لم يكن أحمد فؤاد نجم ليستطيع مواصلة العيش دون أن يسخر، بالشِّعر ومُرّ الكلام وسلاطة اللسان.
فهو يوجِّه جام سخريته على السلطة السياسيّة، وسُلطة السِّجن، وسلطة الفنّ والثقافة التي تتزلّف على أبواب السُّلطة. ولمّا لا يجد من يسخر منه، فإنه لا يتردّد في ممارسة السُّخرية على نفسه.
عندما أصيب للمرّة الأولى بجلطة في الدماغ، استيقظ من غيبوبته ليسأل الطبيب عن مرضه وما حصل معه، فلم يخف الطبيب عنه الحقيقة: " لن أكذب عليك.. فقد أصابتك جلطة في المُخّ!".
وأمام تلك الحقيقة المُرّة، لم يفعل نجم، للتعبير عن صدمته، سوى أن أبدى دهشة كبيرة وهو يقول للطبيب: "غريبة.. مع إنُّه ما عنديش مُخّ!؟".
تكرار الجلطة للمرّة الثانية، وفي المكان نفسه، ربما جاء ليُكذب الغطّاس، وليثبت لنجم، بالدليل القاطع، خطأ ادعائه. وإلاّ، فمن أين يجيء كلّ هذا الشِّعر؟!
***
عندما تحرص على الدقّة واحترام المواعيد، لتصل إلى أحمد فؤاد نجم في الوقت المُحدد، يستقبلك الرجل مبدياً إعجابه بدقتك، ويعبِّر عن ذلك وهو يتطلّع إلى ساعته قائلاً بمديحٍ أنت أهل له: "دا انت مش بني آدم.. إنت حيوان"!
والحيوان، على لسان نجم، هو أيضاً، الشاعر المُبدع، والمغني في لحظة التجلي، والتشكيلي الذي انصاعت له الألوان.
فالمفردة لديه تعني مديحاً خاصّاً واستثنائياً لا يستحقه إلاّ المتميزون، الضالعون في الإبداع، والوعي السياسي، والفعل الإيجابي، والسلوك الحضاري الذي يرتقي إلى درجة الالتزام بالمواعيد.
في زمن لم تكن فيه يساريتك لتستقيم دون أن تيمِّم وجهك نحو حارة "حوش قدم" في حيّ الغوريّة بسيدنا الحسين، حيث نجم وإمام، كان عليك أن ترتقي السلالم الضيِّقة، الغارقة في عتمة الظهيرة، لتتعرّف إلى تلك الظاهرة الإبداعيّة التي تنتشر على ألسنة العمّال والمثقفين وطلبة الجامعات، رغماً عن كل أشكال الحصار والمُلاحقة.
هناك، كان نجم يلتقيك كأنه يعرفك منذ أزمنة، بينما إمام يحدِّق في وجهك بعينين مطفأتين وكأنه يرى تفاصيل ملامحك.
ويزداد الترحيب بك حين يعرفان أنك واحد من "الفلسطينيّة" الذين رماهم "البندقاني"، وقادم من بيروت الحرب والمقاومة والموت الذي يتجوّل في الطرقات.
وهو سبب كان كافياً لأن يعفيك، دون سواك من الحاضرين، من المساهمة الجماعيّة في شراء طعام الغداء ذلك اليوم.
عندما عدتُ إلى القاهرة، بعد عام على لقائي الأول بالشّاعر والمغني الضرير، لم يكن نجم هناك، في "حوش قدم".
كان مختفياً عن عيون سلطة السادات. ولما سألت الصديق الكاتب عبده جبير عنه، قال: "الليلة نسهر عنده، في مخبئه.. إذا أردت"!؟
في تلك الليلة، امتدت سهرتنا مع الشاعر المختفي في شعاع الشّمس، والمُشاغب الأبدي الذي كتب على نفسه أن يكون صعلوكاً من المهد إلى اللّحد، حتّى ساعة متأخرة من الليل.
تهمة نجم الأساسيّة، نزيل سجنٍ أو ملاحقاً مختبئاً بوضوح، ساكناً في القلب ومتونِّساً بالناس، كانت في الغالب، التلبُّس بكتابة الشِّعر، وخوض المعارك مُدججاً بسلاح القصيدة، الأبيض والناريّ.
في إحدى جولات سجنه، كان شريك قضبانه الشّاعر اليساري الصّديق زين العابدين فؤاد، كاتب واحدة من أجمل القصائد التي يغنيها الشيخ إمام.. "اتجمعوا العُشّاق في سجن القلعة.. اتجمّعوا العُشّاق في باب الخلق".
