خبر : ياسر عرفات ....بقلم: د.عاطف أبو سيف

الإثنين 11 نوفمبر 2013 05:06 م / بتوقيت القدس +2GMT
ياسر عرفات ....بقلم: د.عاطف أبو سيف





لا يملك المرء في ذكرى ياسر عرفات إلا أن يكتب عنه. تظل ذكراه دائمة الحضور في كل وقت حتى قدوم تشرين يصبح الوقت عرفاتيا بامتياز. فالمزاج الشعبي العام يصبح عرفاتياً والنقاش في الشارع يكون حول عرفات وفي التاكسي كذلك؛ حتى في قاعة الجامعة وامام محل الأيس كريم.
فجأة يتحول كل شيء حولك إلى "ياسر عرفات"، إلى شيء منه، من ذكراه. كأن الرجل لم يغادر أو هو لم يشأ أن يغادر.
رغب في أن يظل باقياً. وذهب مثل كل الأشياء الجميلة صدفة دون وداع ودون ان يظن أحد أنه لن يرجع.
حتى حين عادت به الطائرة إلى المنفى منهكاً تعباً يحمل آلام المرض، إلى حيث رقاده الأخير لم يكن أحد يتخيل أنه لن يرجع.
كنا نلوح بأيدينا للطائرة ونود لو أنها مربوطة بأصابعنا حتى نستطيع ان نسحبها ثانية إلى الأرض، مثلما كنا نفعل ونحن صغار بطائراتنا الورقية في أزقة المخيم.
لكن الطائرة ستعود حاملة ياسر عرفات. لكنه هذه المرة لن يلوح لنا بيده، ولن يرمينا بقبلاته ولن يرفع لنا شارة النصر.
سيوارى الثرى حيث مثواه الاخير. مثل حلم من كان يصدق أنه سينتهي. من كان يصدق أن ياسر عرفات سيذهب في الغياب متشحاً سواد الليل وعتمة البكاء وعويل الروح.
من كان يملك هذه الحاسة التي تجعله يعرف أن هذا سيحدث. مثل بطل خرافي لم نكن نتوقع أن يغيب عنا هكذا.
لكن عرفات مثل البطل الأسطوري لا يذهب من الحكاية. لأن الحكاية تظل دائماً ناقصة من دونه، ولأن الحكاية في جزء كبير منها مؤسسة على حضوره الأبدي، فلا حكاية من دونه كما لا أوديسة بلا عوليس.
فالحكاية الفلسطينية تشكلت حول الحضور العرفاتي فهو لم يكن مشاركاً فيها، كما لم يكن شخصية وردت في متنها، كما لم يكن راوياً في عالم أصواتها المتعدد؛ بل كان هو الحكاية برمتها. كان الحكاية في أنقى صورها. هل يمكن تخيل الحكاية أو الحدوتة الفلسطينية بلا ياسر عرفات. هل يمكن تخيل التاريخ السياسي الفلسطيني الحديث من دون ياسر عرفات. بالطبع لا يمكن ذلك. ليس لأن ياسر عرفات كان شخصية استثنائية في حياتنا بل لأن وجوده كان فعلاً مؤثرا لدرجة كبيرة للدرجة التي يصعب فيها التمييز بين وجوده ذاته وتأثيره، كما أنه تحول ليصبح جزءاً من القضية الوطنية، فهو لم يكن فاعلاً ومؤثراً فيها بل تماهى معها وصار مكوناً من مكوناتها.
فحين تتحدث عن القضية الفلسطينية فأنت بالطبع تشير إلى ياسر عرفات بطريقة أو بأخرى.
على الأقل هكذا يمكن أن يحس أبناء جيلي الذين ولدوا قبل أربعين عاماً فيما ياسر عرفات يفرض على العالم بقوة السلاح اسم فلسطين.
