انطلقت حركة حماس في لحظة كنّا نعتقد بأن الشعب الفلسطيني قد انتهى وذابت هويته الوطنية، حيث كان جلّ الشباب قد انخرطوا في العمل داخل الكيان الإسرائيلي وبدأوا في التطبع بعادات المحتل وتقمص سلوكياته، ومنهم من شرع في محاكاة الكثير من طباعه وخلفياته الثقافية.
لعقدين من سنوات الاحتلال التي سبقت انتفاضة الحجارة، فقد الكثير من جيل الشباب بوصلته الوطنية وأخلاقياته الدينية، وطغت مظاهر الابتذال والانحراف على أسلوب حياته؛ لأن ضوابط المشهد العام لما هو عليه سواء في الشكل أو الملبس هو ما كان يشاهده في المدن والكيبوتسات اليهودية وعلى شواطئ يافا وتل أبيب من حيث الإباحية والعري واختلاط الجنسين.
في الثامن من ديسمبر1987م، قامت شاحنة إسرائيلية بصدم سيارة يركبها عمال فلسطينيون من جباليا- البلد كانت متوقفة في محطة وقود، مما أودى بحياة أربعة أشخاص وجرح آخرين.. هزَّ هذا الحادث الأليم مشاعر الفلسطينيين، وحرك فيهم النخوة والكرامة والرغبة في الانتقام، حيث تحركت الجموع في انتفاضة عارمة لتغيير المشهد الاجتماعي والأمني في قطاع غزة، من حيث التصدي لجيش الاحتلال ومؤسساته الإدارية والأمنية.
الانتفاضة الأولي: مشاهد وانطباعات
في شهر سبتمبر من عام 1987م كنت قد أنهيت دراستي الجامعية بالحصول على شهادة الماجستير تخصص إعلام دولي (International Media)، وقبلها كنت قد حصلت على درجة الماجستير في التقنية الصناعية (Industrial Technology) .. وفي بدايات شهر إبريل 1988م كانت عودتي من أمريكا إلى قطاع غزة عن طريق جسر الملك حسين أو ما يسمى اليوم بمعبر الكرامة، حيث طالعتني ونحن نتحرك بالسيارة بين المخيمات مشاهد أطفال الحجارة والجدران العامرة بالشعارات الثورية والرسوم الوطنية (Grafitti).
لم أصدق ما شاهدت؛ لأنني كنت قد تركت قطاع غزة في فبراير 1982م بالصورة التي وصفتها للشباب، من حيث الابتذال والفساد والانحطاط الأخلاقي، إضافة لضياع الهوية وغياب الكرامة الوطنية.
كان مشهد الانتفاضة وما في فعالياته من حراك شعبي يقوده الشباب بمستويات عالية من الحرفية النضالية والتضحية الجهادية، وكذلك بفعاليات وتكتيكات المواجهة اللاعنفية التي تشكل حالة من التميز والإبداع الذي يأخذ بالألباب.
تساءلت وهمست مع كل من حولي، ما الذي تغير في حياة هؤلاء الشباب حتى حدث هذا الانقلاب في المشهد بزاوية 180 درجة.؟
وما بين رواية العجائز التي تعتمد المقولة الدينية "إذا ربك بدّو شيء يصير بيصير"، ورؤية المفكرين والمحللين السياسيين وأساتذة علم الاجتماع التي تقول: إن دخول الإسلاميين على خط العمل الثوري والفعل الوطني هو ما أعطى لتلك الانتفاضة هذا الزخم والمدد الشعبي المسنود بجهد الحركة الإسلامية، والتي وضعت ثقلها التنظيمي وراء استمرار الانتفاضة، وتغذية فعلها الشبابي بكل مستلزماته النضالية؛ الحشد والتعبئة، والتوجيه بالبيان والنشرة، والإعلانات الحركية من على لوحات المساجد ومنابرها والتي تدعو للجهاد والمقاومة، ومن داخل صفوف المدارس التي تطالب التلاميذ بالخروج، وتحثهم على الثورة والتمرد ضد المحتل الغاصب، وكذلك ما رصدناه من حالات الالتحام الجماهيري - الوطني والإسلامي - لإسناد الانتفاضة ومباركة فعلها، وشدّ أزر الشباب في ميادين المواجهة أو في زنازين الاحتلال ومعتقلاته.
