تفرض الأحداث التي تجري في مصر وتونس على المهتمين بمسألة التحول الديمقراطي العربي الإجابة عن السؤال التالي: هل توجد قوى ديمقراطية في العالم العربي؟ هل توجد قوى تقبل بالأحتكام للجمهور كمصدر وحيد للشرعية ولتبادل السلطة السلمي؟
جميع الاحزاب السياسية في مصر وتونس أجابت على السؤال الثاني بنعم وقبلت مؤقتاً نتائج الانتخابات، لكنا شاهدنا تراجع العديد منها عن قبول هذه النتائج.. في مصر انتهت هذه القوى بالوقوف الى جانب الجيش في صراعه مع الإخوان.. وفي تونس تمكنت هذه القوى من فرض إرادتها على الحكومة المنتخبة وإجبارها على الاستقالة.
هذه الملاحظات هي ما يفرض ضرورة البحث عن إجابة للسؤال الأول..هل توجد قوى ديمقراطية عربية حقيقية أم أن جوهر المشكلة في العالم العربي هو في غيابها عن الشارع؟.
دعونا نبدأ من حقيقة يمكن الاتفاق عليها: عندما حدثت الثورات في العالم العربي كان أمامها مساران؛ الأول أن يستمر الثوار في ثورتهم الى أن يستلموا الحكم ويفرضوا دستورهم وسلطتهم باسم الشرعية الثورية.. أو أن يلجؤوا للانتخابات ويقبلوا بنتائجها.
في الحالتين التونسية والمصرية، لم يكن الخيار الاول ممكناً، وفوجئت قوى الثورة بقدرة الدولة العميقة (النظام القديم) في البلدين على التخلص من بن علي ومبارك في مسعى منها للاحتفاظ بـ "دولتها".
كان من الممكن الاستمرار في الثورة الى أن يتم استلام الحكم من قبل حكومة ثورية، لكن غياب التنظيم القيادي للثورة لم يمكن الثوار من السير في هذا الطريق.
كان هنالك بعض الأصوات والحركات الشبابية التي تريد استكمال الثورة إلى حين سقوط النظام القديم بهياكله كافةً.. لكن الطابع الأفقي للثورة لم يسمح لحزب أو لحركة بقيادة الجماهير في هذا الاتجاه. النتيجة كانت صراعاً مع النظام القديم على فرض أجندة المرحلة الجديدة.. لم يكن صراعاً على استلام السلطة، وإنما على آليات وضع دستور جديد، انتخابات جديدة، مواعيد تسليم السلطة للحكومة المنتخبة، محاكمة الفاسدين، محاكمة القتلة... الخ. لو أسقطت قوى الثورة النظام القديم واستلمت هي الحكم لما كان هنالك صراع على هذه القضايا أو على الأقل لاختلف شكل الصراع.
الذهاب في الاتجاه الآخر.. التفاوض والصراع في نفس الوقت مع النظام القديم فرض "الانتخابات". بمعنى أدق: الفشل في إزالة الحكم القديم كاملاً، وانتفاء الشرعية عن هذا النظام القديم هو الذي فرض الانتخابات، وليس رغبة "أطراف الثورة" فيها.
في تونس طرحت بعض القوى الثورية فكرة تشكيل حكومة إنقاذ وطنية (ثورية) بعد رحيل بن علي، لكنها لم تتمكن من فرضها واضطرت للقبول بفكرة انتخابات المجلس التأسيسي كبديل عن "الحكومة الثورية" التي لم تحصل على مباركة قوى الثورة كافة.
في مصر طرحت بعض القوى الثورية فكرة المجلس الرئاسي المؤقت، لكنها أيضاً فشلت في الحصول على إجماع القوى الثورية والإسلامية عليه، وكانت النتيجة الذهاب الى الانتخابات.