حين كنا أطفالاً وكنا نرى صورته على التلفاز، فيما توفر منه وقتها بالأسود والأبيض في أغلبه - وقتها كانت القنوات قليلة جداً – كان ظهور ياسر عرفات على الشاشة يجعل الطفل فينا يشعر بأنه موجود خلف الشاشة.
كان وجوده هو وجودنا وحضوره هو حضورنا. كانت أعيننا "تبحلق" في التلفاز قبل أن تختفي الصورة خلف مذيع الأخبار حين يواصل نشرته، نحس بالحزن، لكنه سرعان ما يطالعنا في نشرة أخبار أخرى.
هكذا كان ياسر عرفات أول وعينا الوطني وأول تشكيل فهمنا حول فلسطين. كان مثل حكايات جداتنا عن مدننا وقرانا التي سلبها المغتصبون بعد أن تجمعوا من كل بقاع الأرض لينهبوا فلسطين. كان مثل تلك الحكايات يعمل على تخليق هذا الشعور الغريب في داخلنا (الوطنية) الذي يجعل الواحد منا مستعداً للموت من اجل استعادة هذه الحقوق المسلوبة.
كبرنا وكبر معنا ياسر عرفات لكنه ظل بالنسبة لنا هذا البطل الغامض الذي يتحدث باسمنا، الذي يحس بجراحنا.
ظل أفضل من يعبر عنا وعن آلامنا وأفضل من يشعرنا بالطمأنينة. ثم وجدناه فجأة بيننا. يمشي في الشوارع ويتفقد الناس ويقبل الأطفال والجرحى ويزور بيوت الشهداء. فجأة وجدنا بطلنا الأسطوري بيننا بعد تأسيس السلطة الوطنية العام 1994.
كان يمكن أن تمشي في الشارع فتجد ياسر عرفات في سيارته او يمشي على الأرض يزور بيتاً.
كان الشبان يمضون ساعات يرسمون صورته على الجدران في الانتفاضة الاولى (انا لم أكن جيداً في الرسم)، وكان يمكن لهذا ان يكلفهم عمرهم لو دهمتهم دورية من جيش الاحتلال.
لكن هذا لم يكن صورة على الجدار، لقد قفزت الصورة عن الجدار وصارت تمشي على الأرض. صار بطلنا الأسطوري شخصية واقعية. لكنه بفعله هذا كانه يمعن اكثر في اسطوريته. كانت عاديته تلك وهو يزور الناس ويتفقد الجميع ويعود المرضي ويمنح المحتاج، كانت تلك العادية تمنحه هالة اخرى من الغرابة والقداسة.
فكأنه كان يسافر بعيداً في الأسطورة ويتحول بهذه الأفعال أكثر وأكثر إلى حلم جميل سنفتقده حين يبعد عنا.
هكذا هي الأساطير تقوم ببناء البطل حتى يصبح رحيله مستحيلاً أو محتوماً، وفي الحالتين يكون الرحيل قاسياً وغير مصدقاً.
والحكاية الفلسطينية لو لم تكن كذلك لتغير الكثير من معالمها.
كأننا في كل مرة نحب أن نتذكر كل هذا، ونحب ان نتألم اكثر ونحن نتذكره، ويرغب البعض بمقارنة اليوم بالماضي لأن ثمة شيئا في الماضي يسحبنا إلى الحنين، فالماضي بطبعه أجمل وأبهى، أو أن هذه عادة البشر. لكن ثمة شيء من ياسر عرفات ناقص فينا. كأننا لم نحافظ على الوصايا او لم نحفظ العهد. فبكل المقاييس حالنا أسوأ ووضعنا أكثر صعوبة.
بمقدور كل واحد منا أن يرمي العبء والتهم على الآخر، ويمكن لنا أن ندخل في موجة سب وشتائم جديدة لكن هذا لن يغير شيئاً من حالنا بل سيكشف المزيد من سوء الحال وجلل المصاب وهول الواقعة.
فأيامنا للأسف لم تعد تشبه هذا الزمن العرفاتي الجميل.