صحيحٌ، قد ترى حركة حماس أن ثقلها الكبير خلف الانتفاضة هو الذي أعطى هذا الحراك الشعبي كل هذه القوة والقدرة والزخم على الاستمرار والتجلي، وتقديم إبداعات ولقطات متميزة في الفعل المقاوم للاحتلال.. ولكن، وهذا هو الوجه الآخر للحقيقة، هو أن فصائل العمل الوطني كانت هي الأخرى قد ألقت بثقلها النضالي والتنظيمي وبنشطاء كوادرها لتأخذ طريقها للساحات والميادين وتحدي جيش الاحتلال.
لقد كان الكل الوطني والإسلامي متصدراً لساحات الوغى، وقد تمكن الجميع من خلال مشاركته في فعاليات الانتفاضة من إذلال جيش الاحتلال، وتمريغ أنفه في التراب.
لقد مرت سريعاً تلك السنوات الست من عمر الانتفاضة، والتي جسدت وحدة الموقف والفعل الفلسطيني، منذ انطلاقة حماس في 14 يناير 1988م وحتى الإعلان الرسمي عن نهاية فعاليات الانتفاضة في عام 1994م، بدخول الرئيس أبو عمار – رحمه الله – وقيادات وكوادر منظمة التحرير الفلسطينية إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، والقيام بتشكيل مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية... كانت تلك السنوات الست واحدة من أعظم صفحات المجد وتجليات الإبداع النضالي، الذي سطّره الكل الفلسطيني - الوطني والإسلامي - في مآثره ومشاهد خلوده الأسطوري.
أبو عمار وإشكاليات بناء السلطة
شكلت السنوات التي أعقبت قيام السلطة الوطنية الفلسطينية اختباراً صعباً للعلاقة بين حركة حماس وحركة فتح، حيث شهدت محاولات لترويض حركة حماس أو العمل لكسر إرادتها وجرّها عبر سياسة العصا والجزرة للالتحاق بالسلطة والدخول في شراكة سياسية تحت عباءتها، بكل ما يعينه ذلك من إلزام المقاومة بعدم الخروج عن منظومة السياسة الأمنية التي تعهدت بها السلطة عند توقيعها على اتفاقية أوسلو في 13 سبتمبر 1993م بالعاصمة الأمريكية واشنطن، والتي تعني أول ما تعني الوقف الكلي لكافة أشكال المقاومة، والتناغم سياسياً مع السلطة فيما يتعلق بعملية التسوية السلمية مع الاحتلال، وانتظار ما يمكن أن تقدمه إسرائيل على مستوى تقديم التسهيلات وتهيئة الأجواء لقيام الدولة الفلسطينية الموعودة.
بالطبع، كان موقف حماس منذ البداية هو الرفض لأوسلو، باعتبارها اتفاقاً أمنياً لن يؤدي لتحقيق تطلعات الفلسطينيين في دولة حرة مستقلة.. ولذلك، كان القرار بالاستمرار على نهج المقاومة والجهاد، وهو ما أدى إلى الدخول مع السلطة في مواجهات واتهامات، أدت إلى قيام أجهزة أمن السلطة بحملات اعتقال واسعة لكوادر الحركة الإسلامية وقياداتها عام 1996م.
مالت بعض قيادات الحركة الإسلامية للمهادنة، وقامت بإنشاء حزب سياسي باسم حزب الخلاص الوطني الإسلامي، وحاولت التكيف مع المساحات المتاحة من الحرية السياسية التي منحتها السلطة للأحزاب، فأصدرت صحيفة باسم الوطن ثم الرسالة، وظلت تناضل في هذا البحر المتلاطم الموج من التوجس والتربص والتوتر والخلافات السياسية مع السلطة.
حاول الرئيس أبو عمار جهده، ولم يدخر رحمه الله وسعاً في مساعيه لإقناع حماس والشيخ الشهيد أحمد ياسين بالوقوف إلى جانبه، والمضي قدماً للتغلب على مطبّات أوسلو القاتلة، لكن موقف حركة حماس كان واضحاً وهو العمل على إسقاط أوسلو؛ باعتباره اتفاقاً أمنياً لن يأتي بالدولة الفلسطينية الحرة المستقلة.. لذلك، ظلت أشكال الصراع – للأسف - قائمة، سواء على مستوى المناكفات أو الاعتقالات للكوادر والقيادات.
