنعكس علي تصرفات البشر لتحكم العلاقة وتنظمها فيما بينهم في اطار قانوني مستمد من الاخلاق . وتختلف المسؤلية الاخلاقية عن المسؤلية القانونية , فالمسؤولية القانونية تكون أمام تشريعات وضعية يطبقها القضاء, أما المسؤلية الاخلاقية فهي أوسع وأشمل لأنها تتعلق بعلاقة الانسان بربه ونفسه وبغيره وهي روح تطبيق القانون .
أزمة دولنا العربية وشعوبها التواقة للحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية , ليست ازمة تغيير الحكام والاحزاب وسن دساتير جديدة وقوانين معاصرة , بل هي أزمة ازدواجية الاخلاق بالاساس والتي تنعكس بدورها علي مجمل حياتنا اليومية , وبدون ان نخرج من هذه الأزمة سنبقي ندور في حلقة مفرغة , من اتهامات متبادلة وقناعات زائفة يتمسك بها كل طرف مدعي أنه الأجدر وصاحب الحق في قيادة هذه الشعوب للوصول الى مبتغاها . ومن هنا بتنا منقسمين بين تيار اسلامي يدعي ان الاسلام هو الحل , وبين تيار ليبرالي يدعي أن اعلاء حقوق الانسان وحرية الاعتقاد والسوق الحر هما الحل . والجميع يستشهد بالعديد من التجارب السابقة والانية لما يؤمن به .


ولكن للاسف غاب عن الطرفين ان سر النجاح لاي من التجربتين هو الانسان الذي يشكل مجتمع قادر علي الابداع والتطور وخلق تجربته الخاصة به , فأغلبنا يا سادة مشوهون اخلاقيا نكذب علي انفسنا ومن حولنا , ندعي الايمان ونفعل كل الموبيقات , نطلب من ابناءنا ان يكونوا ملائكة وبنفس أعمارهم كنا شياطين , بعضنا يشرب الخمر ويعاقب ابناءه علي التدخين , نرتكب الفاحشة ونعاقب بناتنا بالموت عليها , نهرب من العمل ساعات باسم الصلاة , نقتل باسم الدين , نسرق تحت مسمي الضرورات تبيح المحظورات , ونتسارع يوم الجمعة للصلاة في الصفوف الامامية للمصلين في الجامع كي يشاهدنا الجميع لنأخذ صك البراءة من الله علي أفعالنا الشنيعة خلال الأسبوع , وكلنا من الدين براء , ألم يقول رسول اللله صلي الله عليه وسلم انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق , وأما مدعين الليبرالية والقيم الانسانية فيجدون ضالتهم بهذه الشعارات للتصالح مع أنفسهم وايجاد المبررات لأفعالهم المتنافية أحيانا مع الأخلاق التي استمدوها من مجتمعهم الاسلامي وطريقة لكسب المال السريع , ومنهم من تجده مدافع باستماته عن القيم والمباديء والحريات والديمقراطيات وحين تأتي الانتخابات بفريق ليس علي هواهم يجدون كافة المبررات لفعل نقيض ما كان ينادون به, ولنكن منصفين أن ذلك لا ينطبق علي الجميع بنفس الدرجة , ولكن هذه هي سمات مجتمعاتنا الغالبة والتي تنتج انسان لا يعرف التميييز بين الخير والشر وغير قادر علي الابداع والتطور مهزوم داخليا متظاهر بالقوة خارجيا .


عندما جاء الربيع العربي وتعلقت الامال علي الاسلاميين بقيادة الأمة للتقدم ونيل حرياتها , كنت من أكثر المناصرين لهم , ليقيني أن شعوبنا تحتاج لتجديد أخلاقها المستمدة من الدين , وهم الأقدر والأجدر علي فعل ذلك , فوجودهم بالسلطة وبطريقة ديمقراطية سيضعهم أمام تحديات فكرية وفقهية وأيدولوجية , لتتناسب مع متطلبات الرقي والتقدم والعدالة الاجتماعية بعيدا عن تشنجات خطاباتهم وهم خارج السلطه , وهذا سيعيد الاتزان للشخصية العربية المؤمنة بدينها , وتجديد قيمها وأخلاقها لتستطيع مواكبة الحضارة كباقي الدول المتقدمة , ولكن للاسف مارسوا ازدواجية الأخلاق بكل شيء , أرادوا أن يعيدونا مرة أخري خلف التاريخ , عادو الى خطاباتهم التشنجية , أقصوا جميع شركائهم , لم يقدموا أي شيء يذكر لبث روح الامل والتغيير في مشاريع أخلاقية واقتصادية يكون حولها اجماع من الامة , وقد يقول قائل انهم لم ياخذو فرصتهم , كان الهجوم عليهم من الأعداء والمتربصين فوق طاقاتهم , قد يكون هذا صحيحا , ولكن الأهم أنهم لم يفكروا مجرد التفكير في التغيير ومعالجة قضية الأخلاق , واعادة التوازن المطلوب للشخصية العربية .


