رحل الرجل الذي كان برمزيته وحضوره صديقاً لعرفات وفلسطين، وكان الممثل الأخير لتلك السلسلة الممتدة على مدى القرن العشرين، من كوكبة نادرة وفريدة تضم رجالاً وقادة وأنبياء ومخلّصين، قادوا شعوبهم الى الخلاص في مواجهة الأقوياء.
نذرف دمعة عليه اليوم وهو يغادرنا لأنه كان صنواً لعرفات، من نفس معدنه وزمنه، امتازا بذلك التفوق التاريخي على التحديات والصعاب التي واجهاها، وكانا فقط من بين كل الآخرين قادهما القدر ليواجها بالشجاعة نفسها والحنكة عدواً متشابهاً من ذات الطبيعة نفسها، الاستيطان العنصري في جنوب إفريقيا والاستيطان العنصري الإسرائيلي في فلسطين، الأبرتهايد هنا والأبرتهايد الذي هزم هناك. لكن مع فارق في قدر الرجلين والشعبين هنا وهناك، اذ بينما يعتبر السود والبيض في جنوب إفريقيا محظوظين بنيلسون مانديلا على حد سواء، لأنه لم يفكر أحد هناك بقتله والتخلص منه بسُم البولونيوم، فغفر الرجل للبيض الذين لم يكونوا يستحقونه، فإنهم هنا لم يترددوا بالتخلص من عرفات وقتله، ذلك الذي كان بإمكانه صنع السلام لفلسطين وإسرائيل معاً.
واليوم كلمة أُخرى لا بد ان تقال، فإن كان الغرب نكس إعلامه تحية لروحه، فلعلنا يجب ان نقارن رد فعل إسرائيل التي يكشف صمتها الحقيقة الواضحة، ان الاحتفاء العالمي بموته وتخليده كأيقونة ليس سوى التذكير بعدم اكتمال ثورة مانديلا بتحرر الفلسطينيين. وان ثمة النسخة الشقيقة الثانية لجنوب افريقيا هنا في فلسطين، حيث سياسة "الأبرتهايد" تمارس أمام الملأ، يفضح زيفها هذا النفاق في تنكيس الأعلام وعدم ملاحقة قتلة عرفات، فعلى ذات الخطى سار مانديلا وعرفات على خطى ماوتسي تونغ وهوشي منه وفيديل كاسترو واحمد بن بللا وسيمون بوليفار.
الكفاح المسلح والكفاح السلمي الوسيلة الحربية وغير الحربية السلمية وغير السلمية، وهذه كانت استراتيجيتهم كما نظريتهم، وكان في ذلك استثناؤهم في التاريخ..
عن قضية عرفات والعدالة
هل يصدم شعورنا نحن الذين نتوق الى رؤية العدالة الدولية وأنصافنا أخيرا، نحن آخر تجسيد حي لمظلومية العالم ضد شعب مضطهد، وقد بدا ان هذا الإنصاف ممكن حتى خذلنا موقف قضاة فرنسا. فرنسا التي شكرناها، فرنسا التي كرمت رموز الفلسطينيين، وفضل عرفات ارضها وأطباءها عن اطباء العالم، وحين مات زعيمنا مقتولا بالسم إياه نظمت فرنسا الحنون لوداعه جنازة تليق فقط بتكريم أبطالها وقادتها التاريخيين، وحين قدم قبل أسابيع رئيسها فرانسوا هولند زائرا الى مقر المقاطعة برام الله، لم يتردد بأن يضع إكليلا من الزهور على قبر عرفات ويقف دقيقة صمت.
فلماذا يشكك بعض القضاة بأن يكون عرفات قتل مسموما، حتى ليحيلنا كل هذا الالتباس الذي رافق الأداء والدور الفرنسي في القضية، الى طرح علامات السؤال حذرا كأنما في حدسنا الباطني من ضياع العدالة في قضية عرفات. في متاهات ودهاليز لعبة الأمم التي تحركها الأيادي الخفية في كل مرة بحسب كلمة السر التي هي حكر على ماكرين يديرون هذه اللعبة الخفية.
عبرت الزوجة المكلومة التي اسمها في هذه القصة سهى عرفات، عن صدمتها من هذا التناقض بين نتائج التحاليل المخبرية السويسرية وما ذهبا اليه الفرنسيون، وكان هناك شامت واحد في الموضوع اسمه إسرائيل.