في المرحلة التي أعقبت مجزرة الحرم الإبراهيمي في 15 فبراير1994، توعدت حركة حماس بالانتقام لدم أولئك الشهداء والجرحى.. وفعلاً؛ أنجز المهندس الشهيد يحيى عياش الملقب بالمهندس وعده، وذلك بالقيام بخمس عمليات استشهادية هزّت أركان الاحتلال وبثت الرعب والفزع في كل مدنه وقراه، وأدت إلى توتير العلاقة وتصعيد حالة الاشتباك وغياب التفاهم بين السلطة وحركة حماس بشكل خطير جداً.
ومن الجدير ذكره، أن تلك العمليات العسكرية التي قامت بها كتائب الشهيد عز الدين القسام قد منحتها مكانة وهيبة، ورفعت من اسم حركة حماس وأسهمها بشكل كبير داخل الشارع الفلسطيني، ولكنها في الوقت ذاته، أعطت لإسرائيل الذريعة لكي تتبرأ من التزاماتها تجاه السلطة الفلسطينية، وأن تتخذ منها حججاً للتهرب من استكمال عملية انسحابها من باقي المناطق المحتلة .
في سبتمبر 2000م، وعلى إثر محاولة قام بها شارون لاقتحام المسجد الأقصى، حدثت الانتفاضة الثانية؛ "انتفاضة الأقصى"، وجاءت معها "وقفة التحدي" التي اتخذتها كافة القوى الوطنية والإسلامية بالعمل صفاً واحداً لمواجهة تعديات المستوطنين على مقدساتنا الإسلامية، والتصدي بقوة وبسالة لجيش الاحتلال.
كانت المواقف البائسة والمهينة التي تعامل بها الاحتلال مع السلطة الفلسطينية بقصد إذلالها، وقدرة المقاومة على توجيه ضربات عسكرية موجعة جدعت أنف الاحتلال وكسرت هيبته، قد أعطى الكثير من الشرعية والاحترام لحركة حماس، الأمر الذي زاد من شعبيتها بشكل ملحوظ في الشارع الفلسطيني، وهو ما بدأت تعبر عنه نتائج الانتخابات، من حيث تقدم الإسلاميين في كافة المجالات، وفوزهم في معظم انتخابات الكتل الطلابية بالمعاهد والجامعات، وكذلك ما أحرزوه من سبق في صدارة النقابات المهنية والاتحادات، إضافة إلى ما أظهرته استطلاعات الرأي العام التي تمَّ إجراؤها في الضفة الغربية وقطاع غزة من ارتفاع ملحوظ في نسبة حظوظ الإسلاميين بامتلاك مشهد الحكم والسياسة.
حماس ومقاربة "لا بدَّ من قفزة للأمام"
كانت النتائج التي أظهرتها الانتخابات البلدية والمجالس القروية أعوام 2004 – 2005م أكثر من مشجعة لحركة حماس لكي تعيد النظر بمسألة ترددها في عملية المشاركة السياسية، حيث قدَّمت استطلاعات الرأي المختلفة تطمينات كافية لحركة حماس والتيار الإسلامي - بشكل عام - بأن حظوظهم كبيرة في الفوز بنسب مرضية في أية انتخابات قادمة، وهذا سيمنحهم مقاعد متقدمة؛ سواء على مستوى حضورهم داخل المجلس التشريعي أو في الحكومة التي سيتم تشكيلها بعد الانتخابات.
يبدو من خلال تلك النتائج المشجعة، أن حركة حماس قررت مراجعة مواقفها السابقة من مقاطعة الانتخابات، واعتماد مقاربة جديدة مفادها أن مشاركتها السياسية هي من ناحية من أجل حماية مشروع المقاومة، الذي باتت تتهدده تغولات الأجهزة الأمنية، من حيث قيامها بملاحقة كوادر وقيادات كتائب القسام والعناصر الإسلامية التي تعتمد العمل المسلح كاستراتيجية نضال لها.. ومن الناحية الثانية، فإن حجم التنازلات التي تقدمها السلطة للاحتلال قد بلغ مستوى لا يمكن القبول به أو السكوت عنه، وبالتالي لابدَّ من التصدي له سياسياً، وهذا لن يتأتى دون الدخول على خط العملية السياسية من خلال المشاركة في الانتخابات وتشكيل تكتل سياسي ضاغط من داخل المجلس التشريعي، يصطف فيه كل المعارضين لنهج أوسلو من القوى الوطنية والإسلامية وتشكيل حائط صد في وجه قيادة السلطة، ومنعها من التحرك في مسارات بائسة؛ مهلكة ومضللة، أضعفت الموقف الفلسطيني وأدخلته بدرجة مقلقة على خط تضييع الحقوق، وذلك من خلال الاستمرار بالرضوخ للإملاءات الإسرائيلية والضغوط الأمريكية وتقديم التنازلات التي تمس ثوابت القضية الفلسطينية وتهز أركانها.