وما زاد الطين بلة المعارضة الليبرالية, فبدلا من التركيز علي الالتحام بالشارع وتحسس معاناته , والمساهمة الفعالة بترسيخ مباديء الديمقراطية من الاحتكام لصناديق الاقتراع , وطرح البدائل المنطقية لتعزيز القيم الاخلاقية في الانسان من تقبل الاخر والتوجه للعمل والبناء , اختارت طريق المصادمة والتركييز علي اخطاء الاخرين والاصطياد في المياه العكرة خدمة لمصالحها الشخصية وتبريرا لعجزها , مما انعكس بالسلب علي أخلاق العامة من الناس وتركهم فريسة لتنازع الاخلاق , وعزز الشعور للاغلب منهم بعدم الانتماء لأوطانهم والكفر بكل ما حوله الذي هو أصلا يعاني من هذة الازدواجية .


والى من يحكمون باسم الدين اليوم , حكم الشعب ليس هدية من الله علي تضحياتكم لتستبيحوا أرزاقه وتتحكموا بمقدراته , فهم من جاءوا بكم أملا بالتغيير والخلاص من الفساد وطلبا للأمان , فلا تشوه أخلاقه أكثر , لا تشعروه بعجزه وفشله وتأنيب الضمير علي اختياركم , لا تجعلوه يفقد توازنه الأخلاقي فيكفي ازدواجية أخلاق من ظلموه , كيف تطلبون منه الصمود والتضحيات والصبر علي ما اصابه , والكثير منكم يمارس أفعال الشياطين , لا تأخذوا بعض ايات القران الكريم مجتزأه لتبرروا أفعالكم الكريهة , قد تقولون هذه فئة قليلة منا صابتها فتنة المال والحياة ونقوم علي محاسبتها , ونقول لكم سنأخذ بالنتائج علي الارض , فحالة الاحباط وعدم اليقين وانتشار المخدرات والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والنقمة علي أفعالكم باتت كالجمر تحت الرماد بانتظار الريح التي ينفث بها الاعداء والمتربصين لتحرق الجميع من حولها , فلا مصلحة لخير قضيتنا العادلة باقصاءكم فعليكم المسؤولية اعظم , فانتم من يفترض ان تكونوا القدوة الحسنة لاستخراج اجمل ما في ديننا وعاداتنا من الاخلاق الحسنة, لا زرع الحقد والكراهية وازدواجية الاخلاق.


والي مدعين الليبرالية بمفهومها المطاطي كفاكم نرجسية واستعلاء , اهبطوا من قلاعكم المشيدة بمفاهيم عقيمة , وشعارات زائفة , وافكار غريبة مستوردة من عالم الوهم والخيال , تصالحو مع أنفسكم ومع من امنوا بكم وبأفكاركم , لا تتركوهم في وقت هم باشد الحاجة لمن يقف معهم , يحتضنهم يعزز صمودهم يداوي جراحهم , فمعاقبتهم علي اختياراتهم سيزيد من حالة النقمة عليكم وعلي أنفسهم أكثر , ويعزز حالة التوهان والاحباط والكل في نهاية المطاف خاسر .


كل ما نحتاجه الان هو ثورة ونهضة في الدين والاخلاق والقيم والفلسفة والعلوم والفن والسياسه والأدب والموسيقي, أن نتخلص من هذه الازدواجية اللعينة في معاملاتنا ومعتقداتنا , أن نعمل سويا علي اعادة صياغة مفاهيمنا وثقافتنا ,أن نقف أمام أنفسنا ونعترف أننا كاذبون منافقون اتكاليون وغير مبادرون , أن نستفز ما بداخلنا لنستخرج أجمل ما فيه من قيم واخلاق مستمدة من ديننا وعاداتنا , والانتماء لفكرة ومبدأ أن الانسان الحر صاحب الأخلاق بالممارسة لا القول هو القادر علي التغيير والتطوير والأبداع , وتقع المسؤولية الاولي هنا علي رجال كبار الدين والمفكرين والمبدعين والقادة ومؤسسات المجتمع المدني والاباء والامهات والمدرسين والمشرعين وكافة مكونات المجتمع , فان لم نبدأ الان سنبقي ندور في حلقة مفرغة لن نخرج منها الا بعد ان ندفع أثمان أكبر من طاقاتنا ويومها لن ينفع الندم .

Ashraf_alghoul@hotmail.com