وقد روى لنا زين أن أحمد فؤاد نجم رآه ذات يوم وهو يتجوّل بين الزنازين ببنطاله القصير، كاشفاً عن ساقيه، فأطلق عليه اسم: "زين العابدين فخاد".
أمّا العبارة التي قال زين إن صديقه لم يكف عن تكرارها يومياً، فهي عندما كان نجم يمدّ إليه بسيجارة، فيرفضها زين وهو يقول: "ما انت عارف إنّي ما بادخنش".
فيدعوه إلى كأس من زجاجة هرّبها بشقّ الأنفس من بين القضبان، فيجيبه زين: "إنتَ عارف إنّي كمان ما باشربش".
ثمّ يدعوه إلى مشاركته بـ "نَفسٍ" من الجوزة، فيقول زين: "ما انتَ عارف إني كمان ما باتعاطاش الحاجات دي".
هنا، كان نجم يهبّ في وجه صديقه غاضباً، مُردداً عبارته اليوميّة: "طيب.. إيه رأيك نجيبلك برسيم؟!".
وكان نجم قد دخل السّجن بعد أن كتب قصيدته الشهيرة "بيان هام".. عن "شحاته المعسّل حبيب القلوب"، والتي يغمز من كلّ أطرافها وزواياها وأضلعها إلى الرئيس أنور السادات.
وهي القصيدة التي حظيت بأجمل مرافعة قانونيّة، وأخفها ظلاً، عن الشِّعر والشاعر، قدّمها المحامي الشيوعي الراحل نبيل الهلالي، حين قال ساخراً، وبلغة لم تفقد رصانتها وجديّتها: "من قال إن اسم رئيسنا هو شحاته.. فالكل يعرف أن اسم الرئيس هو محمّد أنور السادات. وهو، كما نعلم جميعا، يدخن السيجار الكوبي الفاخر، ولا يتعاطى المعسِّل، وعليه، فإن القصيدة لم تمسه من قريب أو بعيد"!!
"الفاجومي"، المتهوِّر الساخر، الصدامي اللاذع، ظلّ يمثِّل دائماً، حالة احتكاك لا تنقطع مع النقيض. لا يتوقف عن إطلاق الشّرر الذي يشعل اللهب في الفضاء.
فحيث يكون أحمد فؤاد نجم، يندلع ثمّة حريق، وقد يمتِّعه أن تصل حرائقه إلى الأيقونات الكبرى.
فلم تفلت من مرّ كلامه الذي يُشبه حدّة الحُسام، أيقونات في حجم عبد الحليم حافظ، أو أم كلثوم، أو صلاح جاهين، أو محمد حسنين هيكل.
وهو يضطر، في كثير من الأحيان، ولكي يضطرم سعير النيران، إلى مغادرة الشِّعر والدخول إلى تخوم الكاريكاتير.
حتّى أن قصيدته لا تتردد من إطلاق بصقة شعبيّة في وجه الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون ".. بتاع الووتر غيت".
وتبلغ سخريته من الرئيس الفرنسي ـ الأسبق أيضاً ـ فاليري جيسكار ديستان.. "والسِّت بتاعُه كمان"، بأن يرى، على لسان الحالمين بزيارته لمصر، أنه سيحل كل المشاكل المعيشيّة الناجمة عن سياسة الانفتاح الاقتصادي، حتّى أن.. "العربيات حتموِّن.. بدل البنزين برفان"!؟
زلازل السنوات الأخيرة التي أطاحت بالكثير، أطاحت باليسار، وبيت "حوش قدم"، وصحبة الشاعر والمغني الضرير، قبل رحيل الأخير.
لكنها أبقت على إخلاص نجم للشِّعر، والبشر البسطاء، الطيِّبين، الذين لا يسرق أسفلهم منك أكثر من ثلاثة جنيهات لعشاء أولاده ذلك المساء.
إنه يُعلن اعتزازه بأنه ظلّ يسكن إلى جوار هؤلاء الناس، الذين يسكنون قلبه منذ ذلك اليوم البعيد الذي سكن فيه قلوبهم.
***
وداعاً لأحمد فؤاد نجم، الذي نطوي برحيله، واحدة من أجمل صفحات حياتنا!
wadi49@hotmail.com
كتابة أولى: شباط/ فبراير2002
فاروق وادي