لم تجد حماس صعوبة في الانتقال إلى هذا المربع الجديد من فضاء العمل السياسي، باعتبار أنها حركة لها قيادة شورية، وهي التي تقرر توجهاتها الاستراتيجية بحسب ما لديها من معطيات ورؤى مستلهمة من واقع قدرتها على تحليل الظروف المحيطة بها، وكذلك بما تأنس به من أفكار مستمدة من ارتباطاتها الحركية والتنظيمية بعمقها العربي والإسلامي.. بالطبع، كان هذا الانتقال من مربع العمل الدعوي والفعل المقاوم باتجاه السياسة هو خطوة موفقة، وقفزة مطلوبة، وإضافة نوعية جاءت في سياق تطور الضرورة الذي فرضته متطلبات حماية المشروع الوطني، بعدم ترك الساحة السياسية فارغة للسلطة كي تتصرف فيها كيفما تشاء.
في الحقيقة، لقد نجحت حركة حماس في فرض نفسها وحضورها الواسع داخل ساحة الفعل الفلسطيني، من خلال إنجازاتها في ميادين العمل الجهادي والتربوي والإغاثي، وكذلك في فضاء التوجيه الديني، حيث بسطت شبكتها الواسعة من الأئمة والدعاة على معظم مساجد قطاع غزة والضفة الغربية، والتي منحتها مشروعية صياغة الخطاب الديني بالشكل الذي يجعل كل من "ألقى السمع" يتعلق بها كطوق للنجاة، ليس فقط من جهة التخلص من الاحتلال، ولكن أيضاً من حالة الفوضى والفلتان الأمني ومظاهر الفساد والانحراف على المستويين السياسي والوطني، والذي بدأ الحديث عنهما بشكل صارخ داخل الشارع الفلسطيني، وفي دواوين النخب والمثقفين، إضافة إلى الصالونات السياسية التابعة للفصائل والأحزاب.
من هنا، أقدمت حركة حماس بارتياح على المشاركة في العملية الانتخابية، وقامت بخوض غمارها وهي مطمئنة بأنها سوف تحصل على نسبة لا تقل عن 40%، وأنه في حال جرت تلك الانتخابات بحرية ونزاهة - ولم يقع التزوير - فإن النسبة قد تقفز إلى 50%.
ربما توقع عددٌ من قيادات الحركة بأن حماس سوف تكتسح النتائج وتحقق الأغلبية، وهذا ما سمعته من د. محمود الزهار الذي كان متابعاً لرصد الحركة لاتجاهات الرأي العام من خلال استطلاع كان يباشر الإشراف عليه.. ولكن هذا التوقع، لم تُبن عليه داخل حماس حسابات كثيرة، باعتبار أنه من المستحيل أن تترك حركة فتح - التي تتحكم بكل مقاليد الأمور - المجال لحماس لكي تحقق ذلك.
في يوم 25 يناير 2006م جرت الانتخابات التشريعية، وكانت النتائج صادمة للجميع وأصابتهم بالذهول، حيث كان "تسونامي حماس"، والذي تسبب للغرب وخاصة الولايات المتحدة بحالة من الصداع السياسي ودوران الرأس، الأمر الذي جعل الرئيس جورج بوش يناقض نفسه وسياسات بلاده، والتي اعتادت الحديث عن نشر الديمقراطية ودعم واحترام ما تأتي به صناديق الاقتراع.. تنكرت أمريكا لمبادئها ولحق بها الغرب الأوروبي، واتخذ الجميع موقفاً واحداً؛ مقاطعة حماس، واغلاق الطريق أمام أية تعاملات سياسية أو اقتصادية مع حكومتها.
الفوز في الانتخابات وتشكيل الحكومة
كانت نتيجة الانتخابات بهذه الأغلبية الساحقة مفاجئة - أيضاً – لمعظم كوادر حماس وأنصارها في الداخل والخارج، وتم حسم الجدل فيما بينها حول الشكل الذي سيكون عليه حضورها داخل المشهد السياسي، إما بتشكيل الحكومة أو العمل فقط من خلال المجلس التشريعي، وذلك بالبحث والتشاور عن شراكة سياسية مع الآخرين، فإذا تعذر ذلك تتحمل حماس عبء الحكومة منفردة، مع إبقاء الباب مشرعاً لمن يرغب لاحقاً في مشاركتها بإدارة الشأن الحكومي.