الانتخابات لم تكن خيار القوى الثورية الأول.. بل خيارها الثاني.. على العكس من ذلك.. الانتخابات كانت خيار القوى الإسلامية الأول.. في تونس، قضايا الصراع التي ذكرت أعلاه مع النظام القديم لم تحظ بأولويات حركة النهضة، وهمها الوحيد كان معرفة الموعد الدقيق للانتخابات، لذلك مثلا انسحبت حركة النهضة من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة في تموز 2011 احتجاجاً على تأجيل الانتخابات شهرين.. وفي مصر تحالف الإخوان مع الجيش لتنفيذ خارطة الطريق القائمة على مواعيد واضحة للانتخابات.
المقاربة بين مواقف القوى الثورية ومواقف الإخوان قد تعطي الانطباع بأن "الإخوان" اكثر ديمقراطية من القوى الثورية.. لكن الحقيقة أن ثقة الإخوان كانت عالية في أنهم سيحصدون غالبية الأصوات.. فهم الأكثر تنظيماً، والأكثر تمويلاً، والأكثر خبرة أيضاً ولذلك فضل الإخوان الذهاب في هذا الطريق.
حقيقة أن الانتخابات لم تكن خيار القوى الثورية الأول وأنها لم تقبل بعد ذلك بنتائج الانتخابات التي جاءت بالإخوان للحكم (وهنالك العديد من الأسباب المشروعة لذلك) وبأن ذلك كله قد عقد عملية التحول الديمقراطي في تونس، وأجهضه في مصر، هو ما يعطي السؤال الأول- إن كانت القوى الثورية فعلاً ديمقراطية- المشروعية.
لا نريد أن نضع القوى الثورية جميعها في سلة واحدة.. لكن الاتجاه العام هو أن هذه القوى ليبرالية وليست ديمقراطية.. هي تؤمن بالحرية بمفهومها المجرد: بحق الأفراد المقدس في السعي لتحقيق أهدافهم، بوسائلهم الخاصة بهم، شريطة عدم المساس بحقوق غيرهم.
ضمن هذا الفهم، يرفض الليبراليون أن تقنن الدولة أياً من الحقوق التي قد تحرمهم من "الحرية".. لكن ما يتعلق بالمسألة الديمقراطية.. فكرة قبول بأن الأمة هي مصدر السلطات وأن من حق الأغلبية أن تحكم وأن يكون هنالك تبادل سلمي للسلطة، فهذه المسألة يبدو بأنها موضع شك في الفكر "الليبرالي" العربي. هُم مع التبادل السلمي للسلطة إن كان من يحكم ينتمي للعائلة "الليبرالية" التي ينتمون إليها، ولكنهم ضد التبادل السلمي للسلطة إن كانوا مختلفين "أيديولوجيا" مع من يحكم.
الليبراليون العرب يعيشون في الوهم. هُم من جهة يريدون الديمقراطية الغربية بكل ما فيها.. ومن جهة أخرى، يرفضون الاعتراف بأن الديمقراطية الغربية هي حصيلة عشرات السنيين من التطور، وأن الوصول لهذه "الديمقراطية" يتطلب المرور في مراحل لا يمكن القفز عنها أهمها أن يتمكنوا من إقناع الجماهير بانتخابهم. لكنهم بدلاً من السعي لذلك، يفضلون الطريقة الأسهل.. إقصاء الخصوم الحقيقيين بالقوة، وبعدها لينجح من ينجح في الانتخابات، فهو من نفس العائلة "الليبرالية".
هذه ليست ديمقراطية.. هذا امتداد لاستبداد الأنظمة التي خرجت الجماهير للخلاص منها.
في العالم العربي.. يوجد ليبراليون، نعم.. يحلمون بالحرية ويقدسونها، نعم.. لكنهم يقصدون حريتهم هم، وليس حرية الجماهير في اختيار من يحكمهم، وهم ضمن هذا المعنى ليسوا ديمقراطيين.
هذا فرق كبير بينهم وبين القوى الديمقراطية، وهي أيضاً قوى ليبرالية، بمعنى أنها ترفض القيود على حرية الأفراد في التفكير والاعتقاد وفي ممارستهم لحريتهم الشخصية.. لكنها لا تكتفي بذلك، وتقبل بجوهر الديمقراطية وهي أن الأمة مصدر السلطات تمارسها من خلال ممثليها المنتخبين بإرادتها الحرة.


