اعاد تفجر الخلاف بين مصر وتركيا في الاسابيع الاخيرة تسليط الضوء على سؤال: هل لا يزال هناك مشروع تركي لاقليمنا مواز ومنافس للمشروع الايراني، وفي غياب تام للمشروع العربي؟ خلاف تركيا مع مصر ليس كالخلاف مع اي دولة او جهة اخرى. فالعلاقة بينهما ذات جذور تضرب عميقا في كلا المجتمعين اكثرمنها في اي بلد آخر، فلا يزال هناك مثلا عائلات عريقة تعتز باصولها التركية وينظر لها الناس بنوع من التميز الاجتماعي ويطلقون عليهم اسم " التراكوة ". ناهيك عن العلاقات العميقة بين الدولتين اهمية الخلاف انه ياتي ليتوج حالة التراجع التي شهدها المشروع التركي في المنطقة على امتداد السنتين الاخيرتين حتى وصلت حد التساؤل عن استمرار وجوده
لفترة امتدت ما يقرب من عشرة سنوات كانت التجربة التركية تحظى بقبول اهل المنطقة واعجابهم لدرجة اعتبارها مثلا يحتذى والتمني ان تكون لهم تجربة مماثلة. بذلك غزت تركيا المنطقة واهلها غزوا ناعما لا يشبه بحال الغزو العثماني البغيض وما يترسب في الذاكرة الشعبية عنه من صور الاحتلال والاكراه والقمع وهذا كان الاساس الذي قام عليه مشروعها للاقليم كانت الركائز التي قام عليها المشروع التركي للاقليم عديدة ومتنوعة، من اهمها :
- التجربة المتميزة والخلاقة قي المزاوجة بين الخلفية الدينية ومبادئ واسس قيادة دولة مدنية عصرية دونما تضييق على الحريات العامة ودونما فرض او اكراه في العبادات وفي التدين واساليبه. وايضا دونما تدخل مباشر في البلدان المجاورة.
- النجاحات الاقتصادية المبهرة التي ضاعفت حصة الفرد من الدخل القومي عدة مرات، وقادت الى زيادة رفاهية الناس وزيادة الخدمات التي تقدمها الدولة لهم، وفي تطور التعليم والخدمات الصحية وكافة مناحي الحياة الاخرى وهذا ادى في جانب اساسي من جوانبه الى اتساع الطبقة الوسطى وزيادة وعيها لذاتها ولدورها ونتج عن النجاحات الاقتصادية فتح اسواق المنطقة امام البضائع والمنتجات التركية حتى غزت اسواقها.
- الموقف القوي المؤيد للقضية الوطنية الفلسطينية ولحقوق ونضالات الشعب الفلسطيني ومناهضة الاحتلال الصهيوني وسياساته.
- الانفتاح الايجابي على دول وشعوب المنطقة على قاعدة صفر مشاكل والغاء تأشيرات الدخول للمواطنين بين تركيا وتلك الدول.
- ثم كان هناك شخصية اردوغان الكاريزمية التي ظهرت في وقت تشكو بلداننا العربية من جوع لشخصية كاريزمية عربية تحمل مشروعا قوميا او حتى قطريا.
لكن هذا الوضع بدأ بالتغير الهادىء والبطيء بعد بداية الربيع العربي، ثم بشكل واسع ومتسارع بعد بضعة شهور فقط من بداية الحدث السوري بدأت الخلفية الدينية لحكام تركيا تطفو على السطح لتشكل الاساس والناظم لسياساتهم ومواقفهم من التطورات في المنطقة. والاهم، انها قادتهم بوضوح وصراحة باتجاه الانحياز الى قوى تيار الاسلام السياسي سواء كانوا في الحكم او يسعون له بذلك بدأوا يمارسون الحكم ويحددون مواقفهم وعلاقاتهم كفرع من حركة سياسية اسلامية عابرة للحدود بعد اشهر قليلة من تفجر الحدث السوري انحاز الحكم في تركيا علنا وبكليته لجانب قوى المعارضة. وتعدى انحيازه حدود التاييد والدعم السياسي والانساني ليحوّل تركيا الى القاعدة الاساسية لقوى المعارضة وهيئاتها، وبوابة العبورالاهم لتنقل مقاتليها ولادخال السلاح والعتاد وكل المستلزمات، ولاعبا اساسيا في تقرير مواقفها فعلوا ذلك بغطرسة ايقظت مخاوف الكثير من الناس من توجهات عثمانية كانت مبطنة وكأنها تسعى الى استعادة امجاد ايام " شام شريف" والولايات العثمانية وما زاد الامر سوءا ان اهل الحكم في تركيا قاموا بذلك الدور بالتنسيق والانسجام التامين مع دول الغرب بقيادة الولايات المتحدة وفي توافق تام مع سياساتها واهدافها حتى الموقف المؤيد للقضية الفلسطينية، وجهته الخلفية الدينية المشار لها نحو دعم حماس والانحيازغير المبرر لها والتجاوب مع طموحاتها السياسية الخاصة ودعمها التغير الذي حصل على الحكم في تركيا طال ايضا الوضع الداخلي، على شكل اعتراضات على ممارسات ومشاريع معينة رأت فيها الناس اعتداء على بعض حقوقها وحرياتها، وقد تعامل الحكم معها بنفس الاساليب المرفوضة بوصف المعترضين بصفات غير لائقة واستعمال درجة من العنف في فض الاعتراضات اعلى بكثير من الضرورة اما اردوغان نفسه فقد طالت كاريزميته شكوك كبيرة بسبب قيادته للسياسات والمواقف المذكورة آنفا، فلا كاريزما شعبية بدون مواقف شعبية ثم بسبب تمسكه بالسلطة وسعيه الى الانتقال من موقع رئيس الوزراء الى موقع رئيس الجمهورية واصراره على اخذ كامل صلاحياته معه، لدرجة الذهاب الى تعديل الدستور
التغيير التركي تواصل وتصاعد حتى وصل ذروته في الموقف من التغيير الذي حصل في مصر بارادة جماهيرية عارمة، فقد اعلن الحكم التركي معاداته للتغيير الذي حصل ومناهضته للنظام الذي نتج عنه. ومارس هذا الموقف بالدعم السافر لقوى نظام الاخوان المنصرف ولممارساتهم التخريبية والدموية، وبالتدخل السافرفي الاوضاع الداخلية المصرية، وبتحويل تركيا الى المركزالذي تلتقي فيه اجنحة وقيادات حركة الاخوان المسلمين خارج مصر لتخطيط وتمويل التدخل ودعم النشاطات التخريبية.
بكل ما تقدم انتقل موقع تركيا على مستوى المنطقة العربية واهلها من موقع الاجماع في الترحيب والتأييد والقبول العالي لها ولمشروعها الاقليمي الناعم، الى موقع الجدل المتشككك والمتخوف، ان لم نقل الى موقع الرفض والمعارضة وهذا ما يعطي الاساس للتساؤل حول انتهاء المشروع التركي للاقليم فبدون قبول وترحيب الناس، اوحتى اغلبيتهم، لا مجال للحديث عن وجود او استمرار لاي مشروع
هل يمكن ان نطمح بان يكون بديل المشروع التركي، مشروعا عربيا تلعب مصر بعد تعافيها دورا اساسيا في بلورته وقيامه وتطويره؟.