حاولت حركة حماس من خلال وجودها في الحكومة أن تتحمل ما تنوء بحمله الجبال، ولكن - للأسف – ظلت عمليات التآمر والمناكفة السياسية قائمة، وكان التحرش لتخريب الحالة الأمنية تمارسها عناصر من بعض الأجهزة الأمنية وخاصة جهازي الأمن الوقائي والمخابرات.
لقد أجبرت هذه الحالة الأمنية غير المستقرة حكومة حماس على تشكيل ما سمي – آنذاك – بالقوة التنفيذية، والتي لقيت قبولاً وموافقة - في البداية - من الرئيس أبو مازن... تدحرجت الأمور بعد ذلك حتى وصلنا إلى شفير الهاوية مع تصعيد المواجهات المسلحة بين عناصر من فتح وحماس، والتي استدعت تدخلات متكررة من رئيس الوفد الأمني المصري في فلسطين اللواء برهان حماد، والذي كان له جهد مقدر ومشكور في قطع دابر الكثير من الفتن، والتوصل إلى مصالحات داخلية بين أطراف الأجهزة الأمنية التابعة لكل من جهتي الصراع؛ أي فتح وحماس.
باختصار؛ كان المشهد السياسي الذي عليه الحكومة العاشرة التي تقودها حركة حماس هو كما وصفه رئيس الوزراء إسماعيل هنية، بالقول: "نحن كنا في الحكومة ولم نكن في الحكم".
يونيه 2007م: أيام الدم والحزن والدموع
دخلت السعودية على خط الأزمة بين فتح وحماس، وقامت بتوجيه الدعوة للطرفين لزيارتها في فبراير 2007م، حيث تمكنت من عقد "اتفاق مكة" بينهما، وعليه تم تشكيل حكومة جديدة (الحكومة الحادية عشرة – حكومة الوحدة الوطنية) شاركت فيها عناصر من فتح وحماس وشخصيات مستقلة، وقدَّم خادم الحرمين الملك عبد الله للسلطة الفلسطينية مكرمة ملكية لإخراجها من الضائقة المالية التي كانت تمر بها آنذاك.
لم يمض على توقيع ذلك الاتفاق أكثر من ثلاثة أشهر حتى تعثرت جهود الإصلاح بين فتح وحماس، وعادت من جديد عمليات القتل والقتل المضاد لكوادر وقيادات من الحركتين.. ومع عجز حكومة الوحدة وفشلها في تحقيق الأمن والاستقرار، بدأت نذر الحرب الأهلية تلوح في الأفق وتطرق الأبواب، ودخلنا لعدة أيام من شهر يونيه 2007م في معارك طاحنة سقط فيها المئات من الشهداء والجرحى.. اعتبر البعض في حماس أن ما وقع إنما هو حالة من المغالبة أو الحسم كان لا بدَّ منها، فيما نظر إليها الطرف الآخر في حركة فتح بأنها كانت انقلاباً على السلطة، وعمل على نزع الشرعية الإقليمية والدولية عنها.
ومع التخبط الذي ساد ساحتنا السياسية، وغياب صوت العقل والحكمة لدى أهل الرأي والقرار، تم تشكيل حكومة جديدة في رام الله برئاسة د. سلام فياض، فيما استمرت الحكومة في غزة والتي أقالها الرئيس أبو مازن برئاسة إسماعيل هنية، ليتمخض المشهد السياسي - بشكل درامي - عن حكومتين لشعبٍ بلا وطن.!!
سنوات ما بعد الانقسام: ما لك وما عليك
حاولت حركة حماس والحكومة في غزة التكيف مع الأوضاع التي أعقبت الأحداث الدامية في يونيه 2007م، من حيث البحث عن مصادر تمويل للحكومة، وقد نجحت في تأمين ذلك عبر الدعم الذي قدمته إيران للحكومة ولفصائل المقاومة، وكذلك من خلال الدعم السخي لقطر، والذي لم يبخل أميرها الشيخ حمد بن خليفة بتغطية العجز في الميزانية، وتقديم المساعدات التي مكنت الحكومة من الاستمرار في عملها كل تلك السنوات التي وقع فيها الانقسام وإلى يومنا هذا.. بالطبع، كانت هناك أيضاً مساعدات من تركيا ومن معظم الدول التي تتمتع فيها الحركات الإسلامية بحضور واسع أو تأثير داخل مؤسسات الدولة.