عبثا تحاول " يا أبي ملكا ومملكة " قال محمود درويش مخاطبا عرفات في بيروت، لكن الشاعر لم يوضح نبوءته التشاؤمية استنادا الى رهان عرفات على العدالة الدولية الساقطة، ولاحظ الكاتب البريطاني المرموق روبرت فيسك بعد ثلاثين عاما من القاء درويش قصيدته، ان السم الحقيقي الذي قتل عرفات ليس البولونيوم وانما ثقته بأميركا وإسرائيل، حين اعتقد بأن سلام الشجعان ممكن.
اشفق عليك يا سهى عرفات وعلينا لأننا لا زلنا نؤمن بأن العدالة والقضاء الدولي يمكن له ان ينصفنا، إذا كان السياسيون يواصلون خذلاننا لكن هذا التناقض في الواقع ليس الا من قبيل أوهامنا، ورغبة أولئك الأشرار الماكرين بإذكاء هذا الوهم لدينا، من قبيل هذا الاعتقاد الذي أماط اللثام عن ضلاله كارل ماركس مبكرا، حين أشار الى ان البنى الفوقية السياسية والقانونية كما الإعلامية، انما هي انعكاس ظل وصدى وخادم للبنى التحتية العميقة في الدولة المدنية البرجوازية الحديثة، وان هذه العلاقة تستمر لتتميز بأداء دورها ووظيفتها التاريخية، ما بقيت الدولة قائمة اي الى يومنا هذا.
وهكذا فهِم السكان الأصليون من الهنود الحمر في أميركا الى ان الاحتكام الى القضاء الأميركي هو مجرد هراء، لكنما نحن الفلسطينيين الذين نجونا من مصير الهنود الحمر السكان الأصليين هناك، بفضل أصالة هويتنا وثقافتنا، إلا أننا نتوق الى الدخول في نظام الخصم العالمي ونعترف بهذا النظام، لكن هذا النظام يواجه خطيئته نفسها في كون ان هذا النظام هو المشكلة، انعدام استقامة وسلامة المحكومية العالمية.
هكذا ترانا سلمنا منذ العام 1974 بالشرعية الدولية، وفي نهاية المطاف اعترف العالم بشرعية حقوقنا وتم منحنا صفة دولة غير كاملة العضوية، ولكن الواقع يدل ان ذلك تم بفضل حقيقتنا نحن الذين لم تلن عريكتنا، ولأننا بقينا على قيد الحياة اي بفضل صمودنا، نجاتنا التاريخية التي دل عليها حذاقة وبأس ودهاء أبانا المحارب، الذي ما تخلى عن سلاحه كما كوفيته رمز هويتنا، وانه لا منة ولا فضل علينا. فقد تواطأ النظام العالمي على حصار ابو الوطنية الفلسطينية قائدنا، وغض النظر على مرأى قتله على رؤوس الأشهاد، واليوم يحاول التهرب من كشف الحقيقة والمسألة واضحة، لا توجد هنا قوات الاحتلال السورية في لبنان لكي ينعقد مجلس الأمن الدولي، ويصدر القرار بإنشاء المحكمة الدولية الخاصة في التحقيق بمقتل رفيق الحريري، ويجتمع بوش الابن وجاك شيراك ليتآمرا على سحق بشار الأسد وإجباره على سحب قواته من لبنان.
ربما لا نزال في النتوءات الأخيرة ما قبل انتهاء الدور الوظيفي الإسرائيلي في شرق أوسط يعاد تشكله من منظور جيو استراتيجي جديد وتبلور المأزق الإسرائيلي. لكن في غضون ذلك الوقت ولا زال جون كيري لديه الوقت ليقول ان أمن إسرائيل أولوية، وهذا ليس بالضرورة معناه أن السياسة الإسرائيلية لها أولوية كما رأينا في قصة الاتفاق مع إيران، فإن علينا مواصلة لعب أوراقنا بحنكة وذكاء، وفي هذا الصدد يجب مواصلة الدفاع عن قضية عرفات، الذي هو ابو الفلسطينيين جميعا، ولا بأس هنا من مواصلة الطرق في الهوامش التي يتيحها النظام القضاء الدولي كما المجتمع المدني، الرهان على محكومية المجتمع المدني في سبيل الوصول لصنع لحظتنا الجنوب إفريقية، نحن أيضا الذين نتقاسم هذه التركة من حقبة سوداء من القرن العشرين، وأصبحت بمثابة عار الإنسانية، لتذكير الوعي العالمي المناهض للعنصرية والاحتلال بحقيقة، إن هذا العار لم يُزل او يمحى بعد، وان رحيل مانديلا اليوم هو اللحظة المناسبة لإعادة الاعتبار لعرفات، بعدم ترك القتلة يفلتون من العقاب.