قد تكون التسهيلات التي منحتها الأنفاق لتوسعة التجارة مع مصر والتي وصلت إلى حوالي 320 مليون دولار شهرياً قد أسهمت هي الأخرى في تخفيف الضغط عن الحكومة، من حيث توفير كل الاحتياجات التي عملت إسرائيل على معاقبة الفلسطينيين بحرمانهم منها، وأيضاً فتحت المجال لتوظيف الألاف من الفلسطينيين العاطلين عن العمل فيه، حيث يقال إن هناك ما يقارب ألـ10 ألف عامل يعملون في هذا الحقل، وهؤلاء بدورهم مسئولون عن تحريك عجلة الاقتصاد الفلسطيني في القطاع، والذي يخلق حراكاً لحوالي مائة ألف عامل يشتغلون في قطاعات التجارة والبناء.. ولقد شاهدنا ثمرة تلك التجارة مع مصر على حالة الازدهار النسبي الذي مر بها القطاع في الفترة من يناير 2010 – يونيه 2013م، حيث انخفضت نسبة البطالة إلى مستويات أفضل بكثير من سنوات سابقة.
وبالرغم من الضربات التي تعرض لها قطاع غزة جراء العدوان الإسرائيلي في ديسمبر 2008م فيما يسمي بعملية الرصاص المصبوب، وكذلك عملية عمود السحاب في نوفمبر 2012م، إلا أن قدرة المقاومة في الرد وحماية ثغور الوطن، والصمود الأسطوري للشعب في قطاع غزة، وعدم قدرة العدو على تحقيق أهدافه، جعل عدوانهم يرتد إلى نحورهم، وتخرج غزة عن بكرة أبيها مرفوعة الرأس، ولتمنح انتصار صمودها لقب "حرب الفرقان، وحجارة السجيل"، حيث انكسرت هيبة "الجيش الذي لا يقهر"، ولأول مرة تعيش المدن الإسرائيلية البعيدة عن خط الحدود حالة الخوف، وتتذوق طعم الذعر من صواريخ غزة ومقاومتها الباسلة.
الربيع العربي: انتكاسة الأمل
لم يفرح أحدٌ بالربيع العربي مثل تلك الفرحة التي عمت شوارع غزة، حيث نظر المحاصرون في القطاع إلى أن النظام العربي الذي مكَّن لإسرائيل أصبح في طريقه للزوال، وأن حركة النهوض العربي سوف تمنح الفلسطينيين المدد والدعم الذي انتظروه طويلاً.. بالطبع، كانت حركة حماس والحكومة في غزة من أشد الأطراف بهجة وتطلعاً بقرب مجيء الفرج وانزياح غمة الحصار الظالم وضغوطاته، وبدأت حماس تعد العدة لتحركات في اتجاه عمقها العربي والإسلامي، وقد انطلق في ظل تلك الأجواء رئيس الوزراء إسماعيل هنية بجولة من الزيارات للعديد من الدول العربية والإسلامية وكان من بينها بعض دول الربيع العربي، حيث تم استقباله في مصر وتونس على المستويين الرسمي والشعبي.
ومع الانتكاسة التي تعرضت لها موجات الحراك الشعبي في سوريا جراء مجازر الدم الذي ارتكبها نظام بشار الأسد، وصمت المجتمع الدولي على انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم بحق الإنسانية ضد الشعب السوري، ثم ما وقع في مصر أيضاً من أحداث دامية، إثر موجة الاحتجاجات التي أعقبت عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي، ودخول الجيش بقوة على خط العمل السياسي، فيما نظر إليه البعض على أنه انقلابٌ على الشرعية، ومحاولة لإعادة الحياة السياسية إلى ما كانت عليه قبل 25 يناير 2010م .. أدت هذه الأحداث الدراماتيكية في كل من مصر وسوريا إلى اختلال كبير في ميزان القوى لغير صالح حركة حماس والحكومة في قطاع غزة.
لا شك أنه كان بإمكان حركة حماس التكيف - نسبياً - مع ما وقع في كل من مصر وسوريا، لولا موجة العداء والتشهير التي تعرضت لها، حيث شنَّ نظام بشار الأسد حرباً شعواء على الحركة إثر قرارها الخروج من سوريا، والذي بررته بأن منظومة القيم والمبادئ التي تحتكم إليها تتقدم على أية اعتبارات أو مصالح أخرى، وبالتالي لا يمكن لمكتبها السياسي البقاء في دمشق كشاهد زور على مذابح النظام وعدم القدرة على فعل شيء لوقفها.. لا شك أن هذا الموقف الحيادي قد كلَّف حركة حماس الكثير في علاقاتها الاستراتيجية مع إيران وحزب الله؛ حلفاء النظام في سوريا، وقد أنعكس ذلك بشكل سلبي على عمليات الدعم المالي والعسكري الذي اعتادت إيران تقديمه للحركة والحكومة. والثاني؛ أن مصر عجلت هي الأخرى بفتح معركة مع حماس دون وجه حق؛ بدأتها من خلال وسائل إعلامها بهدف شيطنة حركة حماس، ثم دخل العسكريون أيضا وعملوا على توسيع دائرة الاتهام وعمليات الفبركة ضد كتائب القسام وبعض قياداتها المعروفين.
اليوم، بعد تلك الأحلام والآمال العظيمة التي بنيناها على الربيع العربي، نعيش حالات من الانتكاسة والتراجع والكوابيس المزعجة لكل مشاهده؛ سواء في مصر وسوريا أو حتى في تونس وليبيا واليمن.
بيت القصيد؛ إن هناك من يرى بأن حركة حماس هي أكبر الخاسرين من تلك الحالة التي آل إليها الربيع العربي، حيث فقدت الحركة تحالفاتها السابقة مع كل من سوريا وإيران وحزب الله، وتوسعت دائرة العداء الرسمي لها في المنطقة، وخاصة من جهة الشقيقة مصر وبعض أقطار الخليج العربي، ولم يتبق لها – عملياً - من حلفاء سوى تركيا وقطر.
الانطلاقة الـ26 لحركة حماس: طموحات وآمال
في ظل هذه الأجواء التي تتكالب فيها سهام العداء والتربص بحركة حماس وحكومتها في غزة، ما الذي تعنيه تلك المسيرة النضالية الممتدة على صفحات تاريخية تتجاوز العقدين والنصف من الزمن، والتي عطرتها المقاومة بعملياتها النوعية التي أعادت للفلسطينيين والعرب الكثير من كرامتهم المهدورة وعزتهم المسلوبة منذ هزيمتهم عام 1967م.. إن حركة حماس هي في الذاكرة الفلسطينية والمخيال الجمعي للعرب والمسلمين هي عناوين انتصار، ومشهد بطولي لجيل وقف بشموخ يتحدى الاحتلال وآلته العسكرية؛ فحماس هي انتفاضة الحجارة، وهي انتفاضة الأقصى، وهي قائمة القادة الشهداء الشيخ أحمد ياسين والدكتور إبراهيم المقادمة والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والمهندس إسماعيل أبو شنب، وهي عملية الوهم المتبدد وأسر شاليط، وهي حرب الفرقان، وهي الشهيد أحمد الجعبري وحرب حجارة السجيّل، وهي صفقة وفاء الأحرار، وهي رأس النفيضة لأمة عربية إسلامية تتطلع لتحرير فلسطين والمسجد الأقصى المبارك.
إن حركة حماس في ذكرى انطلاقتها السادسة والعشرين ما تزال مفعمة بالأمل، وتتحدث بنفس الواثق بنصر الله، قائلة: "اليوم نغزوهم ولا يغزوننا"، وتدعو شعبنا الفلسطيني بالاستعداد لما تراه يلوح في الأفق من معركة فاصلة عنونها "حطين 2"، وتعمل على تهيئة الأجواء بالدعوة للمصالحة وإنهاء الانقسام، ويتحدث الأخ إسماعيل هنية؛ نائب رئيس الحركة، بروح جديدة تعكس حرص الحركة والحكومة على الشراكة السياسية ووحدة الصف الوطني، ويدعو جميع فصائل العمل الوطني والإسلامي إلى ضرورة مغادرة مربعات الفرقة والخلاف، والعمل على ما يجمعنا من تفاهمات واتفاق لتعزيز قدراتنا على مواجهة التحديات والصعاب.
وبالرغم من إدراكي لحجم التآمر على القضية الفلسطينية وعلى حركة حماس، إلا أن ما قدمته حركة حماس خلال مسيرتها الجهادية على مدار تلك السنوات الـ26 من تقدم وثبات، وقدرة عالية على الحشد والرباط، وتحمُّل مشهود لضغوطات سنوات العسرة والحصار، والحفاظ على منسوب عالٍ من الجاهزية والاستعداد لمواجهة أي اعتداء قادم على غزة، يمنحني الاطمئنان أكثر لوعد الله لعباده بالنصر والتمكين، وأن كل ما نشاهده أو نمر به من محن إنما يأتي في سياق "اشتدي أزمة تنفرجي"، وأن "الأزمة تلد الهمَّة، ولا يتسع الأمر إلا إذا ضاق"، كما قال السيد جمال الدين الأفغاني.
ختاماً: لا بدَّ لليل من آخر
نعم؛ هناك من يرى - اليوم - أن حركة حماس تمر في مأزق كبير، كونها تواجه حصاراً مفروضاً عليها منذ أكثر من سبع سنوات وأجواء عداء متصاعدة وغير مسبوقة، وهي تعيش كذلك أوضاع استقطاب وحالة من الاصطفاف الحزبي بسبب الانقسام وغياب المصالحة الوطنية، كما أنها تتعرض لموجات من التحريض والتشهير والتشويه بقصد إلباسها عباءة الشيطان واستهداف طهارة مضغتها، وهي وضعية إذا أخذناها باعتبارات التضييق والضغط تكفي لتركيع الحركة وسقوط الحكومة، ولكن حفاظ المقاومة على زنادها، والحركة على رؤيتها التي عبرت عنه بشعارها المرفوع "للتحرير ماضون"، ومسعاها لإعادة حشد الموقف العربي وتعبئته باعتباره الحاضنة الاستراتيجية لمشروع التحرير والعودة والدولة الفلسطينية المستقلة، كما أن عملها على صعيد المجتمع الدولي الذي يشكل البيئة الاستراتيجية والفضاء الأممي الذي يتفرد فيه الكيان الإسرائيلي بمكانة تحالفية متميزة، بهدف تحييده وتفتيت حالة الاستقواء التي يتكئ عليها، وقطع "حبل الناس" الذي يزود شرايين وجوده بكافة أشكال القوة والمدد، والعمل للتخذيل عن أنفسنا وحماية المقاومة، باعتبارها اليوم الحاضنة الأهم لمشروعنا الوطني.. إن الغرب ليس كله سواء من ناحية النظر والتعاطي مع إسرائيل، حيث هناك من بدأ يدرك بأن إسرائيل أصبحت اليوم تمثل عبئاً أخلاقياً على المجتمعات الغربية يدفع بقوة لتكريس العداء والكراهية لها، ويعاظم من عمليات الاستهداف الإرهابي لمؤسساتها الحيوية ومصالحها الاستراتيجية بالمنطقة.
قبل انطلاقة حماس وقبل هبة الشارع الفلسطيني بانتفاضاته العارمة كانت إسرائيل تتحدث عن مستقبل حدودها من النيل إلى الفرات.. اليوم، وبفضل جهد الجميع من فصائل العمل الوطني والإسلامي عادت لحشر وجودها بين الأسوار داخل أرض فلسطين التاريخية على شكل "غيتو - Ghetto" أو جيب استيطاني معزول غير قادر على التعايش مع محيطه العربي والإسلامي، كتلك التي أقامتها التجمعات اليهودية منذ قرون في بلدان أوروبا الشرقية، ثم سرعان ما أدركتها اللعنات وموجات العداء والتطهير العرقي (Ethnic Cleansing).
إننا ونحن نتوجه لحركة حماس بالتهنئة في ذكرى انطلاقتها السادسة والعشرين، ونتمنى لها أن تظل مظلتها تتسع للجميع، باعتبارها - اليوم – واحدة من أهم حركات التحرر الوطني داخل ساحتنا الفلسطينية، ومعقود على نواصي كتائبها المقاتلة كل الخير والأمل.
ندعو الله أن تكون الشهور القادمة والعام القادم هي مساحة الرجاء المأمول لتحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، وعلينا أن نتذكر جميعاً أن البيت المنقسم على نفسه لا يمكنه الصمود، فالانتصار يطلبنا جميعاً أن نكون يداً واحدة وعلى قلب رجلٍ واحد.
وهلا يا ربع القسام .. هلا يا حمساويه


